“ضربنى هواء القرية لا شك فوصلت أحلامي للسماء ،عواء ذئب ،ربما ،أو صوت بشرى مخيف يتجول فى الحقول المرعبة ليلا ، كان كفيلا بأن ينزل بأحلامى إلى أرض الواقع ..عدت وفوق أكتافى جبال من هم ،أجر ساقىَّ أو تجرنى ساقاى ،ماذا يفعل مثلي بأحلامه التى لا يجرؤ حتى على البوح بها لأحد ..عايز يبقى صحفى ..ده أكيد مجنون ..وكنت بالفعل مجنونا ،وأكره نفسى حين لا أكون هذا المجنون .”
أصر محسن عبدالعزيز ذلك المتمرد القادم من صعيد مصر أن يحقق حلمه ويكسر حرمانه الطويل بالدق على أبواب صاحبة الجلالة في القاهرة .. احترق كي يواتيه إشراق وكانت مدينة الزحام لا ترحم غريبا .. وقد اعترت رحلته مشاهد ووجوه لا تنسى، حفرت بعمق في جدار ذاكرته، وألحت كثيرا حتى كانت سيرته الروائية “شيطان صغير عابر”
قريته على نفس واحد .. جميل .. سيرة ذاتية في قالب قصص قصيرة ، يحكي الكاتب مواقف وشخصيات مر بها من طفولته حتى عمل صحفي بالاهرام
وقد اخترت هذا الكتاب لما ناله من مديح من جلال أمين، كاتبي الأثير ، وهذا نص ماكتبه عنه في الأهرام:ـ
«شيطان صغير عابر» عنوان كتاب جميل جدا، صدر أخيرا (عن مركز المحروسة 2016) لأديب موهوب وصحفى بالأهرام، هو محسن عبدالعزيز. الكتاب صغير جدا ـ133 صفحة من القطع الصغير)، ولكننا نعرف بالطبع، من تجارب كثيرة سابقة، أن الحجم شيء وقيمة الكتاب شيء آخر، يمكن اعتبار الكتاب رواية، أو سيرة ذاتية، ولا يهم ماإذا كان الكاتب يروى قصته هو أو قصة شخص يعرفه جيدا، ولكن سرعان ما تكتشف أن الكاتب حكاء ماهر، وأنه يختار من بين ما يصفه من شخصيات وما يرويه من أحداث ما له مغزى إنسانى عام. القصة تروى حياة شاب، منذ أن كان طفلا فى قرية صغيرة فى الصعيد، حتى أصبح صحفيا فى جريدة كبيرة فى العاصمة، الولد لديه منذ صباه موهبة التعامل مع الكلمات، ومن ثم يهوى الكتابة، ويدفعه هذا إلى أن يصدر فى سن مبكرة صحيفة توزع فى قريته، وقرى مجاورة، ويقوم هو بكتابة معظم مقالاتها وموادها، وإن كان يضع عليها أسماء أصحابه. والكاتب لديه قدر كبير من الجرأة، فى اللغة التى يستخدمها، وفى التنقل من الفصحى والعامية، وفى تحليل الشخصيات (وإحداها شخصية مشهورة جدا)، وكذلك فى الكلام عن موضوعات كالجنس والدين، بل وحتى فى اختيار عنوان الكتاب. عنوان الكتاب لا يوحى بسهولة بمحتواه، ولكنك سرعان ما تكتشف أنه بكلمة «شيطان» يقصد معنى قريبا من معنى كلمة «عفريت»، كما نستخدمها فى العامية.
تفاجأ بعد صفحات قليلة من الكتاب بجرأة غير عادية فى وصف طريقة الولد العفريت فى مخاطبة أمه، حتى وهى فى مرضها، وهى عبارة صادمة للقارئ فى هذا الوقت المبكر من الكتاب، ولكن سرعان ما تكتشف مقدار الحب الذى ظل يحمله الطفل لأمه، وأن ما قاله لها وهو صغير ليس إلا مجرد «عفرتة». يذكر أيضا عن أمه شيئا مؤثرا، ووجدته ينطبق على حالتى أنا أيضا مع أمي، وهو الصعوبة التى يجدها الآن، بعد أن كبر، وبعد سنوات كثيرة من وفاتها، فى أن يستعيد إلى ذهنه صورة وملامح أمه بالضبط، يقول: «الغريب أننى أذكر مواقف وحكايات كثيرة أو شقاوات عديدة معها، لكننى عاجز تماما عن تذكر ملامحها»، وأنا أستطيع أن أذكر نفس الشيء عن أمي.
بعد بضعة فصول فى وصف حياته فى القرية، يخرج القارئ بفكرة جيدة عن اختلاف حياة القرويين عن حياة أهل المدن، واختلاف النظرتين إلى الحياة والموت. فى الكتاب عدة إشارات إلى العلاقة مع الجنس الآخر، تختلف بحسب السن التى تنشأ فيها هذه العلاقة، ولكنها كلها إشارات رقيقة وعذبة، مما يجدر الاقتداء به من جانب الكتاب الذين يظنون أن الكتابة عن الجنس يجب أن تكون بذيئة، هناك أولا إشارة إلى التنافس بين الصبيان إذ يحاول كل منهم أن يبرز قدرته على العوم أمام البنات اللاتى يغسلن الملابس فى الترعة:
«كل واحد يقترب من البنات، ويطلع علينا بحكاية بما رأي، من ابتسمت، ومن غمزت، ومن رشت عليه الماء». ثم هناك أول حب وقع فيه، وكان فى الثانوية العامة وهى فى الإعدادي، ولكن أقصى ما أسفر عنه هذا الحب هو أنه «بعد العشاء اخترع أى سبب لأمر أمام بيتها، وأراها تقف فى البلكونة، وفور أن ترانى تنزل»، ثم يسيران بلا خوف، ولكن بلا كلام أيضا، أقصى ما فى الأمر أن يمس ثوبها جلبابه، وأن يحس بأنفاسها وتحس بأنفاسه، وعندما نجح فى الثانوية العامة رآها تطير فرحا «وهى تقبل صديقتها أمامه»، وظلا على ذلك ثلاث سنوات «ولم تقل أكثر من ذلك أبدا، كنا نخشى على الحب الكبير أن ينكسر».
اختلف الأمر طبعا، عندما بلغ الثلاثين من العمر، ولم يكن قد تزوج بعد، فقد تجسدت نظرته للجنس الآخر فى نوع آخر من النساء، فيقول: «فى القاهرة القاسية كنت أبحث عن سيدة مثل زينات صدقى فى (فيلم) شارع الحب، وإذا احتدت شهوتى أبحث عن تحية كاريوكا فى (شباب امرأة)، واختلطت الأحلام بالأفلام، والفتيات بنجمات السينما». هناك فى مقابل هذا عدة فصول لوصف شخصيات المشايخ والأئمة الذين تعاقبوا على مساجد القرية، فهناك الشيخ هلال، أول من ألبس زوجته النقاب الأسود، الذى تمشى به كتمثال من الخشب، والنساء ينظرن إليها بابتسام ودهشة، أما هو (أى الشيخ هلال) فإنه يسير فى الأعياد فى سيارة وضع عليها ميكروفون ليغيظ النصارى «وذلك من باب عز الإسلام والمسلمين». ولكن هناك أيضا الشيخ عبدالسلام، الذى يسحر الناس بعذوبة صوته، «فالقرآن يترقرق من فمه صافيا، يأتى من نبع عميق خاشع، يتسلل إلى قلبك وروحك، فيصبح الأميون خلفه فاهمين لروح الآيات جيدا، برغم عدم معرفتهم معانيها».
هناك أيضا عدة فصول شيقة عن زملائه فى مباريات كرة القدم، التى كان يهواها أيضا، وكان هو كابتن الفريق، وفى وصفهم الاختلاف بينهم فى طريقة تعاملهم مع الكرة، يستغل هذا لوصف الاختلاف بين شخصياتهم، فأثناء وصفه حارس المرمى (ضاحي) الذى يقول إنه يذكرك بثابت البطل أو شوبير فى مجده، يذكر أنه اشتغل بعد ذلك بتجارة الأراضى والمباني، وأصبحت الفلوس تجرى بين يديه، ويحسن الإمساك بها مثل الكرة بالضبط، ثم يتساءل: «هل هناك علاقة بين حارس المرمى الجيد والبخل؟»، إذ إنه لاحظ أن معظم حراس المرمى الذين عرفهم، ويمسكون بالكرة جيدا، يفعلون نفس الشيء مع الفلوس «فلا تفلت منهم الكرة (وكذلك الفلوس) إلا فى حالات نادرة وبصعوبة شديدة». أثار الكتاب لدى من جديد مشكلة الفصحى والعامية، فالعامية كثيرا ما تنقل المعنى المقصود، والمشاعر المراد وصفها، بكفاءة أكبر مما تفعل الفصحي، ولكن العامية لها أيضا مشكلاتها التى جعلت كاتبا كنجيب محفوظ، يتجنبها تجنبا تاما، حتى وهو يسجل حوارا مع فلاح أمي، ليس فقط بسبب صعوبة الوصول بها الى القاريء العربى غير المصري، فهذا مما يجوز أحيانا أن نضرب الصفح عنه، ولكن لأن العامية كثيرا ما تكون ثقيلة على الأذن والذوق.
هذه مشكلة يصعب الوصول إلى قرار عام بشأنها ينطبق على الجميع، فلا يمكن مثلا أن نطلب من رجل مثل أحمد فؤاد نجم أو صلاح جاهين أن يستخدم الفصحى بدلا من العامية، ولكن هناك فى الطرف الآخر كثيرون جدا ممن يستخدمون العامية بكثرة، سواء فى تسجيل الحوارات أو فى السرد العادي، من يجب الامتناع عن نشر أى كتب لهم، سواء بالعامية أو بالفصحي، أما بين هؤلاء وهؤلاء، فيحسن أن نمتنع عن إطلاق حكم عام، وأن نترك كلا منهم ونصيبه مع القراء، ونحكم على تجربة كل منهم على حدة.
هذا الكتاب ينجح لحسن الحظ فى هذا الامتحان بجدارة، لاشك بسبب تمتع الكاتب بذوق سليم فى اختيار الكلمات، مثلما يتمتع به فى غير ذلك من الأمور. .................
ملحوظة: أظن رئيس الأهرام الذي ذكره الكاتب وعدد فضائحه وفساده هو ابراهيم نافع
لم يكن للولد قليل الأدب أن يكتفي فقط بقول لا في وجه من قالوا نعم كالشيطان في لؤلؤة أمل دنقل "كلمات سبارتاكوس الأخيرة"، بل إن هذا الولد كان لا بد له أن يرمي بالحجارة من قالوا نعم ومن لم يقولوا شيئاً وكل الصامتين ودنياهم الرتيبة، هكذا تلك الروح المتمردة الجميلة في رواية "شيطان صغير عابر"، حيث يستعيد محسن عبد العزيز طفولته في قريته ويقدم لنا هذا الطفل المشاغب الذي يزعج العالم ولا يتعلم أبداً الأدب رغم قرصات الأذن المتتالية التي تتنامى معه كلما كبر، فالراوي طفل دائم التمرد منذ الميلاد يسافر في الزمن حتى يصل إلى عتبة تحقيق حلمه الصحفي ماضياً في سرد رحلته بسلاسة لا نلحظ معها تقدمه في العمر وكأنه يرى الدنيا طوال حياته بعيني الطفل ويواجهها بروحه نفسها مستدعياً للذهن الوصية المحفوظية الشهيرة "لا تجزع فقد ينفتح الباب ذات يوم تحية لمن يخوضون الحياة ببراءة الأطفال وطموح الملائكة". ورغم أنه لم يكن ملاكاً فلا يوجد هنا تناقض حقيقي، فالولد الذي ينعته الجميع بقلة الأدب لا يسمى شيطاناً إلا لأنه يعري قبح واقعهم في فصول قصيرة تتناول شخصيات رفاق الطفولة والأقارب والعائلة ومواقف الشيطنة التي يتوجها إنتاج مجلة تناقش الحياة اليومية في القرية، ويتكثف كل فصل جاذباً إليه القارئ وإن كانت شخصية واحدة فقط هي التي ترافقنا من البداية إلى النهاية بحيث يصعب تصنيف العمل قطعياً فيمكننا أن نعتبره متتالية قصصية بقدر ما نعتبره رواية، وهذه الإشكالية في الشكل ربما يفرضها المضمون الذي يمثل "التمرد" عنوانه الأهم. هنا نجد الكاتب يتمرد على الأشكال السائدة في الكتابة، لأنه شيطان متمرد على واقع الفقر في قريته التي الفقير فيها -ككل فقراء الوطن- مهدد دائماً تطارده الفضائح رغم موهبته كما يروي عن زميله في فريق لعب الكرة في فصل بعنوان "ابن عزيزة": "كان ابن عزيزة نجم المباراة كالعادة، واحتسب الحكم ضربة جزاء، وتقدم ابن عزيزة متبختراً كعادته في هذه المواقف، احتضن الكرة وقبلها قبل أن يضعها على علامة ضرب الجزاء، تراجع للخلف، وانتظر صفارة الحكم، والجميع كتم الأنفاس.. وقبيل أن تنطلق صفارة الحكم، انقطع أستك سروال ابن عزيزة واستقر السروال على قدميه. إنها نفس اللحظة التي كانت كل عيون المتفرجين على ابن عزيزة وعلى قدميه في انتظار الهدف العزيز"، متمرد على الآفاق المحدودة في القرية وطامح إلى حلم بعيد بدأه بالمجلة التي تصبح حجراً يرميه في مياه حياة القرية الراكدة كما كان يرمي في طفولته الأحجار على أبواب بيوت الكبار وعلى باب أمه ثم زوجة أبيه، فيقبل الناس على مجلته رغم اعتبارهم إياه مجنوناً: "إذا كانت القرى تعيش على النميمة تملأ بها وقت فراغها الطويل وإيقاع حياتها البطئ فالمجلة كتاب نميمة يوزع بين الناس"/"أكيد مجنون.. وكنت بالفعل مجنوناً، وأكره نفسي حين لا أكون هذا المجنون"، هو شيطان صغير؛ لا يتوقف عن الاندهاش أمام الأوضاع الفاسدة التي تعودنا عليها ولم تعد تدهشنا ولكنها تثير في طبيعته الطفلية النقية رغبة عميقة في الرفض: "كنت تخبئ حلمك حيناً وتظهره حينا قابلت صدفة شخصاً ما، شاباً مثلك، لم تقابله بعدها أبداً ولم تتبادل معه تليفون ولم تعرف عنه أي شئ، غير أن الأرض انشقت عنه في هذه اللحظة، ليقول لك إن هناك جريدة تحتاج محررين وإنه أشار للجريدة على فرشة بائع الصحف، ونضحك بشرائها لتعرف عنوانها الذي لا يعرفه، وتذهب إلى هناك بالفعل.. وترى الصحفيين، هؤلاء الكائنات الذين كنت تراهم لأول مرة في حياتك، كنت تظن أنهم من طين آخر.. وأنهم يبدلون السيارات مثل الجوارب، ويملكون قدرات سحرية لتغيير الكون وإرهاب الفساد.. لكنك اكتشفت أنهم فقراء وأنهم يأكلون فول وطعمية مثلما تأكل.. نعم الجريدة في شقة فخمة وسط البلد، ورئيس الحزب يشبه رجال التلفزيون، هيبة ومنظر، وفوق ذلك يقول إنه من الضباط الأحرار.. لكن المحررين غير أحرار بالمرة، كل منهم يمد يده في جيب الآخر للبحث عن ثمن سندويتشات الفطار أو الغداء.. ورئيس التحرير يجلس في مكتب فخيم، لكن مرتبه غير فخيم فهو يشارك المحررين طعامهم دون أن يدفع مليماً، إنه رئيس التحرير..". هو شيطان عابر؛ دائم الارتحال والاكتشاف يرصد في عبوره كل شئ ويتساءل، من أول التساؤل عن معنى الموت حين تموت أمه: "أمي ماتت.. ولا أحد يقول لماذا؟! وما معنى أن تموت؟! الموت في القرى شئ عادي، وربما ليس له سبب"، ثم التساؤل الروحي الذي يدفعه للانخراط في جماعة التبليغ والدعوة ولاكتشاف الفروق بين إمام البلد الأصلي الذي لا يختلف مظهرياً عن أهاليها في شئ إلا في حرصه على كي جلبابه ونظافته ولكنه تقليدي "وعلى كل مكانته كان يخطب من كتب صفراء قديمة، ويدعو للحاكم أن ينصر عساكره، أحياناً يكون الحاكم سلطاناً أو مولانا ملك البلاد المعظم. والشيخ يقولها بجدية وجهامة تمنع أي أحد من التعليق أو النقد"، وبين رجال الجمعية الشرعية والجماعات الإسلامية الذين توسعوا بمسجدهم تدريجياً حتى ضموا إليه جزءاً من مركز الشباب وملعب القرية وكل منهم "عامل نفسه الإسلام ووكيل النبي محمد شخصياً" ولكنهم يستطيعون مغازلة خيالات الفلاحين البسطاء بالقصص الخارقة للطبيعة حتى تحكموا في القرية وأبطلوا وجود المظاهر الصوفية التي لم تكن تخلو من جمال تفتحت عليه عيني الولد: "أرقب الاحتفال بمولد النبي ويقفز قلبي لمرأى البيارق ورجال المولد وهم يمرون أمام بيتنا. كانت أمي تقف بي على عتبة المنزل، تمسح وجهي في رايات المولد الخضراء والبيضاء والحمراء والصفراء، ورجال الصوفية يمشون في صفوف بملابس بيضاء ينغمون الأناشيد والآيات، وفي المقدمة رجال الرفاعية، يرمون الثعابين حول أكتافهم ويمسكونها بأيديهم، وهم ينشدون قصائد دينية لم أكن أتبين معناها لكن رنين الآلات النحاسية مع أصوات المنشدين كان ممتعاً وجميلاً."، ثم آخراً تساؤله وهمه المهني/ الوطني فور دخوله إلى إحدى مؤسسات الصحافة القومية التي يرسم لرئيسها صورة غرائبية كالبطريرك في رواية ماركيز الشهيرة في فصل بعنوان "رافع بيه الصحفي الكبير جداً": "رافع ليس له مكان محدد ولا صفات ثابتة.. يختلف الاسم من مكان لآخر وتختلف تفاصيل الجسد.. فهو طويل خفيف الصلع وهناك من يقولون إنه قصير أصلع تماماً يميل قليلاً إلى السمنة أو قصير فقط وليس أصلع ويلبس نظارة سوداء من باب الغموض.. إنه قديم جديد.. قريب وبعيد.. مرة يظهر في شارع الجمهورية قصيراً بكرش ومرة في شارع الصحافة قصيراً بنظارة ومرة في القصر العيني لا طويلاً ولا قصيراً وأحياناً يظهر مطلاً على نيل القاهرة من مبنى التلفزيون الشاهق.. يحس الناس به عندما يطلع عسكري من تحت الأرض في مكان لا توجد به إشارة مرور ويشير بيده يوقف رتل السيارات المتعاركة في الشارع المخنوق ليمر أسطول عرباته في طريق خالٍ كي لا يجرحه الزحام.. رغم أننا نراه قليلاً يمرق بيننا كالشهاب إلا أنهم يقولون إنه يعرف عنا كل شئ.. الجيد والردئ.. الشرفاء والذي بينهم وبين الشرف بحور.. من يجيدون الكتابة ومن يخطئون في الإملاء- مثله.. فلا شك أنه أريب.! حوله الفاسدون في كل خطوة يتلقون اللعنات نيابة عنه."، ولكن يشوب هذا الفصل بالذات بعض المباشرة التي لا تبدو في بقية الرواية (ونلاحظ هنا أيضاً تشابه اسم رافع مع إمبراطور الأهرام القديم)، الفصل يستطيل قليلاً وتبدأ اللغة في الصخب رغم أنها كانت في معظم الرواية بسيطة شفافة تبني دلالاتها الغنية على مفردات تحتفظ بطزاجة أصلها القروي، وإن كان ذلك يبدو مفهوماً من وطأة الهم المهني على الكاتب الذي تتميز روايته هذه بصدقها الفني في المقام الأول، حيث تجسد مغامرة حياتية جديرة بالتسجيل ليس لجمالها فحسب بل لصدقها هذا قبل كل شئ، مغامرة الولد العفريت الذي لا بد لنا من خوض الحياة بروحه (وهنا نذكر عنواناً جميلاً لمجموعة قصصية سابقة للكاتب: "ولد عفريت تطارده البلاد")، والذي لا بد أن له قرناء كثيرون في كل قرية يقذفون الواقع الراكد بالحجارة، لو تركناهم وتوقفنا عن قتلهم لقصوا علينا ملايين من الحكايات الرائعة التي تتحدى حياتنا الرتيبة وملائكيتها المصطنعة.
ومضات سريعة خاطفة ، نجوب معها في عالم هذا الولد "قليل الأدب" ، الولد الذي يكره نفسه حين لا يكون "مجنونا" مغامرا. الولد الصعيدي الذي أشفقنا عليه بعد أن أعيته الحيل في تذكر ملامح وجه أمه التي فقدها صغيرا.. الولد "لعيب الكورة" الذي تحول حلمه الساذج الى حقيقة تهز "شنبات" قريته الصغيرة .. مجرد مجلة متواضعة يكتب معظم موضوعاتها، زحزحت الرجال من مكاتبهم.. تذوقنا معه حلاوة حلم الصحافة الجميل، وسرنا معه في الطريق الوعر بكل عذاباته، لنتذوق بعدها مرارة الحقيقة في أكبر المؤسسات الصحفية، فيسأل – ونحن معه- هل كانت هذه ،هي الصحافة التي أحلم بها ؟! الحلم تحول الى كابوس ضاغط.. لكن الولد الشقي اعتبر ثورة يناير لحظة لطلوع النهار.. وانتهت رحلتنا معه دون أن يخبرنا اذا ما انجلت الظلمة حقا ، أم كان مجرد "فجر كاذب" ؟!
شيطان صغير عابر.. رواية مثالية للقارئ «المتعب» جلال أمين: الكتاب ملىء بلمحات إنسانية خفيفة الظل وذات مغزى عميق
كتبت: هاجر صلاح أن تكون الجلسة لمناقشة عمل أدبي، ولا تنقطع البهجة عن المكان، فإما أن نكون أمام عمل « جميل « ومؤثر ، أو أن مناقشي العمل يتمتعون بالحضور والجاذبية والعمق .. والحقيقة أننا في حفل توقيع الرواية الأولى للزميل محسن عبد العزيز.. فزنا بكليهما..
« إذا أعجبتني الرواية سأناقشها كما طلبت ، واذا لم تعجبني، فلن أفعل.. ما يصحش!.. هكذا اتفق د. جلال أمين مع الزميل محسن قبل قراءة الرواية، وهنيئا له أن قبل المفكر الكبير بمناقشة أولى أعماله الروائية..
أكثر من عشر ورقات» فلوسكاب» دوًن بها ملاحظاته وكأنه قد أعد دراسة مصغرة عن الكتاب، وبدأ يتحدث عنه بسلاسة وعذوبة ناصحا الجميع « بثقة» بقراءته، واصفا إياه بالسيرة الذاتية. لم يهتم إن كانت لصاحب الكتاب أم لغيره . ما اهتم به هو أن الكاتب «حكاء ماهر» يلتقط فقط ما له مغزى، فكل موقف وقصة سردها كان لها مغزى إنساني يستشفه القارئ دون أن يشير له الراوي بتاتا.
د. جلال اندهش من جرأة محسن في طريقة كتابة فصول الرواية ، إذ تميزت بالقصر غير المألوف في كتابة الروايات، حتى أن بعض الفصول جاء في فقرة، أو نصف صفحة، لكنها كانت بالفعل تجسد حالة مكتملة بذاتها.
من بين اللفتات التي اهتم بها د. جلال في الرواية ، توصيف نظرة القرويين إلى الموت والتي تختلف عن نظرة أهل المدينة، ويقرأ علينا تلك الفقرة من الكتاب، بأدائه المعبر:»الموت في القرى شيء عادي، وربما ليس له سبب .. ففي القرى كل شيء يموت حولك ، من المواشي إلى الحمير، والجمال والأحصنة والكلاب والطيور والدجاج . أينما تسير ترى الجثث النافقة.. في قريتي أيضا لا يكذبون على الأطفال ويقولون: سافر الميت.. إنهم يقولون : مات».
من اللقطات التي أدهشت د. جلال أيضا هو حديث الكاتب عن لقائه بحبيبته ، حيث يكفيه تماما أن يسير إلى جوارها في الشارع دون أن يتحدثا بكلمة واحدة، وتتلامس تنورتها مع جلبابه، ليبلغ منتهى السعادة ،وهنا داعب محسن بدهشة: أهذا كل ما كان يسعدك ؟! لتضج القاعة بالضحك ، ويتلون وجه محسن بألوان الخجل، من فرط براءة أحاسيس تلك الأيام.
من بين المشاهد التي توقف عندها أيضا ،وأعجب بما يفيض منها من مشاعر إنسانية، هو مشهد الراقصة التي جاءت القرية لأول مرة ، وكيف تعلقت العيون بجسدها، وانهالت عليها الجنيهات وهي ترقص على المسرح، تغمرها النشوة، لكنها في آخر الليل نزلت لترقص على أرض الشارع، والكل متحلق حولها في دائرة كبيرة.. الآن هي لم تعد ترقص من أجل الجنيهات ،بل ترقص من أجل الحب الذي وجدته في العيون، فأخذت ترقص بحنان، تستمد الدفء النابع من هؤلاء الفقراء أمامها.
بالطبع لم يغفل د. جلال التعليق على الشخصيات المتناقضة للمشايخ في الرواية ، فما بين شخصية متطرفة، كان أول من ألبس زوجته النقاب الاسود، ويغيظ « النصاري» بالصياح في الميكروفون، كان هناك في المقابل شخصية الشيخ الذي يرتاح له الناس ولتلاوته للقرآن الكريم، حتى أن الأميين يتمكنون من فهم روح الآيات ، دون أن يعرفوا معنى كلماتها ومفرداتها.
وبرهافة حس، استنكر د. جلال على محسن –هذا الشيطان الصغير – أن يقول ما قاله لأمه المريضة وسأله: كيف تجرؤ؟! حتى أنه رفض ذكر العبارة الواردة على لسانه في الرواية من فرط قسوتها- وقال: كان من الطبيعي أن يظل الراوي معذبا طوال حياته بعد أن ماتت أمه، وأن ينزف قلبه دما بعد أن أصبح غير قادر على تذكر ملامحها، رغم تذكره مواقفه وحكاياته معها! وهنا كشف د. جلال أنه تذكر حاله، فهو أيضا لا يستطيع تذكر ملامح أمه، خاصة أن التصوير الفوتوغرافي لم يكن منتشرا في زمانهم.
ملحوظة: العبارة التي رفض د.جلال ذكرها كانت قول الراوي لوالدته المريضة:» يارب اللي يمرض ما يقوم من المرض تاني»..
وعلى استحياء شديد، وتردد بالغ، يستأذن مفكرنا صاحب الرواية اذا ما كان بإمكانه الإشارة الى بعض المثالب في الرواية، فكان له تعليقان :الأول يتعلق بالفصلين الأخيرين ، حيث يجد أنهما غير متناسبين مع أجوائها أو مذاقها أو إيقاعها، لكنه مع ذلك أوضح أنه قد يحدث أحيانا أن يكون للمؤلف وجهة نظر، واستشهد بكتاب السيرة الذاتية للمفكر لويس عوض «أوراق العمر «، إذ كان به فصل عن قصة ريا وسكينة! ومع ذلك يظل الكتاب بديعا ، وغيره الكثير من النماذج، وهنا كان للشاعر والكاتب الصحفي محمد حربي- مدير الندوة- تعليقا دفاعا عن صديقه قائلا:» بصفتي قروي كمحسن، فأنا أفهم أن دس فصل» رافع بيه» في الرواية، ما هو إلا نوع من»خبث الفلاحين»، إذ رأى أنه بهذا الفصل، يمهد لعمل روائي جديد !
حنين واغتراب
ضيفنا الثاني كان د.عمار علي حسن، وهو إلى جانب تخصصه في التحليل السياسي، روائي له العديد من الأعمال القصصية والروائية. والاهم أنه كان من أول من تلقف إنتاج صديقه من قصص قصيرة، فيشتبك معه بالنقد والتحليل، كاشفا عن أن تلك الرواية جاءت في وقت كان بالفعل يعاني جوعا حقيقيا لقراءة عمل عن الريف، واستطاعت جذب اهتمامه رغم أنه تلقاها في وقت لم يكن حاضرا نفسيا.
د. عمار اعتبر الرواية ذاكرة للقرية المصرية ، من بيوت وحقول ومبان وملاعب ومساجد، ولأنها قائمة على الاستدعاء فملامح الشخصيات غير مكتملة، لأنه من الم��تحيل استرجاعها جميعا، أما القيمة المسيطرة على الرواية فهي الاغتراب، ويراها متكررة في أعمال «القرويين»، حيث الإحساس بالضياع والرغبة في التحقق والبحث عن موضع قدم في زحام المدينة. الأمر الثالث هو أن الرواية تدور في سبيعينيات وثمانينيات القرن الماضي وصولا إلى الألفية الجديدة، وترصد ما لمسه شخصيا من رغبة جيله في الهجرة، خاصة في المنيا ، حيث انتشرت الهجرة للعراق وليبيا، والراوي تتبع مسار تلك الشخصيات فمنها من تكسر حلمه ورجع خائبا ،ومنها من تحققت أحلامه نسبيا، ومنها من فلح بالفعل، فحمس الباقي للسفر.
يرصد عمار اللغة في الرواية فيصفها بـ» العفية والشاعرية»، خاصة الحالة الرومانسية «المعتقة» التي يعيشها بطل الرواية، سواء في حنينه البالغ لقريته، أو في حرمانه من الأم منذ فترة الطفولة، وهو ما جعله يبحث عن الونس والألفة والدفء طول حياته، فأصبح معذبا حتى وهو يلهو ويلعب الكرة، ثم تعامل مع شقائه في المدينة بكبرياء، واستمر تمرده حتى عندما دخل عالم الصحافة. وأشار د. عمار إلى أن العمل رغم رصده ظاهرة مهمة ، وهي ظاهرة الملتحين الذين زحفوا على القرى في السبيعينات ثم استوت الظاهرة على سوقها في أواخر الثمانينات، فقد تمنى أن يسهب في رسم ملامح تلك الظاهرة لا أن يمر عليها مرورا عابرا.
د. عمار وصف بناء الرواية بأشتات منفصلة من أماكن وشخصيات ومواقف قد يصلح بعضها ليكون قصصا قصيرة في حد ذاته ، لكن الراوي هنا هو بمثابة الحبل السري الرابط بينها، وهنا علق د. عمار بأنه في الغالب ما تكون الأعمال الروائية الأولي لأصحابها متأثرة بمجموعاتهم القصصية، فتكون في منطقة وسطى بين عالم القصة القصيرة بتكثيفه وشحناته المتدفقة، وبين عالم الرواية الرحب، وهنا وجه د. عمار نصيحة لصديقه ، فقال إن معظم الأعمال الروائية الأولى تتمحور حول ذوات أصحابها، ومن لا يمتلك القدرة على الخروج من هذا الإطار، فقد مات مشروعه الأدبي في المهد، فتكون روايته الأولى هي الأخيرة،
بعد مناقشات ومداخلات من الحضور الكثيف، انتهت بنا الى مناقشة إشكاليات عديدة في الكتابة الإبداعية ، والتصنيفات الادبية، وطول وقصر الأعمال وغيرها، فاجأنا جلال امين -بأدب جم -برغبته في التعليق على ما سمع، فقال بامتعاض أضحك الجميع: «إنتم شاغلين نفسكم دي رواية ولا مش رواية ليه»؟! يكفينا إن نقول أن العمل الذي بين أيدينا هو كتاب جيد ملىء باللمحات الإنسانية اللطيفة خفيفة الظل، وفي النهاية يظل التجريب هو أساس أي ابداع.
تستحق القراءة .. السيرة تحمل نفس الأديب والصحفي معا؛ فصول قصصية متشابكة ومتصاعدة تشكل بورتريهات عميقة لوجوه عرفها . لغتها عصرية خفيفة الظل تميل لوداعة أدب الطبيعة بشقها الأول وواقعية أدب المدينة لاحقا. وفيما كانت فصول القرية تتمتع بنفس هاديء متصاعد يستلهم وجع وأفراح الصبا ، تختلط فيه الطبيعة بوجدانه بشكل مرهف، ونرى سردا محكما خفيف الظل، نجد السرد متسارعا في “المدينة المزدحمة” ولغته واقعية وهو يقفز لمحطات متباعدة فنرى غربته ثم التحاقه بالصحافة القومية على يد “عبدالوهاب مطاوع” وكان من النادرين بموقعه في اختيار الكفاءات بلا محسوبية، ثم نراه يقفز سريعا لفساد المؤسسة المتأصل مع “رفيع بك” ويقذفنا لأتون ثورتي يناير ويونيو!
هناك هموم تنكأها السيرة بلا هوادة منها :
رافع بك لا يختلف عن نافع بك امبراطور الصحافة المعروف للجميع، وممارساته الفاسدة كافية لفهم لماذا مات الشباب في ميدان التحرير كي يرحل "مبارك" ورجاله ! المتاجرون بالدين يعكرون صفو القرية الوادعة، منذ أبناء الجماعة الإسلامية المتطرفة وانتهاء بالآكلين على كل الموائد ومنهم الشيخ مختار الذي دعى للحزب الوطني على المنبر ثم دعى عليه بعد ثورة يناير، ثم انبرى بدفع الشباب للجهاد في عام الإخوان وكان يحتكر توزيع السلع بقريته باعتباره وكيلا لهم! ولكنه يفر هاربا بعد تيقنه من سقوط النظام
وشباب القرية من أصدقاء الراوي تضطرهم الأوضاع المعيشية السيئة للهجرة غير الشرعية أو الاتجاه لدول النفط ، وبعضهم يعود بخفي حنين ومزيد من الندم والألم بعد ضياع العمر ، هذا إن عاد أصلا! وبالطبع تتعرض لهموم اجتماعية ونفسية شديدة الوطأة كالتعرض لتجربة فقد الأم مبكرا ، ومن ثم دخول زوجة أب بالبيت القديم، وهجر الأبناء واحدا تلو الآخر لملاذهم هربا من قسوة الأوضاع .
لكن يتخلل هذه القسوة مساحات للحديث عن ممارسة هواية الكرة في الشباب.. عن تدشين مجلة شديدة الوعي يكتبها وحده في القرية ويدون أسماء زملائه وتؤثر فعليا في تغيير المسئولين وإشعارهم بأنهم مراقبين.. ومساحة للعلاقات العاطفية بين صبي يجرب رجولة متهورة ثم يعرف الحب الصامت حتى يأتي للقاهرة فتتشكل صورة المرأة بخياله مع بطلات الأفلام المصرية. ، ويتراوح ذلك مساحات فطرية يتماس فيها مع الكون الفسيح،ولا تجده إلا بالقرية، الخضرة سائدة للأفق والسماء بكامل أبهتها ورونقها ، وقبل الشروق يحمل ندى الأجواء الفطرية رسائل للساهرين
شخصيا لم أحب بعض الصور كراقصة الفرح التي خرج الناس من حلبتها بكامل إيمانهم أو بعض الصور بتجارب الصبا أو أن المرأة لعبت أدوار الأم أو مصدر الغواية فحسب في السيرة ولم نر نماذج أكثر اتساقا مع تطور المجتمع .
وتمنيت لو روى الكاتب مرحلة تحققه بعد الأبواب التي سدت بوجهه طويلا .. وكيف عانق النجاح وقابل المشاهير والتقى برفيقته وغيرها من الحكايات من بلاط صاحبة الجلالة .. بالطبع ما يتناسب مع السيرة .. وأعتقد أنه سيفعل كما وعد البعض وهو ممن لا يهتمون بتصنيف سيرته كرواية من غيره بدليل أنه هو نفسه عمد لكسر لعبة السرد حين قال “لماذا اقتحم شقيق المشير عامر الرواية .. المهم” ..
هنا ندوة بحضور د. جلال أمين ود. عمار علي حسن وعدد من ألمع كتاب الأهرام لمناقشة سيرة هذا الأديب