يلزم لمن يركب مَتن التحقيق الوعر أن يقدم بين يديه ما يعين قراء هذا النوع من التراث العربي القديم على الولوج إلى أبوابه وفصوله، والوقوف على ما بها من زاد فكري، ومتعة ذهنية، وصور جمالية، تمتع الذوق المرهف، والحس الفائق. وها نحن أولاء نقوم بهذه المهمة، فنعرّف بصاحب هذا الأثر النفيس، ونلقي الضوء على هذا الكتاب، وما فيه من كنايات رائعة، وتعريضات رائقة، ومواقف فائقة لبعض رجال الأدب واللغة والبيان، فتكون الفائدة، وتقع المتعة.
عبد الملك بن محمد بن إسماعيل (350 هـ - 429 هـ / 961 1038م) الذي يُعرف بأبي منصور الثعالبي النيسابوري، أديب عربي فصيح عاش في نيسابور وضلع في النحو والأدب وأمتاز في حصره وتبيانه لمعاني الكلمات والمصطلحات.
كتاب الثعالبي الكناية والتعريض هو بعض مما تحتاجه ثقافتنا العربية في يومنا هذا. إنه درس في الطريقة التي نقول بها ما هو قبيح ومستهجن بلغة التهذيب والقبول. صراعاتنا تتخذ شكل الوقاحة والعنف والابتعاد عن التحاور وهذا الكتاب تذكرة لكل من يعتقد تسميته القبيح باسمه بطولة. فضلا عن ذلك في الكتاب جرأة الفكر على القول دون قيود النفاق الديني التي تحيط بنا اليوم.