تَمُرّ السنوات وتُلهينا الحياة في مشاغلها التي لا تنتهي، نُمَنّي أنفسنا بين الحين والآخر بالحصول على لحظاتٍ قليلة خاطفة نلتقط فيها أنفاسنا من الركض وراء أهدافنا التي لا نصل لها أبدًا!، وتأتينا تلك اللحظات بالفعل، ولكننا لا نُحسن استغلالها، أو ربما لأنها نادرة نشعر أنها لم تأتِ أساسًا، ونشعر أننا لم نتوقف عن الركض للحظة واحدة. ولكن مهما ركضنا فلابد أن ينال منا التعب يومًا ما، ورغمًا عنا سنُجبر على التوقف، وبينما نلتقط الأنفاس سننظر لماضينا، ونتأمل سنواتنا التي مرّت بدون أن نشعر، ونتأمل الأشواط التي انقضت من حياتنا بين فشل ونجاح وتعب وارتياح؛ وفجأة.. ستطفو فترة طفولتا على سطح الذاكرة، تلك الفترة التي تمثل لكل واحدٍ منا العزاء والسلوى، والدواء الشافي – مؤقتًا - لهموم الحياة؛ تلك الفترة التي كنا نعيش فيها بلا أدنى إحساس بالمسؤلية، فنتذكر ونتذكر ، وتتطفو الذكريات المبهجة، ونتأمل سذاجتنا ومواقفنا الطريفة وتعذيبنا لأهالينا، ونضحك، وننسي للحظات قليلة هموم حياتنا اليومية في الحاضر.
ما فعله عمرو على العادلي هو أن كتب روشتة نفسية هدفها إدخال القارئ في حالة من الـ "نوستالجيا" كما يسمونها، كتب في " عالم فرانشي" حكايات بسيطة تحمل بين سطورها جمال من نوع خاص، جمال لايميّز أحد عن الآخر، إنما هو جمال الطفولة الأصيل، الذي أخذنا منه نصيبنا جميعًا بدون أي تفرقة، فالطفولة لها أعمدة ثابتة تشكل ذكريات موحدة إلى حد كبير بذاكراتنا، هذه الأعمدة تتمثل في العفوية والسذاجة والشقاوة والفضول، تتمثل في الفطرة النقية الطاهرة التي لم تتلوث بعد بهموم الدنيا ووجع الحياة، تتمثل في علاقتنا بآباءنا وأمهاتنا، تتمثل في حارة كنا نسكن بها أو شارع كنا نلعب فيه، تتمثل في "البِلْي" والـ"النحلة" والألعاب التي كانت في نظرنا حينها أمتع وأجمل من أي لعبة أخرى باهظة الثمن ,, طفولتنا كنز لانتذكره إلا في لحظات معينة، لحظات التقاط الأنفاس كما ذكرتُ، ولحظات السَمَر والحكايات، وأضف إلى ذلك لحظات القراءة التي تصنع لك بوابة قوامها ضفتي كتاب وحروف ساحرة، تمر من خلالها لعالم قوامه شذرات من عطر الطفولة العزيز على النفس والقلب.
عن " عالم فرانشي" نتحدث، هي مجموعة قصصية مكونة من قصص قصيرة يحكيها بطل واحد هو الطفل (أيمن)، (أيمن) هو الكاميرا التي نشاهد من خلالها مقتطفات من حياته وحايتنا في نفس الوقت، (أيمن) هو أنا و أنت، (أيمن) طفل بكل ما تعنيه الكلمة، لا هَمّ له سوى اللعب مع أصحابه، همّه الأكبر هو المصروف اليومي المتمثل في " قِرْش" واحد قادر على فعل الكثير بالنسبة له,, تنقلب الأدوار ويأخذنا أيمن من أيادينا في رحلة قصيرة في رحاب طفولته ، يحكي لنا عن "أم غطاس" الخبازة التي تصنع له هو وصديقه "غطاس" عرائس من العجين والسكر بينما تخبز لأهل القرية مقابل أخذ عشرة أرغفة من كل خبزة ومن دون علم الأهالي، نتذكر معه معاناته مع النوم ، وشقاوته وهو يمثل أنه نائم بينما يستمع لكلام أمه وأبيه النائمين على السرير المقابل له، نتذكر معه ذكريات أول صورة للمدرسة وطقوس الاستعداد لهذا الحدث العظيم في حياته وبالمثل في حياتنا جميعًا، يفضفض لنا (أيمن) عن رغبته في الحصــول علـى " أخ" وكيف لايفهم السبب في أن أمه لا تستطيع أن تنجب له أخًا!، يحكي لنا عن طقوس صناعة الطائرة الورقية ومغامرة اللعب بها والقدرة على الطيران بها لأطول وقت ممكن,, حكايات وحكايات وحكايات ، وابتسمات لاتنقطع عن شفاهنا ونحن نستمع لهذا الولد الشقي، الذي استطاع أن يوقفنا عن الركض لأجله، لأجل قطع تلك الرحلة القصيرة الممتعة في رحاب الطفولة، و التي ستعيننا لفترة طويلة لكي نقطع شوطًا آخر طويلًا ومرهقًا في مشوار حياتنا .
توقفوا عن الركض في مضمار الحياة والتقطوا أنفاسكم وعيشوا اللحظة كما ينبغي
واستعينوا على شقاء الحياة بتلك الرحلات القصيرة الممتعة في رحاب الطفولة
تمت ِ