هذا الكتاب هو أفضل ما قرأت فى فينومينولوجيا إدموند هُسِرل وهو الوحيد الذى وجدته فى المكتبة العربية ملماً بفكره إلماماً غير مخِل لتناول أى فكره متضمنه فى فلسفته سواءً من ناحية تناول كل فكرة فى ذاتها أو فى إرتباط كل فكرة بسائر أفكار منهجه الفينومينولوجى الذى هو وحدة متكاملة ومتماسكة . بالإضافة إلى تناول كل ما يتعلق ببناء هذا المنهج كمراحل تطور فكر هُسِرل الفلسفى بما يشمله من أفكار أساتذته أو معاصريه أو سابقيه من كبار الفلاسفة فى تاريخ الفكر الغربى من أفلاطون وحتى كانط ، أو فيما يتعلق بتعديل بعض أفكاره فى كل خطوة لتصبح أكثر عمقاً وإتساعاً ، وكيفية إنعكاس ذلك التطوير على المنهج الفينومينولوجى ككل .
كما لا يغفل الكاتب تناول الإنتقادات التى وُجهت إلى فكر هُسِرل وإظهار مكامن القصور فى هذه الإنتقادات الناتجة عن فهم منقوص لفكره الذى ليس من اليسير تتبعه فى كل خطوة تحليلياً ثم إعادة بناءه وتصوره تركيبيا لإدراك معناه الكامل .
يتتبع الكاتب أفكار هُسِرل من خلال كتاباته بدايةً من تصوراته المتأثره بالمنهج النفسانى - الذى حاول إرجاع أصول كافة العلوم التجريبية والإنسانية والعقلية إلى علم النفس - حيث كان تأثره بهذا الإتجاه ناتجاً عن شيوع البحث فيه أثناء فترة شبابه ، بالإضافة لتتلمذه على يد برنتانو وهو أحد كبار مفكرى هذا الإتجاه النفسانى .
ويقوم الكاتب بعرض لأهم افكار شباب هُسِرل تلك من خلال إستعراض أفكاره فى كتابه فلسفة الحساب والذى قام فيه برد كافة العلوم التجريبية إلى أصلها الرياضى نظراً لدقة الرياضايات وتجريديتها من العيانية والمشابهة إلى حد بعيد للتجريدات المنطقية فى صوريتها ، ومن ثَم يقوم برد هذه التجريدات الرياضية والمنطقية إلى علم النفس الذى يتناول كيفية تصور هذه التجريدات ونشأتها من التجربة والخبرة العينية .
يمضى الكاتب بعد ذلك مع هُسِرل فى رحلته التى إستدرك فيها من بعد هذا الدَوْر الذى نقع فيه بالإعتماد على الإتجاه النفسانى ، كما إستدرك إستحالة قيام أساس ثابت يمكن الإعتماد عليه لقيام المعرفة أو فهم كيفية إرتباط العلوم المختلفة بناءً على تصوراتنا النفسية النسبية الطابع والمعرضة للخلاف سواء بين الأفراد أو بين الفرد وذاته من آن لآخر ، وهو ما ظهر فى أول اجزاء كتابه المباحث المنطقية بعنوان ( مقدمات فى المنطق المحض ) الذى أوضح فيه الإنفصال الأنطولوجى بين عملية المعرفة ( التجربة العرضية ) ومضمون هذه المعرفة ( الحقيقة ) ، وكيف أن الإحتياج النفسى للتجربة ينشأ عن قصور فى بنية إدراكنا العقلى الذى لا يتمكن من إدراك الحقائق بشكل مباشر بل يحتاج إلى وسائط داعمة للوصول إلى معرفة بديهية بالحقائق الكائنة بمعزل عن هذا الإدراك .
وبالمضى قدماً مع مباحثه المنطقية فى علاقتها بكتاب الأفكار نجد إستكمال هُسِرل تصوره لفكرة الفينومينولوجيا . حيث يتخلى عن دراسة التجربة النفسية ( العرضية ) ليقوم بفحص كيفية التصور العقلى للحقائق ، أو الكيفية العقلية للوصول للحقيقة وهى عملية قائمة على التجريد المنطقى والتخلص من كل الأعراض الظاهرية والفردية ( عملية الرد الفينومينولوجى ) للوصول إلى المعنى الكائن واللامتغير فى التجربة ( القانون والمقولة والحقيقة ) والتى لا تتم بشكل كامل وصحيح إلا من خلال التخلى عن كافة الأحكام المسبقة ( تعليق الحكم الفينومينولوجى ) . وبذلك أدرك هُسِرل أولوية المنطق والحقائق المجردة أنطولوجياً على كل تجربة وبالتالى رد إمكانية التجربة الوسيطة ( للعقل المعرفى المحدود ) بما فيها التجربة النفسية إلى المنطق وهذا هو المعنى الأبستيمولوجى . أما المعنى الأنطولوجى فهو إدراكنا لقيام الظواهر العرضية - المتعلقة ببنيتنا النفسية النسبية - والمتغيرة على وجود الحقائق والماهيات المجردة فى ذاتها .
ولكن المنطق ذاته يمكن إعتباره مجرد معيار للتجربة ولكن هذا ليس إلا الجانب السطحى للمنطق فى إستخدامه التطبيقى خلال التجربة الذى يمَكِّننا من إستنباط القوانين والحقائق الجزئية خلال التجربة والذى من خلاله يتم مقارنة الموضوعية الكائنة فى النظرية الخاصة بعلم ما مع صورة النموذج المنطقى العقلى أو صورة التفكير الكائنة فى كل عقل نظرى وهو ما يُدعى بالمنطق الترنسندنتالى ، ولكن يتبدى لنا مع هُسِرل ضرورة إحتياج هذا المنطق المعيارى أو هذا الشكل من الفكر إلى أساس آخر يقوم عليه ، وهو الأساس الذى يبحث فى إمكان النظرية عموماً ونقدها المستمر من أجل الوصول إلى شكل أكثر دقة من أشكال ظهور النظرية فى الفكر ودراسة عناصر هذه النظرية التى هى عناصر منطقية خالصة لايمكن ردها إلى أى تجربة ( كقانون عدم التناقض مثلا ) . أى أنه العلم الخالص والخاص بدراسة نظرية النظريات والذى هو أساس كافة العلوم ( علم العلم ) وهو ما دعاه هُسِرل بالمنطق المحض وهى الفكرة الأساسية لكتابه ( الفلسفة علماً دقيقاً ) .
وفى خلال التعرض لدراسة ذلك المنطق تتبدى لنا فكرة الفينومينولوجيا كعملية دقيقة لآلية ظهور الحقائق فى الفكر تلك الحقائق الكامنة خلف الظواهر العيانية أو حتى الفكرية المعتمدة على إدراك حقائق أخرى تسبقها ( إفتراضات مسبقة ) وتتأسس عليها أنطولوجياً .
وبذلك نجد فى عمق فكر هُسِرل لتصور الفينومينولوجيا كونها وحدة الأنطولوجيا والإبستيمولوجيا بحيث لا ينفصل أى منهما عن الآخر ( فى الوجود كما فى الفكر ) ، ولكن يمكن النظر إلى الفينومينولوجيا ذاتها فى أى من صورتيها حسب البعد المفَكَر فيه . وهذه الوحدة وذلك الإرتباط هو ما يُكسِب الفهم الفينومينولوجى وحدة وصلابة الحقائق بما هى حقائق ، ومن جانب آخر يُكسِبه مرونة وسيولة الحقائق الأكثر شمولاً والتى تنساب فيها الحقيقة لتشمل كافة مظاهر الوجود . وهو ما يدعم التصور الضرورى لإرتباط ووحدة العلوم المختلفة أنطولوجياً وكونها ليست منقسمة على ذاتها إلا فى الوعى القصدى ( الفردى ) ذو البعد الإبستيمولوجى . وهو ما يؤكد الضرورة المطلقة لعودة العلوم الجزئية وإرتدادها إلى ماهيتها المعرفية الأصلية ( ماهية الماهيات ) أى إعادة النظر فيها فلسفياً بحيث تكون الفلسفة هى نقطة البداية والنهاية فى كل مرة . فلا ينبغى للفرع أن يدَّعى الإنفصال عن أصوله وجذوره وإلا هلك وأصبح عديم القيمة ، وهى الفكرة النهائية والرئيسية فى آخر كتابات هُسِرل ( أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا الترنسندنتالية ) . أى أن فكرة الفينومينولوجيا عند هُسِرل لا تنفصل عن قضية نقد العقلانية والحداثة الغالبة على الوعى الأوروبى آنذاك ، كما ترتبط بأكبر وأهم مشكلات زمنه العلمية والوجودية والتى هى مشكلة الإنسان فى كل زمان .