ميزة هذا الكتاب لا تنحصر في تحديد مفهوم "الشعر الحر" الذي اختلف في تطبيقه كثير من النقاد والكاتبين فضلاً عن الشعراء المجددين، و إنما حاولت الكاتبة أن تضع له قواعد عروضية كاملة في فصول مطولة ودعت العروضين والشعراء إلى دراستها، فإذا صحت أصبحت جديدة بأن تثبت فصلاً في كتب العروض العربي الذي لم يتناول-بطبيعته الحال-هذا الأسلوب المعاصر في الوزن.
وليس هذا فحسب، وإنما قدمت لتلك الفصول الطويلة نبذة عن تاريخ الشعر الحر باعتباره حركة جديدة ظهرت سنة 1947م، ثم درست أسبابه الاجتماعية كما تمثلتها هي، وكرست جهدها لوضع عروض لهذا الشعر يقيس عليه الناشئون قصائدهم فلا يقعون في الأخطاء، والكاتبة تؤكد أن أغلب الشعر الحر الذي ينشر اليوم حافل بالغلط العروضي والسقطات، غير أنها تشعر أن هذا الغلط لن يستمر، لأن شباب الجيل القابل سيكون أكثر فهماً وتذوقاً لأسرار اللغة العربية والأوزان الشعرية. كما خصصت المؤلفة فصلاً طويلاً للأخطاء العروضية الشائعة، صنفتها فيه إلى أصناف، وضعت لها عناوين مميزة مثل: الخلط بين التشكيلات، ومستفعلان في ضرب الرجز وغير ذلك.
والكتاب-فضلاً عن هذا-دعوة إلى تطوير أساليب النقد العربي بحيث يساير الشعر المعاصر وبالتالي الحياة المعاصرة نفسها، وهذه الفكرة ترد على صورة دعوة فعلية أحياناً نجدها. مبثوثة في عناوين الكتاب، ولا سيما المتعلقة بالشعر الحر، كما ترد على صورة فصول في النقد تحاول فيها الكاتبة أن تطور تلك الأسس التي تدعو إليها والتي تكاد تكون بمجموعها محاولة جديدة في النقد الأدبي
شاعرة من العراق، ولدت في بغداد في بيئة ثقافية وتخرجت من دار المعلمين العالية عام 1944. دخلت معهد الفنون الجميلة وتخرجت من قسم الموسيقى عام 1949، وفي عام 1959 حصلت على شهادة ماجستير في الأدب المقارن من جامعة وسكنسن في أمريكا وعينت أستاذة في جامعة بغداد وجامعة البصرة ثم جامعة الكويت. عاشت في القاهرة منذ 1990 في عزلة اختيارية وتوفيت بها في 20 يونيو 2007 عن عمر يناهز 85 عامابسبب إصابتها بهبوط حاد في الدورة الدموية ودفنت في مقبرة خاصة للعائلة غرب القاهرة.
يعتقد الكثيرون أن نازك الملائكة هي أول من كتبت الشعر الحر في عام 1947 ويعتبر البعض قصيدتها المسماة الكوليرا من أوائل الشعر الحر في الأدب العربي. وقد بدات الملائكة في كتابة الشعر الحر في فترة زمنية مقاربة جدا للشاعر بدر شاكر السياب وزميلين لهما هما الشاعران شاذل طاقه وعبد الوهاب البياتي، وهؤلاء الأربعة سجلوا في اللوائح بوصفهم رواد الشعر الحديث في العراق.
ولدت نازك الملائكة في بغداد لأسرة مثقفة، وحيث كانت والدتها سلمى عبد الرزاق تنشر الشعر في المجلات والصحف العراقية باسم أدبي هو "أم نزار الملائكة" أما أبوها صادق الملائكة فترك مؤلفات أهمها موسوعة (دائرة معارف الناس) في عشرين مجلدا. وقد اختار والدها اسم نازك تيمنا بالثائرة السورية نازك العابد، التي قادت الثوار السورين في مواجهة جيش الاحتلال الفرنسي في العام الذي ولدت فيه الشاعرة. درست نازك الملائكة اللغة العربية وتخرجت عام 1944 م ثم انتقلت إلى دراسة الموسيقى ثم درست اللغات اللاتينية والإنجليزية والفرنسية في الولايات المتحدة الأمريكية. ثم انتقلت للتدريس في جامعة بغداد ثم جامعة البصرة ثم جامعة الكويت. وانتقلت للعيش في بيروت لمدة عام واحد ثم سافرت عام 1990 على خلفية حرب الخليج الثانية إلى القاهرة حيث توفيت, حصلت نازك على جائزة البابطين عام 1996.كما أقامت دار الأوبرا المصرية يوم 26 مايو/أيار 1999 احتفالا لتكريمها بمناسبة مرور نصف قرن على انطلاقة الشعر الحر في الوطن العربي والذي لم تحضره بسبب المرض وحضر عوضاً عنها زوجها الدكتور عبد الهادي محبوبة. ولها ابن واحد هو البراق عبد الهادي محبوبة. وتوفيت في صيف عام 2007م.
من المجحف حقًا الاطلاع على هذا الكتاب فقط، الذي بينت السيدة نازك الملائكة آراءها من غير أن تحتاط، ودخلت بحرًا ما اعتادت السباحة فيه، فبين النص الأول والثاني بون شاسع، وإن كان للشاعر الأسبقية فللنقد أصول وطرق لا تقل صعوبة عن الشعر ذاته. تحدثت السيدة نازك الملائكة في هذا الكتاب باسم الفاتحة المالكة للإجابة، ولم يملك الشعر إجابته قط؛ هذا ما أدى إلى ردة فعل قاسية جدًا عليها من قبل الأوساط الأدبية، ولكن ذلك كان في صالح الشعر بصورة أو بأخرى.
وأنوّه أن هذا الكتاب من القراءات القديمة التي اطلعت عليها في الشعر ونقده، ولأني كنت أدوّن ملاحظاتي عليها آثرت أن أثبت شيئًا؛ ولعل قراءات أخرى تأتي تضع النقاط على الحروف المتبقية.
لا اذكر كم مرة قرأت هذا الكتاب ، ربما ثلاث أو أربع مرات ، في محاولة جادة مني لفهم شعر التفعيلة أو بصورة أدق في محاولة نظم قصيدة على وزن التفعيلة ، لكني حتى الآن لم افلح في ذلك.
عامًة الكتاب جيد وفيه شرح وافٍ لهذا النوع من الشعر وخاصة أنه من ابتكار الرائعة نازك الملائكة وهي التي ابتدعته وصار على دربه مئات الشعراء المحدثين.
هنا ، تحاول الشاعرة شرح كل ما يتعلق بهذا النوع من الشعر الحديث ، بداية ظهوره وتطوره وخصائصه والجذور الاجتماعية له بالإضافة إلى ما أسمته بالأخطاء الفرعية في الشعر الحر.
وهذه بعض المعلومات المستفادة من الجزء الأول من الكتاب:
· مفهوم الشعر الحر :(هو شعر ذو شطر واحد ليس له طول ثابت وإنما يصح أن يتغير عدد التفعيلات من شطر إلى شطر ويكون هذا التغيير وفق قانون عروضي يتحكم فيه).
· أساس الوزن في الشعر الحر أنه يقوم على وحدة التفعيلة ، والمعنى البسيط الواضح لهذا الحكم أن الحرية في تنويع عدد التفعيلات أو أطوال الأشطر تشترط بدءا أن تكون التفعيلات في الأسطر متشابهة تمام التشابه ، فينظم الشاعر من البحر ذي التفعيلة الواحدة المكررة أشطرًا تجري على هذا النسق :
· الشعر الحر يجري وفق القواعد العروضية للقصيدة العربية ويلتزم بها ، ولا يخرج عنها إلا من حيث الشكل ، والتحرر من القافية الواحدة في أغلب الأحيان .
· إذا أراد الشاعر أن ينسج قصيدة ما على بحر معين وليكن ” الرمل ” مثلا استوجب عليه أن يلتزم في قصيدته بهذا البحر وتفعيلاته من مطلعها إلى منتهاها.
في الجزء الثاني من الكتاب انتقلت الشاعرة للحديث عن هيكل القصيدة وأساليب التكرار ودلالاته ، كما تحدثت عن قصيدة النثر وأمور كثيرة تخص الشعر الحر.
كانت تجربة مسلية ومفيدة ، استفدت منها الكثير ، وسوف أحاول الاستمرار في قراءة المزيد من الكتب التي تتعلق بنظم الشعر ، لعلي أتمكن ذات يوم من نظم قصيدة صحيحة.
ذهبت بصمت لأنها كانت تأبى أن تصنف في حزب سياسي ... ذهبت إلى ربها وتركت نتاجا من النقد والشعر يتمحور حول التفعيعلة ... ولا ينكر أحد ريادتها النقدية في التفعيلة ... لم نقل وداعا لنازك الملائكة ... ولكن نحمل قدرا كبيرا من الإجلال لمجهودها الرائع، وصمتها الذي أيقظ في دواخلنا الكثير من الأصوات... ربما أليس كذلك
كتاب يتحدث عن الشعر الحرّ، وعن اختلافه عن الشعر العربي القديم بشكله ذو الشطرين أو الشطر الواحد. يبيّن الكتب أوجه الاختلاف بين الشعر الحر وشعر الأشطر، ثم يتناول عدد من القضايا التي تختص بالشعر الحر .. الكتاب مفيد جدًا للمهتمين بسعر درويش والسياب وغيرهم من أعلام الشعر العربي الحر.
من بين الكتب التي كلما صادفتني ظاهرة من الظواهر الحداثية أجد نفسي أعود اليه لأثير دهشتي من خلاله مفهوم نازك الملائكة للشعر الحر، كتاب فيه نفس جديد واطلالة من اطلالات شكلانية النص الحديث وأغواره