الدولة الماجدية ترمز إلى زعيم تمرد شعبي بالأردن بقيادة شيخ عشيرة العدوان سلطان العدوان الذي اختار ابنه (ماجد العدوان) زعيما لهذا التحالف بين جمع من القبائل؛ الذي تسمى بالدولة الماجدية. توضح التسمية مدى ارتباط العقلية العربية بمركز يدعى شيخ العشيرة..بحيث لو مات الشيخ، لتفرق الأتباع لا يلوون على شيء. قصة حروب الردة أوضح دليل عندي على تمركز الزعيم في العقلية العربية القبلية.
أما سبب التمرد فهو الاستياء من سلوكيات متكررة، من فساد وتفرد بالحكم، وإقصاء لأبناء البلد من الوظائف الحكومية والمناصب الرسمية، كما يذكر المؤلف. موضوع تقليد المناصب لأبناء العشائر، يعتبر محل اهتمام بين قبائل الجزيرة العربية والشام والعراق..بحيث لا ينظر في بعض الأحيان لاتجاه الشخص المعين في المنصب، الاقتصادي أو الفكري أو السياسي..بل ينظر إلى العشيرة التي ينتمي لها آنذاك.
كون بعض العشائر قد اختارت أن تشكل كيان دولة، ضد دولة الهاشميين بالأردن، فلهذا دلالته في عشرينات القرن الماضي. إذ دخول الإنجليز على خط استقلال العرب، جعل الجميع يفكر في هوية لدولته المرتقبة..فللهاشميين طموحاتهم لطلب الحكم..ولغيرهم كذلك..تبدأ الخطوة الأولى في إعلان الهوية الوطنية والثقافية للدولة في مسماها. في حالة تحالف العشائر المعادي للأمير عبد الله بن حسين..لم يجدوا رابطا يجمعهم سوى ماجد العدوان.
لا يمكن تصور صدور مثل هذا الكتاب في دولة عربية مشرقية ذات مجتمع قبلي كالعراق والأردن وغيرهما. فالكتاب صريح في الحديث عن عداوات بعض القبائل مع غيرها. كما أن الكتاب لا يوفر مناسبة دون أن يوجه سهام نقده لمؤسس إمارة شرق الأردن..والدولة الأردنية لاحقا (الملك عبد الله بن حسين).
وههنا لا بد أن نلتفت إلى أن كتب التاريخ الحديث لا تؤرخ لحركات المعارضة المحلية. بل يجري تهميشها وتهميش تاريخ قياداتها..على تفاوت بين سياسات الدول في بعض التفاصيل..فبعضها تدفن اسم المعارض تماما كأن لم يكن..وبعضهم يذكر اسمه دون قصصه..وبعضهم يذكر بعض قصصه وخيباته مع اسمه!
لا يفوت المؤلف فرصة دون التعليق على سلوكيات ومواقف الملك المؤسس عبد الله الأول في كتابه هذا.
لفت نظري جهد المؤلف الذي غطى ما أوردته الكتب من تاريخ سياسي..مع ما أوردته الوثائق البريطانية..ولم يترك المؤلف الروايات الشفهية للأحداث. فقد جمعها بنفسه من ٧٣ شاهد عيان قد قابلهم. ولم يترك حتى الأشعار التي قيلت..لذا يمكن اعتبار جهد المؤلف بأنه نموذج رائع، لكل مؤرخ ينوي التأريخ لحدث ما.
كما لفت نظري جرأة المؤلف على تخطئة الوثائق البريطانية باقتدار. فقد كان يجمع المرويات الشفهية للأحداث بدقة وصبر واجتهاد حتى يجتمع عنده ما يمكنه من معارضة الوثائق البريطانية بما هو أوثق منها عنده. وهذه نادرة بين مؤرخي العرب، أن يجرؤ أحدهم على نقد الوثائق البريطانية بمرويات أدق.
الحقيقة أن الكتاب قد أوقعني في معضلة أخلاقية. فكثرة إيراد أسماء شخصيات من رؤوس القبائل الأردنية، وما جرى من خلافات وأخذ ورد، قد أثار عندي تساؤلا عن مدى القيود التي ينبغي أن نضعها على المؤرخ الذي يؤرخ للقبائل؟. فكل كلمة تقال عما فعل فلان وفلان، ممن تحسب فعاله على قبيلة بأكملها، يمكن أن تثير خلافات، تفضي إلى اقتتال.. والاقتتال يفضي إلى دوامة من الثارات. فإذا قال أحدهم شعرا أو تفاخر ببطولات قبيلته في معركة ما، وسارت بهذا الشعر الركبان، ستجد دماء تسفك بسبب ما قيل...فما بالك بكتب تؤرخ لهذا كله. هل يمكن أن نضرب كل تلك المخاطر بعرض الحائط لمصلحة معرفة الحقيقة ونشر المعرفة؟
لا عجب أن يضيق على المؤرخين في الأقسام الأكاديمية..خصوصا في المجتمعات العربية القبلية.
في ختام الكتاب..قدم المؤلف ما يشبه مرافعة سياسية أمام محكمة التاريخ..أظهر فيها باقتدار أسباب قيام بعض العشائر بالثورة، ورفعهم شعار الأردن للأردنيين. فقد سيطر السوريون (من حزب الاستقلال الموالي للأسرة الهاشمية بسوريا) على المناصب الحكومية الأردنية..إذ كان السياسي السوري الفار من مطاردة الاستعمار الفرنسي يأتي لاجئا للأردن. كان يأمل الأمير عبد الله منهم أن يساعدوه في الحكم بحكم ولائهم للأسرة الهاشمية..وفي المقابل كانوا يريدون منه أن يسترد سوريا من الفرنسيين بحكم أنها كانت للهاشميين قبل أن يكتشفوا اتفاق سايكس بيكو، وقبل أن ينهزم الأمير فيصل بن حسين الهاشمي (شقيق ملك الأردن عبد الله بن حسين) من الفرنسيين في معركة ميسلون. والضحية من هذا التحالف، كانت العشائر الأردنية التي شعرت بالإقصاء.
يمكنني تلخيص انطباعاتي على محاور حديث الكتاب فيما يلي: ١- جهد طيب فيما يتعلق بتوثيق الحدث (ثورة البلقاء).
٢- بغض واضح من المؤلف لبعض أفراد الأسرة الهاشمية الحاكمة بسبب السياسات المتبعة.
٣- إبراز واضح لجهود شيخ عشيرة العدوان، سلطان وابنه ماجد..حتى ظننت بأن المؤلف من العشيرة نفسها، ويرغب في إعطاء زعيم عشيرته قدره من الاحترام في كتب التاريخ.
٤- إبراز لقصة اتصالات الأمير عبد الله بقيادات الصهاينة..منذ بدأ حكم الأردن..وليس قبل حرب ١٩٤٨م مباشرة كما يظن البعض. هذا الشيء قد يكون جديدا على البعض. إذ أن المعلن هو أن الاتصالات السرية بدأت لاحقا في عهد الملك حسين..حفيد الأمير عبد الله..وتحديدا في عام ١٩٦٣م. ومما قد يعضد قصة اتصالات الأمير عبد الله، ما ورد في برنامج الجريمة السياسية - اغتيال الملك عبد الله، عن هذه الاتصالات، في جزئه الأول (من بعد الدقيقة ٢٧). الخلاف قد يظهر في تفاصيل تلك الاتصالات. فالبعض يريد تصويرها على أنها لتقويض جهود ونفوذ الزعيم الفلسطيني أمين الحسيني، لكونه - وفق زعمهم - طامح إلى نفوذ سياسي وعرش يجلس عليه ليحكم، ولأجل ذلك حاول الحسيني التحالف مع الطليان والألمان في الحرب العالمية الثانية للفكاك من حكم الإنجليز. ومن المنطق أن أي ضرر قد يطال الإنجليز سيصل أثره إلى حلفائهم كالأمير وغيره وبالتالي فهو أي الحسيني تهديد مباشر لنظام الحكم. وهناك من يصر على أن اللقاءات مع الصهاينة؛ تنسيق كامل لأجل ولادة دويلة الصهاينة. شخصيا لا أرى فارقا كبيرا بين الرأيين..إنما هي فذلكة وتحاذق من بعض المؤرخين.
الطريف أني قرأت في بحث منفصل بأن الطليان والألمان، قد اجتمعوا بشكل سري لتقسيم بلداننا فيما بينهم..بما يشبه اتفاق سايكس - بيكو. يعني باختصار كنا سنستجير من رمضاء الإنجليز بنار الفوهرر والفاشيين!. ربما كان سيشيع حينها بيننا (نصف الشارب) الهتلري حينها بدلا من انعدامه كما شاع لاحقا بسبب حكم الإنجليز لبعض الدول :)
رحمة الله على سلطان وماجد العدوان.. الكتاب ضخم ويحتاج لمراجعة بعض الروايات كونه يعتمد في الجزء الأعظم منه على الروايات المحلية لأشخاص بعضهم عاصر الأحداث والبعض الآخر علمها من أسلافه، والتقييم المنخفض بسبب إبداء الكاتب لعاطفته في الكتاب.