تتداخل فى هذا النص - بوعى - نظرتان جدليتان أساسيتان فى نقد الأدب والفلسفة :
أولهما هو انعكاس الأدب والفلسفة فى بعضهما البعض فى حقبة معينة . وعلاقة هذا الإنعكاس بالتحقق فى الوعى الطبقى من حيث تعزيزه وترسيخه ( إيجابياً ) أو تعميته وإغفاله ( سلبياً ) .
ثانيهما هو تحليل - الكشف عن - اللحظة الجدلية الكامنة فى هذه الإنعكاسات فى علاقتها بالتطور الواقعى للعمل الأدبى والفلسفى من حيث كونه فى حالة إزدهار وإثمار أو إندثار وذبول .
إن علاقة الإزدهار النسبى للعمل الفكرى بمضمونه (١) ترتبط من ناحية بمدى القيمه الفعلية لهذا المضمون المرتبط بإشكاليات زمنه ومدى إستمرارية هذه الإشكاليات أو تحولاتها فى المستقبل ، أى بإنجازه لقضية آنية مرتبطة بصميم المنظور الكلى ( الإجتماعى والأخلاقى ) والجدلى ( التقدمى ) [ كحل قضية آنية نسبية بشكل كلى ونهائى ، أو حل نسبى لإشكالية مطلقة ] ، (٢) أما ما دون ذلك فيرتبط بالقيمة الأكثر ثانوية لدراسة المنظورات الأحادية المجردة كإمكانيات قد تقدم جانباً من جوانب التحليل التاريخى لحقبة ما ، بالاضافة إلى إعتبارها شكلاً من أشكال التريض للذهن والمخيلة فى أفضل الحالات ( القراءة الواعية ) ، لكنها فى حالة القراءة المنوَمة جزئياً ( اللامنهجية ) أو كلياً ( القراءة بلا شخصية ، القراءات الأولى ) قد تعمل - بشكل تَوَافُق سيكولوجى - على تغييب الوعى ونكوصه أكثر ، أى بتغليب اللاوعى الجمعى على الوعى الفردى وبلغة أخرى من خلال خلق تماهى زائف بين إرادة الفرد وإرادة الجماعة السائدة .
وتتلخص العوامل المتنوعة فى تلك النظرة المزدوجة للعمل الفكرى ( الأدبى والفلسفى ) فى تلاشى التجريد وأحادية المنظور ، كالمنظورات التشاؤمية أو الطوباوية فى الأدب والفلسفة البرجوازيين والتى لا تخلو مع ذلك من قيمة إلا أن تلك القيمة لا تكون إيجابية إلا جزئياً - كما أسلفنا - أما فى المضمون فإنها تظل رجعية ومثالية ومرتبطة براهنيتها وآنيتها أى بالمصالح المادية لطبقتها . أما الأدب والفلسفة المرتبطة بإنماء الوعى الجماعى والطبقى فإنها الآداب التاريخية بإمتياز ( الماركسية ) والتى تظل قيمتها الثقافية إيجابية بإطلاق ( إنماء الوعى الفردى والجمعى ) .
إن الأمثلة المتناوَلة للشخصيات والكتابات الأدبية التاريخية فى مقالات هذا الكتاب هى من التنوع والتباين الذى ينقض قصور النظرة اللوكاتشية ، التى تتمكن من تفسير تلك الظواهر الفكرية والأدبية المتنوعة فى كامل دلالاتها وعلاقاتها الإجتماعية التاريخية ، ولا نجد لها بديلاً - فى تاريخ نقد هذه الأفكار - إلا الميثولوجيات الفردية والعاطفية التجريدية للفرد البرجوازى المثقف والمعزول ( الواقع فى فخ ذاته ) ، وهو ما تناوله لوكاتش بالبحث والتحليل فى سائر كتاباته تقريباً ، ومن الأمثلة المستجدة فى هذا الكتاب نجد نقده لنظرية الفن للفن التى برزت فى النصف الثانى للقرن التاسع عشر ، كما نجد النظرية الجنسية لفرويد كمنظور أحادى وفردى لعلم نفس برجوازى بكل ما يحمله من تشاؤمية وعبثية عدمية . هذا إلى جانب نقده لكبار أدباء ومفكرين القرن التاسع عشر خصوصاً لصفتهم الفردانية البرجوازية أو الإشتراكية الطوباوية ( الواعية او اللاواعية ) كدوستويفيسكى وبرنارد شو وفويرباخ ولاسال وغيرهم .
يذكرنا الجهد المبذول فى هذا الكتاب بكون لوكاتش فيلسوف عقل وإرادة متناغمتين ، وهى الصفة الأساسية للفيلسوف ، فإذا نادى بفكرة نجدها متجسدة فى أعماله ، فعندما ينادى لوكاتش بأساسية التاريخ بالنسبة للوجود فى ثنائيته كمعرفة وعمل متواصلين ومترابطين فى حالة تقدم تاريخى ، فإن فكر لوكاتش يحقق تقدمه فى وعينا من خلال كتاباته المنهجية والمترابطة ، فكتاب الادب والفلسفة والوعى الطبقى هو مقالات مترابطة كتبها فى مطلع عشرينيات القرن العشرين أى أنها من أوائل كتاباته ، وهى تمتد وتتداخل فيما بينها وتتحد فى رؤيتها النهائية رغم كونها لم تُكتَب ككتاب واحد ، كما نجد فيها النواة التى ستتمدد لتنمو كشجرة ستزدهر فى أعماله اللاحقة ككتاب التاريخ والوعى الطبقى ، أو سلسلة تحطيم العقل ، أو فى نقده المطول لبلزاك وغيرها من الأعمال التى تثرى المعرفة النقدية بشكل منهجى تاريخى مترابط . كما تضرب مثالاً فى النزاهة الفكرية المرتبطة بمواجهة الذات لأسألتها الكبرى ، وهى الأسئلة التى يحق لكل إنسان - بل يجب على كل إنسان - أن يطرحها بطريقة تناسب زمنه ، طرحاً متجرداً من كل مصلحة ذاتية ، حتى يتمكن من إيجاد الإجابة الصالحة بشكل ( كلى ) بالمعنى الجدلى ، أى كلحظة متحققة نحو المستقبل الجمعى الواعى الذى هو وعى الجماعة بمستقبلها المترابط .