يضيف المعمار الكبير رفعة الجادرجي سفراً إلى منجزاته العلمية والفكرية والفنية ويغني الثقافة العربية بهذه الدراسة الدقيقة التي تهدف إلى بيان الموقف من ظاهرة العمارة والدور الاجتماعي للمعمار والمسؤولية التي انيطت به من قبل المجتمع سواء كانت هذه المسؤولية ضمنية أم في مخيلة كليهما: المعمار المكلف مقابل المجتمع الذي يتعامل معه.
يخاطب الجادرجي الانسان العربي وكل متلقٍ آخر بصورة عامة ليفتح أمامه الآفاق أمام فهم عميق لأهمية الرسالة الثقافية والإنسانية التي تبثها العمارة. ولعل هذا الكتاب يتبوأ الطليعة بين الدراسات التي تناولتها العمارة فناً ورسالة، ولربما هو الأكثر تميزاً وشمولية - إذ يخاطب المعمار المختص والقارئ العادي دون أن يخسر شيئاً من الدقة العلمية ومن دون الوقوع في فخ التعقيد.
كتابة مراجعة لهذا الكتاب لن تكون سهلة بالتأكيد، فقد أوقعني في شكٍ من أمري. يتمتع الكاتب بمستوى معرفي عالي و نجده قد ضمّن الكثير من الأقوال والأبحاث والاقتباسات لدعم طرحه وهو ما يُحسب له. كما أن الكتاب كبير ووجدته كمشروع بحثي مُعمّق في مجال العمارة ومفهوم المعمار ومدى أهميته وأهمية الدور الذي يلعبه. وجدت نفسي أتفق مع الكاتب في عدة مواطن حيث كان الطرح فيها منطقي والفكر متسلسل. لدى الكاتب كم مخيف من المعلومات كما أنه يستطيع الربط بينها بشكل جيد حيث يعود بالقارئ -في كل مرة يتطلب الأمر ذلك- إلى حقبة زمنية معينة ويعدد خصائصها. لا أدعي فهمي الكامل لكل ما تم طرحه فقد وجدته معقد وليس بالسهل. من المقولات التي راقت لي جدًا هي " إن العَجْز عن إدراك ضرورة التغير المتدرج في الوقت المناسب، يؤدي إلى إدامة التخلف وأحيانًا إلى كوارث اجتماعية وإيكولوجية" . أما بالنسبة للجانب الآخر من مراجعتي هذه سأتطرق لما وجدته صادم جدًا وليس بعض الشيء . كنت أجد الكاتب يجمع في عدة مواطن بين الدين وجلد الذات والسحر، بالبداية ظننت أن الأمر متعلق بفقرة معينة يريد مناقشتها ولكنني لاحظت تكرر الأمر، بل إنه ازداد وهذا الأمر كان مع الديانات الابراهيمية الثلاث. حتى أنه ذكر دور المعتزلة مع النقد كون "فكرهم لم يرتق للإلحاد" وهنا واجهت مشكلة كوني لم أجد الطرح موضوعي البتة. إن فكر الإلحاد كان طاغي وبقوة على مدار الصفحات. كنت أود لو تمت مناقشة الأفكار المعمارية بحياد دون أن تميل كفة على الأخرى بهذا الشكل.