على كل من يسمي نفسه مسلماً أن يسارع بقراءة هذا الكتاب. على الرغم من اتفاقي مع ما يقارب نصف المحتوى أو أكثر قليلا، ونزعتي لكل ماهو ثوريء وجريء، وإعجابي بشجاعة الكاتب الذي نفض الغبار عن عقله وجرد التاريخ من هالة القدسية التي لفت حول السلف وبالأخص تسليط الضوء على حكام بني أمية والتعريض بمعاوية ومروان والوليد وصنع عدسة جديدة لرؤية أبطال ذلك العصر، وتعرض الكاتب صدره لسهام التكفير والاتهام بالابتداع والزنقة وخوضه أبياً معركة التمرد على التراث، إلا أن كل ذاك لم يمنعني من التوقف عند عدد من المآخذ.
ولعل أبرزها ما ورد في الباب الثالث الذي عنونه الكاتب ب"أفلا تعقلون". حيث ادعى أن لفظة الألباب في القرآن أوردت دائما لتشير إلى الذاكرة، كما نسب العقل للفؤاد وهو القلب، بثقة بالغة أن العلم سيكتشف علاقة القلب بوظائف العقل طال الأمل أم قصر! مما شدني أيضاً أنه بذات الثقة المثيرة للتساؤل كان يجزم في عدد من المواضع بأن الله تعالى قد تكفل بحفظ القرآن، في الوقت الذي تحدث فيه بتكرار ممل عن مؤسسة عبدالله بن سبأ التي سعت أيما سعي للنيل من الإسلام، ولم يبين لنا كيف قفز إلى هذه النتيجة التي استدل بها على كثير من الفرضيات في كتابه.
التعليل على ذلك بنص القرآن سيوقعه بالتأكيد في مغالطة كبيرة، أما اللجوء إلى التاريخ لإثبات أن القرآن ثابت بالتواتر كان سيصطدم مع عدد من الروايات التي تحدثت عن نسخ عدد من الآيات وتعرض آيات وصحف أخرى للتلف، فما الذي دفعه إذا لتكذيب هذه المرويات في سبيل إثبات حفظ القرآن؟
كما تحدث أيضا عن مدلولات النفس، والروح وارتباطها بما أسماه عالم الأمر وكل هذه لم تتجاوز كونها ادعاءات مبنية على اجتهادات محضة لايمكن نفيها أو اثباتها بل إنها تبدو أقرب إلى الافتراض منه إلى الحقيقة لعدم استنادها على أي دليل إطلاقاً.
وكل ذلك كان تماشياً مع دعوته إلى الاجتهاد الفردي وذرو اجتهادات الأسلاف والتي جاءت انطلاقاً من اجتهاد آخر أورده في باب "الحديث" الذي شرح فيه أن لفظة الحديث تشير إلى ماهو متجدد باستمرار وأن هذا لا يمكن أن يطلق إلا على القرآن. جدير بالذكر هنا أن الكاتب كان يميل دائماً نحو تأييد آراءه من اللغة بطريقة وصلت أحياناً إلى ليّ عنقها للوصول إلى تعريف يتماشى مع جميع الآيات الواردة فيها بالفهم السليم. ولم يبارحني للحظة أثناء القراءة طيف مغالطة انحياز التأييد confirmation bias.
باب "الرحلة إلى دمشق" كان أكثر ماشد انتباهي وغاص بي في أعماق ديانتين كانت معرفتي بهما لا تتجاوز القشور التي صدرت إلينا عن طريق كهنوت ديننا، وإسهابه في التوفيق بين نصوص الكتاب المقدس، وربطها بالتاريخ ومن ثم تحليله المنطقي جدا -الغير مدلل عليه بالطبع- أمر يدعو إلى الدهشة ورفع القبعات تمجيداً لهذا الجهد.
أما في باب "أمي كاملة عقل" وعلى الرغم من تحفظي على الحديث سلفاً، إلا أنني قد انتظرت منه تفنيداً قوياً ناسفاً خاصة وأنه الباب الذي حمل عنوان الكتاب، فلم أجد سوى انتقادات ترتكز بالأساس على حدة اللغة والألفاظ الملقمة، خاصة في الجزء الخاص بتفنيد سند الحديث. تجدر الإشارة هنا أن الكاتب في هذا الباب والباب الذي سبقه "وقولهم على عائشة بهتانا عظيما" أكثر من الوقوع في شباك الإحراج الزائف false dilemma فكان يرجع كل الأحداث إلى احتمالين أو ثلاثة حصراً وتجاهلاً متعمداً لخيارات أخرى من أهمها احتمالية أن يكون الرسول قد قال هذا الكلام بالفعل، فلا يوجد سبب منطقي لاستبعاد هذا الاحتمال.
وأخيرا مؤسسة ابن سبأ التي كثر ذكرها لم تتم الإشارة إلى أهدافها وراء كل هذا التدليس، ولم يظهر لي أي فائدة سياسية أو دينية وراء شحن الدين بكل هذه الخرافات خاصة وأن المسلمون وإن صدقوا بحادثة الإفك فهم لايشكون لثانية في براءة عائشة مما يعني فشل مهمة التدليس على الرغم من اجتهاد صاحبها -حسب فرضية المؤلف-.
كل تلك الملاحظات لا تنف أنني استمتعت كثيرا بقراءة هذا الكتاب، وأنه يجب أن يوزع في المدارس لفتح العقول بدلا من المناهج المحملو بغثاء كتب التراث الخالية من المنطق.