كما يدلّ عنوانه، فهذا الكتاب محاولة لإيجاز تاريخ تونس أو ما يعرف اليوم بالبلاد التونسية، أقدّر أنّه مناسب للتونسيّ المتعلّم الذي يريد أن يعرف أهمّ الأحداث التي شهدتها بلاده دون أن يتعمّق في تفاصيلها، أو للأجنبيّ الذي يملك فضولا لمعرفة ماضي البلاد الأثير. هو أيضا مدخل لدراسة تاريخ البلاد، فمنه يمكن معرفة مختلف الأبواب التي ينبغي طرقها بتمعّن وتقصّ في كتب التاريخ الأكثر تفصيلا. وربّما كانت هذه المحاولة رائدة سنة كتابتها (1953) وربما كان لها تأثيرها الكبير على مناهج التعليم في تونس من بعد ذلك، فكلّ أبواب الكتاب وأحداثه التي ذكرها حسن حسني عبد الوهاب في خلاصة تاريخ تونس، نجدها في البرنامج الرسمي للتاريخ الذي يدرّس في السنتين الخامسة والسادسة ثم يعاد بشكل أكثر تفصيلا في السابعة والثامنة والتاسعة، ثم يفصل بشكل أكبر في سنوات التعليم الثانوي.
على أنّ ذلك لا يمنع من أن نسوق ملاحظات جمّة بخصوص الكتاب:
ـ يعتمد الكتاب ابتداء من الفترة الإسلامية على التأريخ بحسب السلاطين والملوك والولاة والأمراء، وهو نوع من التأريخ الذي يهتمّ أكثر بالاحداث السياسية، دون فهم طبيعة بيئتها. فمثلا حين تقرأ سيرة حمودة باشا الحسيني ومن بعده محمود باي تشعر بقوة الدولة التونسية آنذاك، ثم فجأة بعد ذلك تكتشف أنها مثقلة بالديون وأن الرعية منهكة في عهد أحمد باي، رغم أنّ الكاتب يؤكد أنّه من كبار المصلحين. هو لم يذكر الواقع الاقتصاديّ للبلاد، ولا نعرف كيف يعيش الناس آنذاك، رغم أنّه حاول الاهتمام بهذا الجانب منذ بداية الكتاب.
ـ كتب حسن حسني عبد الوهاب الخلاصة سنة 1953 في ما يبدو، أي والباي الحسينيُّ الأخير محمد الأمين باي لا يزال على العرش، ما جعل القسم المتعلّق بالبايات الحسينيّين مشطّا في لعق حذاء السلاطين. هكذا كان كلّ آباء محمد الأمين (عدا محمد الحبيب باي الذي ذكر خنوعه للمقيم العام).
محمد الصادق باي كان بايا يريد الإصلاح، ولكن الظروف لم تسمح.
علي باشا كان رجلا عالما رغم صرامته (الرجل أشعل حربا أهلية في البلاد لا تزال آثارها إلى اليوم)
باي آخر بعث بأسطوله إلى الباب العالي رفقة الإعانات بينما شعبه يتضوّر جوعا.
لكن حسن حسني عبد الوهاب لا يرى كلّ ذلك، ويختم حديثه عن كل باي حسينيّ بالرحمة عليه والدعوة بمجازاته في الجنة خير جزاء لبرّه الخ...
ـ في كتب التاريخ لا يجب السماح لأخطاء الرقن، خصوصا مع الأرقام، وهو ما وجدته في بعض المواضع، فوجب الحذر والتنبّه
ـ بعض الروايات افتقدت للدقّة، ما حدا بالمحقّق (حمّادي الساحلي) إلى التدخل، ولكنّه أهمل بعض المواضع التي ترى فيها تباينا وتناقضا، أو عدم وضوح. كمسألة تحالف علي باشا مع الجزائر، ثم تحالف عدوّيه محمد الرشيد وأخيه مع الجزائر أيضا.. وكذلك ما حدث بين الأخوين المطالبين بالحكم من شقاق وتنافر في آخر زمن الدولة الحفصية، حيث يقول الكاتب في موضع أنّ محمدا الحفصيّ عمهما جاء من تركيا لاستغلال صراعهما، ثم يعود ليقول بعد أن انفرد أحد الأخوين بالحكم، إنّ عمهما لم يبرح تركيا ومات فيها.
ـ أكبر مشكلة في الكتاب أنّه يفتقر إلى نسبة الكلام إلى المراجع ما يجعل المرء محتارا في مدى مصداقية كل قول يقول، خصوصا وهو يذكر أحيانا اقتباسات عن الملوك والسلاطين، وهي أكثر الاقتباسات عرضة للتزييف والإشاعة. صحيح أنّ الكتاب موجز، لكنّ ذلك لا يجب أن يمنعه من ذكر مصادر المعلومات واحدة بواحدة. لقد اكتفى الكاتب بذكر بعض المراجع في النهاية ولكن لا أجد ذلك دقيقا.
أعتقد أن الكتاب مفيد وممتع، ولكنّه لا يخلو من الثغرات ومن الذاتيّة التي تعبّر عن ميول الكاتب الإديولوجية، وهي مسائل يجب أن يتملّص الكتاب منها قليلا ليكون مناسبا للعامة من غير المتخصصين. ولا أزال أظنّ أن التونسيّ خصوصا بحاجة إلى كتاب في التاريخ يجمع بين المعلومة المختصرة، والواضحة والدقيقة والموضوعية والمبسّطة، حتى يتمكّن من أهم نقاط تاريخ بلاده الذي لا يشعر بأهمّيّته إلا بعد أن يتخرّج ويواجع العالم بعيون خاوية.