عن ورع السلف الصالح والتابعين ، وإن أمرهم ليُقّطِع قلوب الخائفين... اجتناب المحرمات والشبهات والزود عن لا بأس فيه مخافة الوقوع فيما به بأس ، ليس من باب الترفع عن الدناءة ولا عن نزاهة وتصوناً للنفس عن الوقوع في الفواحش ، بل هو توق عن حذر من الوعيد وتعظيم للرب جل جلاله فهذا هو باعثهم على الورع... ما كان هنا من أحوالهم لهو عجباً ، يعاهدون أنفسهم بالمحاسبة ، يذكرونها بالوقوف بين يدي ربنا من يحاسب على اللحظة والهمزة واللمزة ، حساب شديد وإحصاء دقيق على الذر والخردلة ، آثروا الآخرة الباقية على الدنيا الفانية.... تحلَّوا بالتقوى وخشية الله عز وجل ومدافعة كل ما يُريب ويكدر صفو القلب ويغشاه ظلمة فلا يربطون عليه بيد.... لم يأخذوا من المباحات إلا بقدر الحاجة في وقت الحاجة مع التحرز من غوائلها بالمعرفة والحذر ، يرون بأن داعي الشهوة واحد للمباحات والمحظورات وإذا تعودت الشهوةُ المُسامحةَ استرسلت.... عاهدوا مراقبة الله والنفس بالمحاسبة ، مُدافعة الوصاية والرياسة ، فلا ترى منهم سعي محموم وراء دنيا ولا تلهي عن النظر إلى الآخرة.... وبالرغم من أن الأمثلة هنا عديدة إلى إن ما كان من ابن المبارك عجباً ، استعار قلماً بأرض الشام فذهب على أن يرده لصاحبه ، فلما قدم إلى مرو نظر فإذا هو معه فعاد إلى الشام ليرده على صاحبه.... ولما بحثت عن مدينة مرو وجدتها تقع فى تركماتستان على حدود أفغانستان ، ابن المبارك قطع كل هذه الرحلة من أجل قلم يرده لصاحبه..!! اتدرون مثل هذا الورع في دقائق الأمور هو ما يصنع رجالاً لا تستوحش لهم الغبراء.... أحببتُ كل من ذكروا هنا وارتجف قلبي مراراً لِما كان منهم واسأل الله لي ولكم اقتفاء أثرهم والسير على هداهم فهم على طريق أضاء نبراسه خير الأنام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ونسأل ربنا الهداية والثبات حتى نحط الرحال ويسهل الحساب.....آميييين