صحيحٌ أن الرواية فيها استعراضٌ لغوي وفكري ظاهر لكنه بدا محبباً لي ولامسني في مواقع كثيرة ،، ربما المشكلة في حوار بطل الرواية مع المذيعة ، لم أشعر أن النقلة فنيّة وخفيفة بل غيرت في مسار الرواية ونقلتها لبعد آخر بالرغم من أهمية ما طُرح فيها،، شعرتُ بأنه يدافع في أجزاء من الحوار عن كتاباته حتى قبل النقد مع أنه غير مضطر لذلك ....
نجمتان. واحدة للغة الشيخ المبهرة. و واحدة لأنها تحاكي واقعًا شائعًا. وهنا المراجعة: كنت متحمسة لرواية "نوستالجيا مارجريت"، أنهيتها، لم يصبّرني على إتمامها إلا لغة الشيخ كمال المبهرة، لكن القصة لم تعجبني، بالمختصر هي ليست قصة حب، إنما قصة عن نوع من الإيذاء العاطفي النرجسي narcissistic emotional abuse تحت مسمى الحب، ما قرأته كان استغلالاً وكُفرًا بالحب وليس حُبًّا، المحب يمنح ويرعى ويدلّل ويرفع قدر محبوبه، و لا يعامله بوضاعة كأنه قُمامة، جودو و مارجريت أصلاً غير متناسبين في الشخصية، جودو يحتاج امرأةً يتعذب بحبها ولا تحبه حتى يخرج من أنانيته و يعرف كيف يثمن أجمل المشاعر الإنسانية، هذا دواؤه، أما مارجريت فتحتاج رجلاً بنفسيّة أب يستلطف براءتها الأصلية ويرعاها، أو الأقل رجلاً طبيعيًا يعاملها باحترام كما تحترمه، لكن هي معه: غرّر بها الأمل، وهو معها: غرّه حِلمُها. زواجهما خطأهما معًا. جودو لا يعرف ماذا يريد، فتزوج امرأة لا تلبي احتياجه النفسي، لأن في نظره أن الزوجة هي امرأة جميلة وتملك الحد الأدنى من سلامة العقل لتفهم أوامره وسليمة جسديًا لتنجب ولتقوم بأمر بيته والسلام، ثم إذ وقعت الفأس في الرأس فطن إلى ما يريده بمعايشة فقدانه، وهي الأمر عندها أنه رجل و سيّد في الرجال مقبول وتجد فيه أدنى الاحتياجات حسب هرم ماسلو وهي الأمان، ماذا عن باقي احتياجاتك يا مارجريت؟ ليس كل سيّد في الرجال يصلح أن يكون سيّدًا للمرأة، طبيعي ما آلت إليه نفسك! علاقتهما محكوم عليها بفشل ذريع قبل أن تبدأ، فلا مشاكلة روحية تمد جسور الألفة بينهما، و لا مباينة متكاملة في الطباع تشد وثاق علاقتهما، وهذا التصور جليّ في خطابه لها في زواجه، امتهان صريح لا يفعله محبّ يثمّن ما بين يديه، هي تبالغ في تقديره، وهو يبالغ في إهانتها، و الكلام فيما بعد ذلك لغو، فالمهم هو الأساس الذي انبنت عليه العلاقة ومقوِّماتها. وبالنسبة لشخصية سيراميس فأمرها كالعادة؛ هي العنصر الثالث الذي يعزز الصورة النمطية الذي يفصل الزوجة عن أن تكون عشيقة فصلاً بلا مسوّغ، و يصوّر كم الزوجة مملّة وكم العشيقة مثيرة. ذكاؤها واستقلالها يشعره بالمجاراة تارة وبالتحدي تارة أخرى، ولهذا لا يمتهنها، فهو يشعر أنه يجب أن يعطيها مُحفِّزًا كي يتقدم في لعبة بناء تصوّره عن نفسه بكشف تصوّرها عنه، وهي كأي امرأة ذكية تتطلّع لمن يجعل العلاقة متعة ذهنية على المستوى الأدنى قبل باقي المُتَع؛ فهذا الأساس للعلاقة و الحد المميِّز لها والضامن لديمومتها؛ ولهذا فهو حاجة قصوى جعلت سيراميس تبتلع الطُعم لتقع في حب رجل يحب حب المرأة، ولا يحب امرأةً بعينها.
هذا ما في ذهني حاليًا، إن طرأ في ذهني شيء حدّثت المراجعة.
أي مراجعة يمكن كتابتها هنا؟ وقد تهكم الكاتب -تقريباً- من كل ردود الأفعال النقدية والعادية على الأعمال الأدبية، ولكن سأتجرأ وأقول بأنها صياغة أدبية ماتعة لشخصية كمال المرزوقي كما يُظهرها لنا في الفضاء الإلكتروني.
رواية: "نوستالجيا مارجريت" للشيخ كمال المرزوقي.. (( نعم لم تُخطئ قراءة الحروف، ولم أُخطئ أنا في كتابتها ! كاتب هذه الرواية الأدبية هو الشيخ المعروف المشهور كمال المرزوقي! لكن مهلاً يا من ستنفر منها ابتداءً لمجرد أن كاتبها شيخ! هي ليست رواية دينية، ولا تعرض موضوعها في قالب ديني، ولا حتى تشير لا من قريب ولا من بعيد لتديّن أبطالها،، فالرواية أدبية محضة ))
** أولاً سأشرح معنى العنوان: كلمة " نوستالجيا" تعني -كما فهمتُ من جوجل- : ألم الحنين للرجوع للبيت،، هذا المعنى الحرفي، أما المعنى والمقصود هنا فهو: ألم الحنين للماضي.. ومارجريت اسم زوجة بطل الرواية..
** أما مضمون الحبكة فتبدأ بالحديث عن التناقض العجيب بين شخصيّتَي الزوج بطل الرواية - وهو شخصية مثقفة وكاتب روايات وكتب- ، وزوجته مارجريت الطيبة البسيطة النقية المحبة.. وهنا تشعر أن الرواية تأخذ منحى الخواطر، وأسلوب الفلاش باك بشكل كبير، وتستعرض الحالة النفسية لكلا الزوجَين بشكل عميق وتشريحٍ كبير لنفسية المرأة المحبة المعطاءة أو " الزوجة الأم" لزوجها ، والغيورة جداً أن يكون قد تزوج غيرها! ونفسية الزوج الذي يعاني الإكتئاب الشديد، مع نفوره من هذا منها ، وانشغاله أو تشاغله التام عنها وهروبه منها بالقراءة أو النوم أو ردوده الساخرة عليها ! رغم أنه بعلن مراراً وتكراراً حبه الشديد لها وحزنه لحزنها، لكن فقط يعلن ذلك في داخله ولا يحسن التعبير عن ذلك لها مباشرةً !
ثم ينتقل الحديث عن لقاءه في المقهى بـ سميراميس ، تلك المرأة المثقفة الذكية التي يجد لذة كبيرة في محاوراتها، والتي تعترف له فيما بعد بوقوعها في حبه !
ثم وفي رسالة طويلة -رائعة من الناحية الأدبية البلاغية- من الزوجة مارجريت لزوجها، يمعن الكاتب في تشريح نفسية المرأة المحبة حين يؤلمها زوجها ويكسر قلبها، وتأخذنا في هذه الجزئية حلاوة المشاعر والحنين لذكرياتها الماضية معه حين كانا خطيبَين حبيبَين قبل الزواج !
ثم يستعرض الكاتب -على لسان البطل- الكثير من آراءه الفلسفية وتصوراته خاصةً في مجال الكتابة والتأليف والأدب ، من خلال مشهد استضافته في برنامج تلفزيوني يعنى بالجانب الأدبي والثقافي .
وتستمر الأحداث..
** وبينما أنت كقارئ غارق في الرواية وقد تورطتَ بها وفضولكَ يقودكَ لتتعجل قراءة كيف ستمضي الأحداث والسرد، فجأة ستشعر في نهاية الرواية أنه لم يكن ثمّةَ قصة ولا أحداث مكتملة! والسبب أن خاتمة الرواية -ويا للمفاجأة - جاءت مبتورة غريبة وكأنها ليست ذات علاقة بالرواية! هناك فجوة تحدث فجأة قبل أن تدهمكَ الصفحة الأخيرة معلنةً فقرة الخاتمة! وكأن أحداً قد مزق الصفحات الأخيرة وأبقى فقط آخر صفحة !! أو كأنكَ كنت تشاهد الحلقة الأخيرة من مسلسلكَ والتي يفترض أن تحل لك جميع الإشكاليات التي سبق وشَبَكَتْها حبكةُ الحلقات السابقة، ثم فجأة ينقطع التيار من منتصف الحلقة، ليعود فقط في آخر دقيقتَين فترى فقط المشهد الأخير ولا تدري كيف وصلت الأحداث هنا !!
** الرواية مليئة بفخامة التشبيهات، والصور الفنية، وكذا الاستشهاد بأسماء ورموز فنية وأدبية عالمية كثيرة، والأهم القدرة على الغَوص في نفسيات الأبطال ، مما يُنبئ القارئ بقوة لغة وبلاغة الكاتب، وكذا مستواه الثقافي المميز في المجال الأدبي ،، وكذلك معرفته الجيدة بأساسيات علم النفس.. (( وبالمناسبة الشيخ فعلاً كذلك، يظهر هذا في إجاباته على السائلين والسائلات، ويظهر ذلك في حديثه عن مهاراته وعلومه وقراءاته ، وفي حواراته، في صفحاته في مواقع التواصل الإجتماعي المختلفة خاصة الآسك ))
أقول في الرواية تظهر بوضوح قدرات الكاتب المميزة في الناحية البلاغية والفنية، وفي الناحية الثقافة الأدبية العالمية، لدرجة تحسبها وصلتْ للإستعراض !
" هل هي عارفة مميزة ما بين مقامي حب الأطفال المثالي الحالم الذي يمارسه مراهقو الفكر فيحبها لأنها أفضل النساء ، وأعظم النساء ، وأجمل النساء ، وأرق النساء ، ثم يكتشف أنه مخدوع موهوم لا أكثر ، ويصدمه القرب والزواج بأنها امرأة لا أكثر ، وبين حب الناضجين عقليا ، الأدوم ، والأقوي ، والأثبت ، والأرسخ ، القائم علي قناعة كونه يحبها وهو يعرف أنها امرأة كالنساء لا أكثر ، غير أنه لا يريد منهن جميعا سواها ؟! " كمال المرزوقي
بعيدا عن الشكل الفني لهذا العمل الأدبي الفكري البديع، وسواء تحققت فيه خصائص الرواية الفنية من سرد وحبكة وحوار أم لم تتحقق، وبالمناسبة كان السرد هزيلا وكانت الأحداث شاحبة، بل تكاد تكون رواية بلا أحداث إذا صح أن نسميها رواية، والكاتب عرف ذلك جيدا، وأراد أن يصادر على النقاد ويسبقهم إلى نقد عمله داخل العمل نفسه، وهذا يكشف عن جانب من شخصية الأستاذ المرزوقي الأنوفة... أقول بالرغم من مخالفة هذا العمل للنمط الفني المعهود عن الروايات، إلا أن قيمته الأدبية والفكرية تتجاوز كثيرا القيمة الحقيقية للروايات التي تحتشد بالأحداث ويتدفق فيها السرد كالسيل العرم.. الكتاب عبارة عن تأملات وتبصرات عن الحياة والحب والمرأة والرجل والعلاقة بين المرأة والرجل وأشياء أخرى.. تأملات عميقة وكثيفة ودسمة محمولة على لفظ جزل وتركيب بليغ فصيح ينعش القريحة ويوقد الذهن.
أحيانا عندما تقرأ تجد الكلمة تحاصرك ، بداخلك ، فى عقلك ، فى قلبك هكذا فعل الكاتب بلاغته طغت على كل شئ ، ربما أن الرواية ليس بها قصة ربما تفتقد لكل شئ الا البلاغه وقوة البيان والكلمة وهذا ما فعله الشيخ بارع جدا فى البلاغه والوصف .. اعتقد ان مزيدا من القصة والنقلات والحبكة والتفاصيل والموضوع كانت تحتاج البلاغه لكل هؤلاء ..
اللغة والفلسفة ورفض البطل لقلم ماركيز هم أجمل ما في الرواية....غير ذلك فلا، لم يعجبني عدم محاولته لإصلاح أى شيء فى حياته بدلًا من الهروب إلى عالمه وأحلامه، وأيضًا -مع عدم رفضى للزواج الثاني- لا أحترم مِن الرجال من يلوك كثيرًا عدم اكتفائه بإمرأة واحدة فنحن نعرف ذلك ولا داعى للمزايدة افعلها مرة أرحم من قولها مئة مرة.. وعلى كل فالرواية انتهت مني بغتة.. ولن تندم على قرائتها.
بعض الاقتباسات:-
"كانت أحلامك واقعية جدا لدرجة قاتلة للخيال .. وكنت أتساءل كيف يكون واقعك إن كانت أحالمك على هذا النحو الممل؟"
"الفراعنة كانوا يقولون عمّن مات عبارة شديدة الوقار : "رحل غربًا" وأنتِ كنتِ توشكين أن تقولي "رحل غربًا" فى كل ما يؤذيك."
"كنت دوما اعرف أن الكذب يكشف من الحقائق أكثر مما تفعل الحقيقة نفسها"
"أنا متعبة جدًا يا عزيزي .. يقتلنى حزن تخونه جميع الكلمات لعجزها عن وصفه .."
"وأما أنا فكنت أبكى .. أبكى وانا أشعر أن حبى لك صار عقوبة بالسجن فى قلبك."
"البينة على من ادعى، لا النفى على من اتهم"
"أعلى أنواع الإعجاب والتقدير فى نظرى، بل أوحدها هو فهم ما أقول."