"لا أعرف هل كان عمري الفائت مسيرة صادقة ومعـبّرة،عن هموم رجل افتقد وطنه، أم كان عمري مجرّد حلم كبير لم أستيقظ منه بعد؟
الحيرة تسكن حشايا الماضي،والغُربة امتدّت بداخلي.
وأي غربة...".
في منتصف السبعينيات،أثناء عمل "بهاء طاهر" في الإذاعة تقرر الدولة العمل علي تطهير الشيوعيين،ومسايرةً لهذا الاتجاه أُصدر قرر بفصل "بهاء طاهر" ،رغم إن الشيوعيين كانوا يملئون أوراق الإذاعة إلا إنه كان الوحيد الذي أُهدر دمه،وهو من الأساس لم يكن يعلم إنه شيوعي قبل هذا القرار ومن المثير للسخرية والحزن أيضاً أن من أصدر هذا القرار هو "يوسف السباعي" صديقه،رغم الصداقة التي امتدت بينها صدر القرار باستباعده.
"ما أمكر رجال السلطة،ولو كانوا من الأصدقاء".
وكان هذا القرار ما دفعه قسرا للمضي في رحلة المنفي،الرحلة التي استغرقت من عمره ربع قرن.
وبعد تعدد الترحال،استقر به الحال في "جينف" مترجمًا للعربية في "الأمم المتحدة".
وفي "جنيف" قابل "ستيفكا" المترجمة في القسم الروسي، الملهمة الأصلية في معظم كتاباته-كما كان يقول عنها-،في البداية كان يشمل العلاقة التحفظ،كان يخشي هو الاقتراب كونه مطلّقاً وظروفه كمغترب لم تجعله يأخذ زمام المبادرة،وأيضا كونهما مختلفين كان هو يميل للعزلة، أنطوائي وكانت هي مليئة بالمغامرة والبذل العاطفي،لكن "ستيفكا" بادرت ولم تجعل هذه الخشية وهذا الاختلاف يقف عائق أمام اترباطهما.
"أحببتها حبًا صامتًا،كحب الشمس للشروق،لكني كنت بائسًا في هذه الفترة،وكان كل شئ يغلّ لساني،وكانت جميلة كجمال بريق ضوء القمر،لم ازرع شيئا هناك،ستيفكا كانت الشي الوحيد الذي يمكن أن أزعم بصدق أن الغربة منحتني إياه".
تحدث أيضا باختصار عن مراحل تعليمه،وأول قصة حب عندما كان في العاشرة، "سندس" الفتاة الحلبية التي أفرد لها قصة كاملة في مجموعته "بالأمس حلمت بكِ" ،وتحدث عن علاقته بالأقصر وزياراته لأهله هناك، عن انتقال أسرته منها للجيزة نظرا لعمل والده كمدرس،وتحدث عن علاقته بوالديه:أبيه الرجل الأزهري الذي كان السبب في التزامه الديني،واستفاض في رسم علاقته بوالدته ومدي عمقها وعن عشقه لحكاياتها بشأن قريتها،وعبر بفجيعة عن فقدها،كان هذا الجزء من أكثر أجزاء السيرة حزناً.
وفي أثناء سرده للسيرة تحدث عن الحالة الثقافية والسياسية في مصر،عن مشاركته في المظاهرات ضد الملك،وعلي الرغم من كونه ناصري إلا إنه لم يتردد في نقد مساؤي هذه الفترة وما وصلت إليه الأحزاب السياسية آنذاك،وعبر عن إستياءه من انتهاج السادات للآلية القمعية في تعامله مع المثقفين وسجنه لهم،وعن تغير الحال بعد ثورة يناير.
كان من مؤيدي الثورة حتي إنه قام برد جائزة "مبارك" التكريمية التي حصل عليه.
حسناً،السيرة بشكل عام جاءت بعبارات بسيطة وجمل واضحة ولكنها عميقة،كان المحور الأساسي فيها هو قضية الغربة، وتعامله مع الغربة وتأثيرها عليه ،ما يعيبها -بالنسبة لي- هو اختصارها كانت تبدو كما لو إنها شذرات عن حياته من هنا وهناك،تحدث عن أشياء كثيرة ولكن بعضها جاء مختصر بالحد الذي جعلها تبدو مبتورة أحياناً...
أما أكثر ما يميزها هو استشعار الصدق وربط الذكريات فيها كما قال أدهم العبودي في تقديمها:
"ستشعر به جالسًا أمامك وكأنما يروي مشاهد حيّة لا زيف ولا ادّعاء فيها،مشاهد تعبر عن إحباطـات عظمى، وخطوات كبيرة تجاه الأمل، سينتزع منك العاطفة رغمًا، ويدور بك في عوالمه القديمة الأخاذة، والتي لم يطّلع عليها أحد من ذي قبل".
سعيدة إنّي أُتيحت لي فرصة معرفته.
3.5/5
25/8/2023