يقول نيتشه في شذراته الصّادرة سنة 1887 : «إنني أروي حكاية القرنين القادمين، وأحكي عمّا هو آت... بوسعنا، منذ الآن، كتابة هذه الحكاية، فالمستقبل يكلمنا بواسطة علامات لا حصر لها، وكلّ ما تبصره أعيننا ينذر بالمصير المحتوم. وقد أضحى سمعنا حاداً بما فيه الكفاية لسماع موسيقى المستقبل هذه...». بهذه النبرة التنبؤية تحدّث نيتشه عن الفلسفة بوصفها استضافة للمستقبل، احتفاء بما لم يتحقق بعد. فهذا النشاط الفكري ليس له من هدف سوى تصيّد الإشارات التي تتلامح في البعيد والإعلان عنها قبل تحققها. فالفلسفة لا تقيم في الماضي ولا في الحاضر وإنما في ما لم يأت بعد. هذه الوظيفة التبشيريّة للفلسفة كانت من المحاور الكبرى التي دار عليها كتاب «نيتشه ونقد الحداثة» الصادر عن كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في القيروان / تونس. استعرض الباحث في الفصول الأولى من كتابه علاقة الفلسفة بالحداثة. هذه العلاقة التي لم تستقرّ على حال واحدة، وإنما ظلت في حال تطور مستمر. وقد عمد الكاتب إلى اختزال مختلف المراحل التي مرّت بها هذه العلاقة في مرحلتين اثنتين : في المرحلة الأولى نهضت الفلسفة إلى جانب العلم بوضع الأسس الأولى للحداثة، إذ رأت أنّ وظيفتها الأولى تتمثل في «ترجمة الزمان... زمانها» وتحويله إلى جملة من الأفكار والمعاني. أمّا في المرحلة الثانية فقد ارتدّت الفلسفة على قيم الحداثة تنقدها وتمعن في نقدها بعد أن اكتشفت زيفها وعدميّتها. ولعلّ أهمّ فيلسوف تصدّى لهذا النقد هو نيتشه.