كتاب (بِمَ تقدّم الأوربيّون وتأخرنا؟!)، تأليف الشيخ عبد الله النديم -رحمه الله-، دراسة وتحقيق د. محمد عِمارة. دار البشير للثقافة والعلوم. الطبعة الأولى: ٢٠١٦م. الشيخ عبد الله النديم (١٨٤٥-١٨٩٦م)، هو كاتب وشاعر وخطيب وسياسي مناضل، وعالم في كثير من العلوم الإسلامية، وراسخ القدم في علوم العربية الفصحى. من مواليد الإسكندرية بمصر، وحصّل ما حصل من العلوم بجهده الذاتي والمناهج الغير نظامية. تأثر في فترة كتابته في الصحافة بمنهج جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده. شارك في قيادة الثورة العرابية الشهيرة التي حدثت عام ١٨٨١-١٨٨٢م، وكان هو أحد أبرز خطبائها المهيجين وألمع كتابها الثوريين. وأصدر صحيفة (التنكيت والتبكيت) وصحيفة (الطائف) بعد إغلاق صحيفة (التنكيت والتكبيت). وبعد هزيمة الثورة العربية طارده الاستعمار الإنجليزي فاختفى لمدة عشر سنوات، وخلال فترة الاختفاء الصعبة هذه ألف عشرين كتاباً، تشهد مضامينها على عمق تكوينه العلمي في علوم الإسلام والعربية. وقُبض عليه فيما بعد ونفي إلى مصر، ثم عفا عند الخديوي، فعاد إلى مصر، وبسبب مقالاته في مجلة (الأستاذ) الذي هو أصدرها، نفاه الإنجليز إلى الاستانة، فعمل فيها وصحب فيها أستاذه جمال الدين الأفغاني، حتى وافاه الأجل هناك رحمه الله. ويعتبر النديم أحد أعلام مدرسة الإحياء والتجديد، الذين سعوا إلى تجديد الفكر الإسلامي لتجدد به حياة المسلمين.
كتابه هذا الذي صدر في أواخر القرن التاسع عشر يُعد أول وأقدم دراسة عن سبب تقدم الأوربيون وتأخرنا، فقد سبق كتابه هذا الكتاب الشهير (لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدّم غيرهم)، لأمير البيان شكيب أرسلان بأربعين عاماً، كما أن كتاب الأمير مختصر، بينما كتاب النديم أشمل وعميق، تكشف من خلال قراءته، أن مؤلفه فيلسوف في فقه الحضارات، وفي السياسات الدولية، وفي الوعي بالتاريخ، كما قال المحقق د. محمد عماره. وقد كتب كتابه هذا عندما رأى تراجع الدولة العثمانية أمام اجتياح الإمبريالية الغربية لأقطار الشرق العربي، وافتتان كثير من النخب المثقفة بالقطاع الغربي وأنهم هم من يجب أن نحذوا حذوهم في كل شيء دون ضابط أو قيد، فهم الدول المتقدمة في كل شيء عنا. فيقف النديم ليوضح هذا الأمر وأنه لا يجب أن نتخلى عن إسلامنا كي نتقدم ونكون كالأوربيين.
ويذكر النديم أربعة أسباب رئيسة أصيلة تقدمت بها أوربا، وستة أسباب فرعية أخرى. أما الرئيسية (باختصار وإلا هناك شرح مفصل في الكتاب) فهي: توحيد اللغة، وتوحيد السلطة والشعب، وتوحيد الجامعة الدينية، والمعاهدات بين الدول الأوربية واتحادها.
أما الفرعية باختصار؛ فهي: إطلاق حرية الفكر والكتابة، وتجميع رؤوس الأموال في مؤسسات وشركات مساهمة، وتشجيع التنافس والابتكارات والاختراعات، وتعميم التعليم وتوحيده، وإقامة مجالس الوزراء لمنع الاستبداد والظلم، وإقامة المؤسسات لأهل الفكر والعلم والثقافة.
دراسة مهمة جداً مع توضيح وتفصيل لكل نقطة، ومن يقرأ الكتاب بالفعل يعرف مدى عمق النديم وغزارة علمه في تحليله لأسباب تأخرنا. وقد أبدع المحقق د. محمد عماره في تحقيقه لهذا الكتاب، وكان عمله فيه: التعريف بالمؤلف ونتاجه الثقافي والبيئة التي نشأ فيه، وتبيين الانتماء الثقافي للمؤلف، وكيفية رؤيته لإعادة نهضة الإسلام في الشرق من جديد، ثم ذكر أهمية هذا الكتاب وسبب تحقيقه له، ثم شرح بعض الأمور الغامضة في الكتاب. جهد جبّار من الدكتور محمد عماره، فلقد وضح حياة المؤلف وسيرته ومؤلفاته ونتاجه الثقافي توضيحاً رائعاً. فجزاه الله خيراً.
وللتوضيح فقد كان من أهم أعمال النديم في صحفه التي أنشأها؛ هو فضح خبايا الاستعمار الإنجليزي وعملاؤه الذين باعوا ضمائرهم له وحاربوا قومهم، ولذلك نفي مرتين وحورب وأغلقت صحفه.
كتاب يستحق كل مفكر وكل صاحب منصب أن يقرأه ويستفيد منه؛ ولقد استفدتُ منه كثيراً. رحم الله المناضل عبد الله النديم وأسكنه فسيح جناته.
نعيم الفارسي أبو نور
07.10.2016