قراءة في رواية "وادي الشمس، مذكرة العنقاء" للكاتب "بسام المسلم"
استهلال غير موفق تبدأ الرواية بفصل عنوانه "في البدء" وفي الفقرة الأولى منه، بصوت السارد العليم، نقرأ: "كانت النجوم، من نظرة علوية، أزلية، ترنو عزلة الأرض. وفي العالم السفلي، كان القمر يضيء أسلاكاً شائكة، وعقرباً يربض تحت وتد منصوب، غشته ظلال رجالٍ عابرين، فانتفض متوارياً بالتراب، وعلى قماش خيم مغبرة، أحرف زرقاء، تخفق مع عصف الرياح UNHCR" تضعنا الرواية بفقرتها الأولى وبهذا العنوان "الوجودي" أمام عدة تساؤلات / إشكاليات: عنوان الفقرة جاء ضاجاً بصيرورة لم تكن لولا "كن" الكلمة / الفعل / الأمر الذي كان "في البدء". لتبدأ مباشرة الفقرة بجملة: "كانت النجوم، من نظرة علوية، أزلية، ترنو عزلة الأرض"، وكأن الأرض وليدة اللحظة تعاني عزلتها الأولي، أو لكأنها وحيدة معزولة عن الكون وليست ضمن مجرة تتبع نظاماً شمسياً دقيقاً. ولا ندري كيف تشكل اليقين بالنظرة العلوية إذا كانت كل الكواكب والأجرام السماوية كروية الشكل تسبح في مدارات في فضاء لا متناهٍ مجهول الجهات والاتجاهات، (الفوق والتحت والجهات كلها مفاهيم أرضية خلقتها الجاذبية والمجال المغناطيسي للكرة الأرضية. وهذه المفاهيم تفقد قيمتها وقيمها خارج مجال الغلاف الجوي للأرض) فما تعتقده فوقك قد يكون تحتك دون أن تشعر. ينتقل الوصف السردي بعدها مباشرة إلى الأرض. وهنا الإشكالية الكبرى التي تخلقها هذه الفقرة بالتداخل ما بين عالمين؛ عالم سفلي، وعالم أرضي، ووصف غير دقيق لوظيفة الوتد "وتد منصوب" مما يشي أن مشهداً كهذا لا يخضع لمنطق الأشياء في العالم الأرضي؛ لابد وأن يكون في منطق العالم السفلي - العالم المجهول بالنسبة لنا - منطقياً ومقبولاً. لأنه وببساطة لم يعد أحد من العالم السفلي ليخبرنا كيف هي أوتاد الخيام هناك؛ منصوبة على الأرض أم مغروزة / مغروسة فيها؛ هذا إن كان ثمة خيام ولاجئين وبعثات أمم متحدة في العالم السفلي. ولكن الأمر ليس بهذه الصورة اللامنطقية للعالم السفلي، وإنما المقصود هو العالم الأرضي.. تحديداً، مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن..!!
الحكاية الرواية تحكي قصة شاب كويتي "فواز" يدرس في أريزونا يفقد حبيبته "كلوديا" وصديقه "مشعل" سكرانين في حادث دراجة نارية، يعيش بعدها أوضاعاً نفسية سيئة فيتلقفه "شعلان" الطالب السعودي المبتعث من جامعة محمد بن سعود الإسلامية في الرياض. يتخذ شعلان من المركز الإسلامي القريب من جامعة أريزونا مركزاً لنشاطه الدعوي / الجهادي، فينضم وينتظم معه "فواز". بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر يتعرض "فواز" للكثير من المضايقات. بعد إتمام دراسته الجامعية يعود إلى الكويت. وبعد اندلاع الأحداث السورية يقرر الجهاد فيغادر إلي تركيا تاركاً في غرفته رسالة لأسرته.
زمن الأحداث من تركيا عبر منطقة "الريحانية" يدخل "فواز" حلب فيبايع الجولاني غيابياً في تشرين الأول/ أكتوبر 2012. ينخرط في الجهاد عبر أولى عملياته في الأشرفية (ص52) فيصاب بانهيار عصبي يعالجه "أبو إحسان" بالكي (ص60). وبعد أن برئ جرحه رغم إنه ما زال يعاني بعض الآلام طلب من "أبي حمزة" العودة للقتال (ص61) فأرسله لحضور اجتماع الكتائب الإسلامية في قرية "عويجل" بعدها سمح له "أبو حمزة" بالمشاركة في هجوم أكاديمية الشرطة في خان العسل في تموز/ يوليو 2013 (ص73). ثم صدرت الأوامر من "أبي حمزة" بترك الأكاديمية "سنرافق سرية الحموي المكونة من 36 رجلاً إلى الجنوب" (ص89). فأمن لهم الثوار وصولهم إلى حماة التي دخلوها في نيسان/ أبريل 2013 (ص95). سأتوقف هنا لأسأل كيف حدث ذلك؟ الجواب بكل بساطة أن رواية بهذه التفاصيل وبهذه الكثافة من الأحداث والشخصيات لا تسلم قيادها بسهولة. هذه رواية تحتاج لتركيز عالي وكبير في كل مفاصلها وانعطافات أحداثها المتناثرة بأماكن عدة وأزمان سرد مختلفة. تحتاج إحكام القبض على كل مفاصل عناصر بنائها دون أدنى تهاون. عنصر الزمن من العناصر المهمة جداً في بنية الرواية، ولا يُقبل أبداً في سرد وقائع منطقية أن يكون الوصول لمكان ما قبل التحرك باتجاهه من مكان آخر بأربعة أشهر.. كانت المغادرة من خان العسل قرب حلب باتجاه حماة في تموز/ يوليو 2013. وكان الوصول إلى حماة من حلب في نيسان/ أبريل 2013. الزمن لا يتحرك إلى الوراء أبداً، هذه سقطة أثقلت كاهل الرواية وجعلتها تهوي فنياً رغم حرص الراوي. تتواصل أحداث الرواية إلى أن يكتشف "فواز" عبث ما يقوم به وسط ساحة حرب بالوكالة أبطال الكواليس فيها هم من يديرها ويتحكم بمجريات أحداثها وسير معاركها. وما تلك الفصائل والفرق والتسميات على اختلافها وخلافها وتنوع مشاربها وأطماعها؛ ما هي إلا بيادق في رقعة شطرنج تمتد على كامل التراب السوري.
تعدد أصوات السرد. أبهرني الكاتب بسام المسلم بقدرته على السرد بأسلوبين مختلفين يمثل الأول صوت "فواز" والثاني صوت شقيقه "عبدالقادر" بالتناوب. قدرة الكاتب هنا باستخدام تقنية تعدد أصوات السرد خذلته هناك في سقطة زمن الأحداث. وسقطات أخرى لا يتسع لها المجال الآن لو خضعت لمراجعة دقيقة لتم تجاوزها ببساطة.
رغم أني متيقنة أن الروايات نادراً ما تنتهي نهايات سعيدة ، إلا أنني هذه المرة ظللت أنتظر تلك النهاية السعيدة التي تنتهي الرواية عندها فيعود ( فواز ) التائه إلى أحضان أمه وأخوه ( عبدالقادر ) . رواية تدخلك مباشرةً في أحداثها ، تجد نفسك في خضم معارك الثوار والنظام وأنت تعلم أنه لا ناقة لك ولا جمل في كل ذلك . كان الكاتب جاداً في بحثه الجغرافي والتأريخي للمعارك رغم أن بعض الأحداث أصابتني الحيرة تجاه تسلسلها الزمني أو على وجه الدقة حدوثها السريع في سياق الأحداث . ولكن بالمجمل هي من أفضل الروايات التي قرأتها مؤخراً والتي تتناول ذات الموضوع وهو إنخراط الشباب الخليجي في الحرب داخل الأراضي السورية .
صباح الخير جميعاً .. . . إجتمع أعضاء نادي القادة في لقاء ودي لطيف مع الكاتب الأستاذ بسام المسلم وضيفنا العزيز الناقد فهد الهندال لمناقشة رواية وادي الشمس مذكرة العنقاء .. تتحدث الرواية عن المجريات في الوطن العربي وبالأخص في سوريا ، ولكن الكاتب جمع أحداث الربيع العربي بصورة مختصره وجامعة بنفس الوقت وفصّل أحداث سوريا بصوره في غاية من الفن والإبداع اللغوي ، حيث أبدع في وصف حتى الموت بكلمات تجعل القاريء يتخيل بل يعيش الرواية كأنه شخص من شخوصها .. انها رواية تحتاج إلى تركيز من قبل القاريء في كل تفاصيلها وانعطافات أحداثها بأماكن عدة وأزمان مختلفة وسرد رائع .. جمع الكاتب في سرد الرواية بين صوتين العبثي والوجودي حيث أضاف نكهة مختلفة للأحداث وذلك عبر التساؤولات التي يواجهها القاريء من خلال الأسطر .. الغاز كثيرة في الرواية وعلى القارىء فك هذة الأحجيات . رواية قمة في الجمال من حيث اللغة و السرد والتنقل بين الأحداث بصورة مترابطة جداً من دون ضياع للقاريء .