على غرار "العقد الاجتماعي" لجان جاك روسو يصيغ طه عبدالرحمن عقده الخاص المستمد من الشريعة الإسلامية والذي أسماه "الميثاق الائتماني" في هذا الكتاب، والذي يعرف طه عبدالرحمن يعلم أن الاسم مستمد من فلسفته التي أصّلها في كتابه روح الدين وأكدها في غيره، والتي تنطلق من مشهد "إشهاد الخلق على أنفسهم بربوبية الله"، لينظم عقده الأخلاقي هنا على شكل ميثاق متكامل.
وإن كنت تظن أنك لا تستطيع البدء بقراءته قبل قراءة غيره لفهم فلسفته فقد أخطأت، فطه هنا يؤصل كذلك من جديد وبما يقتضيه هذا الميثاق لفلسفته، فمصطلحاته الشهيرة ستتكرر هنا كثيرا كذلك، وسينطلق من نقطة الصفر للنهاية، لذا فالكتاب وحدة متكاملة لا تحتاج لقراءات ممهدة له.
"دين الحياء"
هذا ما يحاول أن يقوله لك طه عبدالرحمن، فهو يرى بأن الحياء هو الصفة الأساسية التي تنطلق منها الأخلاق، ويدور عليها جوهر الدين، زاعما ذلك عبر انطلاقه من مرحلة "الشاهدية" مرورا بمصطلحاته الخاصة كـ"الملكوتية" و"الائتمانية" ليوصلك إلى هذه الحقيقة عبر خطواته الاستقرائية كما يفترض، لا كما أظن.
ومن هنا كان لي عليه بعض العتب، فلا أظن المؤلف انطلق بتجرد مستقرئا النصوص الشرعية، متقصيا المقاصد الشرعية، والتعاملات الأخلاقية من الواقع النبوي، بل أظنه انطلق من فكرته إلى النص، لا من النص إلى الفكرة، وهذا ما أشعرني بالتكلف.
فقد ارتكز المؤلف على الحياء ليعلق عليه كل خلق وإن بعد، ويقمع فيه كل فاضل وإن كان واسعا عليه، ولم يتحر كل خلق ويلاحق متشعباته في كل نص ليبني بعد ذلك رأيه، بل ولم يذكر من الأخلاق إلا الحياء كركيزة دون حتى أن يمر على بقية الأخلاق فيستعرضها ليرى هل لها الأحقية بالأولوية والأُسية أم لا، ومن هنا كان النقص برأيي، ولنا في د. محمد دراز خير مثال، فلا أظنني قرأت حتى الآن كتابا يبحث في الأخلاق وتأصيلها بشكل متكامل كما فعل، وقد استعرضها استعراضا جيدا شموليا موضوعيا، وقد تعرض لذكر الحياء كجوهر للدين مع اختلاف الفوارق بينه وبين د. طه، فدراز جعل الحياء جوهرا تصل إليه الأخلاق، أما منطلق الأخلاق فهو المسؤولية الناشئة عن الالتزام -وهو ما يوافقه فيه كانط تقريبا فيما يدعوه بـ"الواجب" وفلسفة كانط كذلك في هذا الجانب تستحق النظر والتأمل-، وهذه المسؤولية كذلك مستوحاة من نفس الآيات التي استمد منها طه فلسفته "...وأشهدهم على أنفسهم ....." “إنا عرضنا الأمانة...”، فيتبين لك أن الأس الأول والمنطلق الأساس للأخلاق كان هذا الالتزام الذي أقر فيه بنو آدم بالمسؤولية، وقد سماه طه كذلك بـ"الائتمانية" إلا أنه مع ذلك جعل الحياء في قبول تلك الأمانة هو الصفة الأولى لا الالتزام والمسؤولية، وينبغي قبل ترجيح رأي على رأي الوضع بالحسبان تداخل الأخلاق بعضها في بعض، واشتباكها بما يجعل البت في أصولها من الصعوبة بمكان، ولكنها اجتهادات ومحاولات مبوأة بالاستدلالات النقلية والعقلية.
ولأن طه من كبار المفكرين، والذي بلا شك مهد لهذا الخلق وأثبت أهميته في الشريعة ومكانته، فإن هذا يدعونا لموافقته وإن لم تكن موافقة كاملة.. إذن، ما الذي أتفق فيه مع طه عبدالرحمن؟
أتفق معه في جوهرية هذا الخلق كـ"خلق مثالي يقع في أعلى سلم الأخلاق، من وصل إليه وتخلق به وصل لمرحلة (الإحسان)"، وسأبين دلائل ذلك.
أولا: فيما يخص سبب عدم موافقتي له في كونه أساسا فقد ذكرت سابقا موضوع الإلزام والمسؤولية والذي أرجحه عليه، كما أحب أن أستدل على الأصول بالنظر للشرع لا للرأي، فنجيء للشريعة ونرى ما هو أس الشريعة؟ التوحيد، فلا مجال لعبادات وأخلاقيات لم يسبقها "إقرار" و"تصديق" بوحدانية الله واستحقاقه للعبادة، كما أن ذلك يعني تحمل العبد "المسؤولية" التي حمله الله إياها، كما أن تحمله لها جاء من قبيل أنها الحق والذي أراه مرادفا للـ"صدق" والذي ذكرناه سابقا بصيغة التصديق، فإذن الحقيقة التي أراها أساسا مهما أوليا ومنطلقا للبشر في تعاملاتهم واعتقاداتهم، والتي تتجلى كما ذكرنا في "الصدق" تتجلى كذلك في "العدالة" فالتوحيد=العدل، وأي عدل أعظم من التوحيد، وأي ظلم أعظم من الشرك "إن الشرك لظلم عظيم". إذن يتبين لك كيف أن الأخلاقيات الأولية هي في الحقيقة تدور حول ما عددنا والذي لم يكن من ضمنه "الحياء".
ثانيا: دعونا نتقصى الحياء ونصوصه لنرى حقا موضعه، وبتقصينا للحياء نجده متمثلا في "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" وهذه أعلى مراتب الحياء، فأن تفعل العبادة مستحضرا رؤية المولى جل في علاه، لهي مرتبة عظمى، أن تفعله لا لأنه واجب -رغم أحقية ذلك-، ولكن لأنك تجل الله وتكبره وتشعر بالحياء منه، فهذا هو أعلى ما قد يصل إليه المرء من الإيمان، والإيمان درجات ورتب كما نعلم، يبتدئ بالإقرار والتصديق -والذي هو درجات ورتب كذلك-، وينتهي باستحضار "الشاهدية" الربانية كما سماها د. طه، حيث ترى الله في جميع أعمالك وسائر لحظات يومك، فكل ما تفعله تفعله إجلالا له واستحياء منه سبحانه.
بقي أن ننبه كذلك إلى منطلق مهم بنى عليه المؤلف فلسفته، ودعا إليه انطلاقا من تلك "الشاهدية"، وهي انطلاق المرء من "الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني"، وهذه أقول فيها ما قلت في سابق حديثي، فدعوة المؤلف -حفظه الله- هنا كذلك "مثالية" "كمالية"، تدعو المرء إلى أعلى سلم الأخلاق والإسلام، وهي دعوة صحيحة تدعو لمكارم الأخلاق وأعلاها، إذ تدور حول الانتقال من العمل بالفقه وإعماله لدى الفقهاء من مرحلة "الأوامر" إلى مرحلة "الآمر" نفسه، فهو يدعو الفقهاء لأن يكون إعمالهم للفقه مستحضرا شاهدية الله منطلقا من ائتمانه خلقه على دينه، وهذه الدعوة قد تقبل إن كانت من باب الدعوة للوصول للكمال، ولو كانت خطابا للعامل لا الفقيه، وذلك بأن يسعى لمرحلة "السابقين والأبرار" لا مجرد مرحلة "أصحاب اليمين"، لكنها لا تقبل من باب قصر الدين وأخلاقه عليها، فهو هنا يدعو للمثالية كفلسفة دينية، لا كمرحلة عليا من مراحل التدين نحاول السعي إليها، وهذه أوقعته فيما أسميته بـ"المثالية" مرارا، بما توحيه من معنى الذم لا المدح، أي: الغير قابلة للتعميم، المصادمة للواقع وطبيعة البشر وتنوعهم، التي تشعر نحوها بالملائكية والكمال الذي لا يستطيع بلوغه البشري، بل ويؤكد ذلك دعوته للوصول لـ"لإدراك الملكوتي" هذا المسمى المتعلق بالعالم العلوي، والذي نسب إليه "أسماء الله الحسنى -وقد أفرد لها فصلا وانطلق منها-"، و"الملائكة"، و"الإنسان حين كان يعيش في العالم العلوي وقبل أن يحكم عليه بالهبوط لعالم الخطيئة"، فمن هذه العوالم يستقي المؤلف كمالات الأخلاق، ومنها أظن أنه بات واضحا لك نزوعه الدائم لذلك الكمال -وهو نزوع ممدوح بوصفه محركا وباعثا للإنسان بأن يداوم الوصول إليه لا بقصر الدين عليه وبذلك تنتفي مراتب الإيمان ودرجات معتنقيه في الدنيا والآخرة-، وسأبين لك سعة الدين انطلاقا من "الصدق" كأساس له -مثلا- على عكس الحياء، والذي أرغم المؤلف على حصر الدين على كمالات الأخلاق ومراتبه العليا، فمثلا: الأعرابي الذي جاء للنبي ليسأله عن الإسلام، فذكر له رسول الله أركان الإسلام ركنا ركنا، والرجل يسأله ما بين الركن والركن بسؤال "هل علي غيرها؟" -لاحظ السؤال يشعرك بالإلزام، فكأن الأعرابي انطلق هنا من منطلق الشعور بالإلزام والمسؤولية وهو ما قررناه مسبقا كأساس للأخلاق، ولو لم يكن أسا لبين له رسول الله أهمية انطلاقه من مبدأ الحياء من الله لا الشعور بالمسؤولية تجاه حقوقه، وهو ما يؤكده كذلك حديث "حق الله على العباد وحق العباد على الله"، والأمثلة على الانطلاق من الحقوق والواجبات متمثلة بحس المسؤولية تجاهها كثيرة وهي ما تدعم هذا الرأي بوضوح- فكان رد النبي عليه بأنه غير ملزم بغيرها إلا أن يتطوع -وهنا تأتي الزيادة والترقي في سلم الدين والإيمان-، فقال الرجل بكل صراحة: "والله لا أزيد على هذا ولا أنقص"، فكان الرد النبوي -وأرجوك ركز في هذا الرد-:"أفلح إن صدق" لا حظ "صدق"! فرد فلاحه في دنياه وأخراه على "صدقه" ليبين أن الصدق هو أساس هذه الأعمال لا الحياء.
أرجو أن أكون بينت وجهة نظري، وهي مع ذلك لا تعارض ما ذكره طه بقدر ما تحاول النظر إلى فلسفته على كونها الفلسفة المثالية للدين، لمن أراد أن يصل بإيمانه إلى أعلى مراحل الإسلام، وهي "الإحسان" كما ذكرنا.
ما لم أستحسنه منه -سامحه الله- وهو عائد كما ذكرت لقصره مفهوم الدين على فلسفته، هو أنه أخرج بذلك الصنعة الفقهية والفقهاء من دائرته، فهو يرى في الفقه الحالي فقها "ائتماريا" لا "ائتمانيا" ينطلق من البحث في أوامر الله باعتبارها أوامر لا باعتبار الآمر بها، وهو هنا تجاهل طبيعة العلوم البشرية، والتي يحتاج علماؤها إلى أن يصيغوها على شكل قواعد معينة، وذلك لتستقل بنفسها، وليتمكن من أدواتها، وليتوصل في النهاية إلى إعمالها على ما يتجدد في الواقع، ويقاس على ذلك علم النحو مثلا، فسيبقى علما عظيما مهما وإن قلت بوجوب التعامل مع اللغة بأنها حية، وأن هنالك بشرا تحدثوا بها يجب أن ننظر في شأنهم قبل النظر فيها، فالاهتمام بذلك على قدر أهميته إلا أنه لن يلغي أهمية النحو ومدى "فاعليته" حينما حولناه لصنعة مؤصلة ترجع فيه النصوص إليه، فقولنا: فعل وفاعل. لن يعني أبدا جمودنا على النص بقدر وضع قواعد له كي لا يذوب ويضيع فيصبح ولا نائح عليه، وكذلك الفقه، فقولنا: حق الزوجة على زوجها كذا. لا يعني أبدا أنه إن لم يتحقق هذا الحق فستطلب الطلاق مباشرة، لوجود نقص في هذه الحقوق، و٢-١=١، فبالرغم من أهمية صياغة الأحكام في قالب قانوني منطقي يتعامل مع الأمور بتجرد، فإن هذا لا يعني أبدا عدم التشريع لما هو أحسن، والدعوة للأفضل، واستحضار شاهدية الله، فالقصاص حق لصاحب الحق، كما أن العفو هو المرحلة الأسمى، وبكل جاء الإسلام وشرع، ويتبين كمال الشريعة بوضعها للحقوق والأخلاق الأساسية كركائز، ثم دعوتها للإحسان ومكارم الأخلاق كمرتقى، ولا مجال للفلسفة المثالية كتعميم للناس جميعا، ولنا في الأعرابي الذي ذكرناه خير مثال، فليس الكل يأتي الخير باستحضار شاهدية الله فقط، ولذا شرع التذكير بالتخويف من النار والدعوة للجنة -وهما أمران مرتكزان على اللذائذ الحسية والمادية بشكل كبير- في القرآن كثيرا، وذلك لأن خالق الإنسان علم طبيعته البشرية المكونة من جسد وروح، فلا بد من إشباعهما كليهما، ومخاطبتهما كليهما، وإن كان ذلك لا ينفي أن المرء قد يصل لمرحلة أسمى قد يشعر فيها بالروحانية تتغلب على شهوانيته، كما يحدث من كرامات لبعض الأولياء، قد يستغنون حينها عما لا يستطيع البشري الاستغناء عنه، وذلك بولاية من الله لعباده الصالحين.
يستوحي طه مصطلح “الشاهدية” من آيات الأحكام ذاتها، فهو كما ذكرنا لا يحبذ مصطلح “التكليف الشرعي” في التعامل مع الأحكام، فيرى بأن الأحكام والحدود في القرآن دائما ما ختمت باسمي “السميع والبصير”، وهو هنا يقول: عليكم أن تتعاملوا مع الأحكام كما أوردها الله، لا بوصفها واجبات وحقوق، وإنما بوصف شهادة الله علينا وعلمه بنا، فافعل الحكم حياء من السميع البصير لا بوصفه تكليفا يجب عليك أداؤه، وقد لكز ونكز مرارا بالصنعة الفقهية بما لا أتجرعه ولا يطوله، فليته خاطب في فلسفته الإنسان بوصفه إنسانا ومدى تعلقه بالتكليف، وترك الصنعة الفقهية الشريفة لأهلها، فلكل مجاله ودربه، ولا يعقل بأن يهاجم أهل العقيدة الفقهاء بأن الفقه غير مهم دون عقيدة راسخة، فبذلك يفترضون انقسام العلوم عن بعضها انقسام التضاد والانشقاق، لا انقسام التخصص والتصنيف، فقد أحدثك عن الزنا من حيث حكمه النظري البحت، ولن يعني هذا أبدا أنني لن أهيب بك إلى النظر إليه من حيث نظر الله إليك واستشعار أسمائه سبحانه وصفاته وأنت تقوم بهذا العمل، لكنني في الاكتفاء بذكر حكمه التفصيلي ألتزم تخصصي العلمي.
في تأصيل طه للعلاقة بين “السميع والبصير” وآيات الأحكام مثال جيد على أهمية الربط بين أسماء الله المختوم بها الآيات وما تحتويه تلك الآيات، وهو موضوع جدير بالبحث وإفراد الجهد فيه، فالقرآن مليء بآيات مختومة بأسماء الله وصفاته، وهذا ما لا يجب أن يمر على المتدبر والباحث مرور الكرام، فأظن أن الخوض في أسرار تلك العلاقات سيؤول إلى نتائج لافتة ومهمة.
تقف “شاهدية طه الائتمانية” أمام “غاضبية سارتر الاختيانية”، فسارتر يرى أن شعور الإنسان بمراقبة الإله له وهم، وبسقوط هذا الوهم تسقط الأمانة والمسؤولية اللاتي انطلق منهن طه، ويصف سارتر عذاب جهنم التي رسمها في مسرحيته، والتي تخلو من آلات التعذيب والجلادين بوصف واحد: “هو أن ينظر هؤلاء الداخلون لجهنم -وهم عصاة بتنوع معاصيهم- لبعضهم البعض على الدوام، فخلودهم في جهنم هو خلود نظر بعضهم إلى بعض”، انظر إلى غاضبية سارتر كما وصفها طه، فاستشعار مراقبة أحد له على الدوام هو جهنم بالنسبة له، وبرغم ما يظهر لنا ذلك من “نفسيته الخايسة:)” فإن ذلك حقيقة حدا بي للاستغراق في التفكير في كثيير من الأمور، منها استشعار أهمية الستر للإنسان-إذ هؤلاء الناظرون لبعض مطلعون على معاصي بعض-، وهي النعمة التي امتن الله بها على عباده كثيرا، ويتبن لك من خلال هذه المسرحية السارترية استحضار هذه النعمة كنعيم، ولذا يتردد مفهوم الستر كثيرا في الإسلام بالدعوة إليه والدعوة إلى الدعاء به، كما يقتضي مفهوم ذلك أنك لو استشعرت شاهدية الله لك في كل لحظة لما عصيت، إذ استشعار المراقبة يقي من الوقوع في الخطيئة، وهي المرحلة العظمى من الإيمان كما ذكرنا.
فلسفة طه عبدالرحمن وتعلقها بك تتمثل في التالي: لا تتعامل مع الأوامر والنواهي باستحضار مكانتها الفقهية وتصنيفها الشرعي وكل ما يُرَد فيه نظرك إلى ذات الأمر والنهي، بل تعامل معها باستحضار الحياء من الآمر والناهي وشهادته عليك، وأظن هذا يتمثل في فعل كبار الصحابة والتابعين حينما يفعلون الفعل لأن الله ورسوله أمروا بهما لا لذاتهما، فمعرفة أن الله نهى عنه كافية لتركه دون معرفة مدى حرمته، وهذا هو الإحسان في أعلى مراتبه، ولذا لم يوجد تصنيف في عصرهم أو اهتمام بدرجة الفعل (مباح - مكروه - محرم .. إلخ) إذ كره الله ورسوله لفعل كاف لتركه وإن لم يكن محرما بالضرورة، وهذا التصنيف ظهر فيما بعد في العصر الذهبي للعلم، وهو ما يدعو للافتخار بهؤلاء الفقهاء لا استنقاص عملهم كما أوحى بذلك طه، فالدين علم، والعلم يحتاج لتصنيف وتقسيم وتقعيد، ولا ينفي ذلك أبدا ما دعا إليه طه، لكنه يترجم الدين لعلم نظري، بدلالة إجلال هؤلاء الفقهاء لله وتعظيمهم له بما تشهد له سيرهم، وما قاموا به أصبح المرجع والقواعد التي نعود إليها اليوم ونستفيد منها، بما كان فيها من جمع وحسن تقسيم وتصنيف وترتيب.
ويتمثل الحياء في أعلى صوره في سيدنا عثمان -رضي الله عنه- والذي كانت تستحي منه الملائكة، وقد روى أحمد عن الحسن في ذكر حياء عثمان أنه قال : " إِنْ كَانَ لَيَكُونُ فِي الْبَيْتِ وَالْبَابُ عَلَيْهِ مُغْلَقٌ ، فَمَا يَضَعُ عَنْهُ الثَّوْبَ لِيُفِيضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ، يَمْنَعُهُ الْحَيَاءُ أَنْ يُقِيمَ صُلْبَهُ " ولا أظن استحضارا لشاهدية الله وملائكته يفوق هذا .
حديث طه في فصل “موت الإنسان المعاصر وضرورة خلق الحياء” كان مؤثرا ويمس الواقع وإشكالياته، فلا أظن خلقا أقصي في عصرنا كما الحياء، بل انقلبت المفاهيم، فارتبط الستر بالشبهة، والإظهار بالوجود وإثبات الذات، ويتمثل ذلك كذلك بالنظام الديمقراطي الغربي وما يحمله من قيم ساهمت في نزع الحياء أو قل استهجانه وإعادة تسميته بمسميات جديدة، وكذلك النظريات العلمية الحديثة كنظرية فرويد في التحليل النفسي والتي تقوم على انتزاع الحياء ووصمه بمسميات متعددة كالكبت والقمع، وأنا أتفق معه اتفاقا كليا، ليس فقط بأثرها في هذا الجانب فقط، بل أضحت شيئا فشيئا تنزع من المرء روحه وتكاد تحصره في زاوية تجريبية تقلل من قيمة الإنسان العظيمة، وما تملكه روحه من طاقة لا تقاس بالتجارب، ولا ترى في المعامل، كما أقصت كل ما هو غيبي، وقصرت الأسباب على كل ما هو محسوس مادي.
أخيرا: الباصرية وليس السامعية، الائتمان وليس الاحتياز، الملكوت وليس الملك، الفطرة وليس الكسب، الأسماء الحسنى وليس الأشياء، الأصالة الأخلاقية وليس التبعية، كل ذلك ينطبق على خلق الحياء كما يرى طه، والذي يرقى بك إلى رتبة الشاهدية.
عبارة الختام: “القلب الحيي قلب حي”.
إلى هنا انتهت فلسفة طه، وبها سنكمل قراءة بقية الأجزاء بحول الله وقوته.