أبو خفرة قابض على كمها، يقودها بين النخيل وأمها تتبعهما برداء نقعته في الطيب يومين، وتعذله: عرس هذا أم زنا؟! تروح ببنتي لا يسبقها ظعن ولا تلحقها دفوف؟!
للرجل من مهده للحده سبعة أوجه، وللحرب وجه واحد يلبسونه جميعًا؛ سحنهم تصطبغ بلون الأرواح التي يقامرون بها. بندق شافي على عاتقه، وفخر أمه به يعكره خوفها عليه.
في العقيق تستبق البُنيّات عودة الغواصين بالنشيد:
“نطويك يا ذا الشهر طيّ القراطيس ذا الليل م الداخل يجون الغواويص”
فرجة بوجه أنضجته الشمس، وبضفائر مشعّثة تغني لمن لن يعود في الشهر الداخل، فوالدها بلعه البحر قبل سنوات.
في باحة البيت تقعد القينة، تُعجن مسحوقها بالطيب. تُقْبل نفلا صفراءَ من نقيع العصفر، وجسدها فوّاح بالورس، تقعد في حضن المشّاطة التي ينطلق لسانها بتنبؤات عن طيب حظ العريس، تغني وأصابعها تغزل شعر نفلا ثلاثين أحبولة عشق.
عمّوش يذهب للعرافات لا ليصدقهن، بل ليعرف متى يصدقن ومتى يجهلن، وكيف يدارين جهلهن؟
يزورهن التاجر ليتعلّم. وضع أجرها وخطا مغادرًا فنادته: لو كان الحذر يمنع القدر لوصيّتك بأن تتجنب الغار.
يُعاب كثيراً على كتّاب السعودية والخليج تقصيرهم في تناول "أدب الصحراء".. كون الصحراء بلُغتها وثقافتها وقسوتها وجمالها، كلها عناصر أكيدة في أية قصة محليّة الحبكة. طبعاً نذكر بدايات خُماسية عبد الرحمن منيف ونذكر أعمالاً من هنا وهناك، لعل آخرها (طعم الذئب) لعبد الله البصيّص. أما هذه الرواية: غوّاصو الأحقاف لأمل الفاران؛ فعمل بديع يستحضر الصحراء بكل تعقيدها الكامن، ويستحضر لغة منيف بل يتفوق عليها في مناطق عدة. إنها عمل جدير بالاحتفاء من ناحية الفكرة والمعالجة.
غواصو الأحقاف تسترجع تاريخاً قريباً غير منسي.. لكن بلغة جديدة. الرواية لعلها مبنية على موروث الكاتبة عن وادي الدواسر. هناك من أطراف نجد وأعماق الهول الرملي العظيم، حيث أساطير كثبان الأحقاف بممالكها البائدة من إنس وجنّ، تكتب الفاران عن الحب والجوع والحرب؛ الثلاثية التي رسمت حياة أجيال إلى أوائل أيام ابن سعود، حيث تزحزت الثوابت وأعيدت رسم ملامح الحياة. في تلك اللحظة التاريخية بالذات تختار أمل الفاران أن تكتب عن الوادي والجبل، حيث تستوطن ثلاثة أفخاذ من بطن واحد. ثلاث أسر يفرقها أكثر مما يجمعها.. ثلاث عشائر تكاد تفني بعضها قبل أن يفنيها الجوع. وهذه قد تبدو سردية مكرورة وقديمة، لولا أنها قد قُدمت في قالب لغوي أخّاذ. وفي حبكة تتقاطع فيها عدة قصص لا تلبث أن تتفرق لتلتقي في بساتين النخل، حيث تُتبادل قصائد العشق وطلقات البواريد، كلٌ في وقته، وفي الوقت ذاته أحياناً.
قصص حروب الصحراء كثيرة، لكن أمل الفاران تكتب هنا بقلم وقلب ولسان المرأة. وهذه قيمة مضافة عظيمة. وإن كانت أميمة الخميس مثلاً قد قدمت في (البحريات) شهادة المرأة على زمانها، فإن أمل الفاران تكتب شهادة المرأة على زمن الرجل، وعلى ما يدور في مجالس الرجال وقلوب الرجال. إنها تنفي كذلك تنميطاً مفاده أن عوالم الصحراء القديمة كانت ذكورية بحتة. لأن الأم والأخت والحبيبة حاضرون هنا حتى فيما الرجال يغرسون نصالهم في أجساد بعضهم. وحدها المرأة تملك أن تعري الرجل من أقنعة وأسمال البطولة والفروسية. في خدر المرأة، في حضن الأم، يرجع الفارس طفلاً. وقد نجحت أمل بحرفية عالية في تقديم هذه الصورة الشفافة بدون أن تركن المرأة على رف الرواي السلبي. هذه حبكة –والحال كذلك- متماسكة لأقصى حد؛ الشخوص كلهم مبررون وفاعلون. التصاعد في الأحداث منطقي وجذاب. اللغة –تحديداً- تتأرجح بين العامية والفصحى فلا يفقد القارئ صلته بما يجري ولا يفقد صلته بالمرحلة.
ثم هناك القدرة الفذة على الوصف: الرمل مثلاً بطل كامن. بسكونه المرعب وبغضبته المدمرة. بساطته الفجة وتعقيده المميت. نجحت أمل في أن تصنع من الرمل نظيراً لإنسان الصحراء وقريناً سردياً له. فإنسان الصحراء بسيط مباشر، عميق الغور كل حركة عنده بحساب. هذا التناقض الأصيل والذي لا يعيه بكل تفاصيله إلا ابن –بنت- الصحراء نجحت أمل الفاران في نقله لنا بوصفها، بحواراتها، جعلتنا نحسه ونعانيه، كما نقلت لنا شفافية الأرواح التي يثير صوت حفيف النخل، ورفيف أجنحة الحمام شجنها. الأرواح التي ينهل القصيد من بين شفاه أصحابها، وينهل الدمع من أعينهم، حزناً على تأخر غائب أو خيبة في الأمل من وصل حبيب. كل هذا وصفته أمل باقتدار مثلما وصفت عوامل الطبيعة التي لم تحرمها من مكانتها في الرواية، كما وصفت عوالم النساء الحافلة والملونة، ووصفت طعم قهوة الرجال المحمل بمرارة الفشل والصبر الطويل.
غواصو الأحقاف استحضار هام لزمن لم ينقض إلا راهناً. قبل أن تطل الحداثة برأسها وقبل أن تتغير قوانين كل الألعاب القديمة. زمنٌ ذكرياته الجينية قابعة في قيعان النفوس ما زالت. بين خطوط الجوع والحب والحرب كان إنسان تلك البقعة وذلك الزمن ينازع ليتعرف آدميته. يبحث عنها ليتشيث بها، وأحياناً ليتخلص منها عنوة.. والمبرر واحد: فقد كان يسعى لما يضمن له البقاء.. عمّا يبرره. غواصو الأحقاف هي محاولة لتبرير الاستمساك بالحياة. إنها مرثية لزمن الرقص في وجه الموت؛ ترقص النساء من خلف مقانعهن فيما الرجال متكئون على على أعقاب بواريدهم، رقصات سريعة خاطفة في استراحات قصيرة لا تلبث أن يقطعها أوان الركض فراراً بالنفس من المهلكات.. في انتظار فسحة أخرى للرقص فخراً بالنجاة.
أحببت العنوان بداية، بدا لي محملاً بشيء من الفنتازيا، بالحمولة التاريخية والدينية للأحقاف - موطن قوم عاد- وبفكرة الغوص في منطقة صحراوية، طبعاً الإشارة في العنوان هي إلى امتهان بعض أهل المنطقة الغوص في الخليج في مواسم البحث عن اللؤلؤ.
تأخذنا المؤلفة بلغتها الرائعة إلى العقيق بأحيائها الثلاثة، لنعيش قصص حب وحرب بين آل هذال وآل بنيان وآل فواز، الرواية مكتوبة بعناية وتستعيد المؤلفة من خلالها أجواء عايشها أجدادنا، فزمن الرواية هو بدايات الدولة السعودية الثالثة مع بعض الإشارات إلى معارك الملك عبدالعزيز مع ابن رشيد، ولكن للعقيق معاركها الداخلية، فالحرب مستعرة بين الهذاليين والبنيانيين، تظهر لنا هذه الحرب جوانب من ذلكم المجتمع، معاني الشجاعة والجبن، الخسة والشهامة، ما تعرضه لنا المؤلفة ليس أقل من حياة كاملة، من المزارع بنخيلها إلى المنازل برواشنها، من السادة إلى العبيد، من الرجال إلى النساء، الحياة والموت، السيل والجراد، الحب والكره، الانتصارات والخيبات.
هذه ليست فقط رواية. إنها ذاكرة زاخرة تمنح القارئ فسحة الفرجة في نواحيها ولمس ما ظن أنه لن يرى ولو بين دفّتي كتاب. بلغة الكاتبة الغنية وسردها الساحر، سوف تعبر الصفحات الأولى بهدوء حتى تخطفك الدهشة وتبقى في حالتك هذه لا تحيد عنها حتى تسدل ستارة النهاية. هي أوديسة الصحراء، بعثت أساطير البدو وجعلت منها ربّات تقف على أكتاف الجبال، وترفرف فوق جريد النخل، وتتهادى مع كثبان الرمال، بل إنها تحدو مع مسير القوافل الرائحة والعائدة. بنفس عميق وقلم ناضج، ترصد الروائية أمل الفاران روائح الأصالة وموارد الشوق التي يهفو إليها غواصو الأحقاف والتوق إلى ما كان بعيداً . الغوص هنا ليس في بحار. بل غوصٌ في الذاكرة. بل ربما غوصٌ في الأنفس المتأرجحة في بلدة العقيق بين الخير والشر، والصواب والضلال. السردية مع لهجة البدو التي أثْرت بها الكاتبة نصّها تمنح من تربى في بيئة الرواية شعور الانتماء، وكأنه إحدى شخصياتها لا يستطيع الفكاك منها حتى بعد الفراغ منها. أما من يزور العقيق لأول مرة، سيولع بها وكأنها نافذة على حكايا الجدات الأصيلة. أحياء ثلاثة تضم ثلاث قبائل يجمعهم جدٌّ واحد، مانع بن هادي، أورثهم شجرة سمرٍ تُدعى "مريفة"، حيث العهود والمواثيق التي نُقشت على جذعها المتغضن. في الأحياء الثلاثة تُدار رحى الحروب، لا تدري مَن الغازي مِن المغزوّ، ولا الواتر من الموتور. فالرجال في العقيق "مع صرام النخيل، يكنزون التمر والرماح”! لا يهم من ابتدأها ولا من الأخير. فإن فتيل المشاحنات ما إن تضرمه نفسٌ شقية حتى يأكل ما أمامه ولا يذر. بعد أن نقضوا عهد مريفة، تغيّر الكثير على تضاريس الواحة، بل حتى في أعماق أبناءها، فقد "اجتثت الشجرة من وجدانهم". وحده الحب يمنح مشهد الأمان في الواحة. "العشق ابن النور، وكل حكاية حب في العقيق يجب أن تنمو تحت الأعين، فتحرسه حتى لا يدنسه زلل. وفي الواحة الصحراوية لن تسمح الظروف لفتاة بأن تحتجب فلا تنهض بنصيبها من العمل، ولكي تظل خطوتها حرة فعليها أن تحذر ألا يعلق اسمها في حكاية سرية". ما سيشعره القارئ هو الغرق في متضادات الصحراء، فلا يكاد يلمح خضاب الحناء إلا ويجزع من خضاب الدماء، ولا يكاد يبتهج بصرم عذوق النخيل، حتى يقبض صدره صرمُ الرقاب. المعارك تختلط بدموع القلوب التي تخشى أن تصيب رماحها ذوي القربى. بل تختلط بشوك مريفة الذي يخز أرواح الناءين عن الحرب ولو بقلوبهم، وهو أضعف الإيمان. رواية عظيمة تستحق القراءة.
أنهيتها بالأمس ومذاك وأنا أحاول تجميع أفكاري لكتابة شيئ يستحق الكتابة، لكنني اكتشفت قدرتي على الكتابة عن كتاب كرهته أكثر من قدرتي على الكتابة عن كتاب أحببته وهما تكمن معضلتي. كنت أنتقد كثيرًا الكتاب العربيين والخليجيين خاصة ابتعادهم في الكتابة عن الصحراء وأسرارها وحكاياتها الغزيرة التي لا تنتهي، حتى قرأت منيف ثم رواية عبدالله البصيص طعم الذئب وآخرها رواية أمل! واستطيع القول ان هذه القصص قربية من قلبي الصحراوي. في البداية العنوان مذهل جدا وفكرة الغوص في تلال الرمال!! الحكاية تدور في واحة -قلبي يرف مع ذكر الواحات التي ينبض لها قلبي وانا ابنه الأحساء- واحة تتعلق بكل شيئ فيها، ناسها ونخيلها وآبارها وجنها وحتى قهوتها وخبزها الذي اقسم انني استطعت شمّه من خلال القراءة فقط! ثلاث قبائل يتعاهدون بحبس الدم وايقاف الحرب التي لا تقف حتى يعود الغواصين من البحرين. قدسية النساء وحيويتهن، تعودنا أن يكون ذكر النساء في قصص البادية بشكل سلبي وخاضع لهيمنة الذكر، لكن في هذه الرواية يتغزل الأخ بقوة أخته، يفخر الجار بحكمة جارته، يحتفلون بطلاق إحداهن ويغني إخوتها "إن كان طلقك فنحن رجالك الذين لا نطلقك" مالذي حدث في عصرنا مالذي تغير؟؟
البداية كانت ثقيلة شعرت بأن أمل تنقح قراءها، منهم الذي يواصل القراءة وسيضع الكتاب في قلب مكتبته وأنا واحدة، ومنهم من سيفقد الاهتمام ويترك الرواية وهكذا تنقذ أمل شخصياتها من أعين المهملين. واجهت صعوبة في انهاء الرواية ليس لأنها ثقيلة على القلب لكن يعز علي أن أفارقها، في قرابة ٢٦٠ ��فحة تشدك الفاران من زنّارك لتقع في غرام الوادي.
لم أقرأ عملًا عربيًا منذ شهور، فقد كانت قراءات الآونة الأخيرة أعمال مترجمة، وكنت بحاجة لعمل عربي لا يخيب أملي كالعادة! ( مع استثناءات صارت تقل مؤخرًا، وهذه حكاية أخرى ربما يكون لها موضع آخر للشرح). كنت أظن أن هذا عمل الفاران الأول، لكن عرفت أنها أصدرت بضعة أعمال من قبل. قرأت لكاتبات سعوديات من قبل مثل أميمة الخميس ورجاء عالم وبدرية البشر، وقرأت لأثير النشمي ورجاء الصانع! لكن أمل كانت مختلفة عن عوالم أولئك وتحديدًا الأسماء الثلاثة الأخيرة. إنها تتجه إلى الصحراء، إلى التاريخ، وهي منطقة وعرة بلا شك، ربما لم يكتب فيها سوى الكتّاب الرجال (منيف وتركي الحمد مثلًا) على حد علمي.... لم تكن الصحراء قاسية، اختارت أمل بقعة يحضر فيها النخيل بقوة، مع العلم أنني لا أعلم أين تقع جغرافيًا لأنني أكره الجغرافيا! يتصدر النخيل المشهد، لا بوصفه بيئة وإطارًا مكانيًا فحسب، بل بوصفه ركيزة، يبدو مثل آلهة حين يكون سببًا في عيش السكان وهلاكهم، حين يخوض الرجال حروبًا من أجله وحين يقيمون طقوس الصرام وقطاف التمر وهم يغنون له... ربما انعقدت خيوط كثيرة وتشابكت، لكن لم تكن هناك حاجة لقصها والبدء من جديد، لكنها تحولت إلى غرزة مميزة في النسيج حتى النهاية بمصير عموش التي تفتح بدايات أخرى يستلم فيها القارئ إبر الحياكة... هناك الكثير من التوازنات التي تحفظ للعمل تماسكه، فالصمت الذي حفر هوة بين نفلا وعموش كان الرقص يردمها قبلًا، معادل لجرأة فرجة في قصر وثيل، بسلاطة لسانها وأفعالها المتحدية، والاجتراء على الأولى قابله خوف من الثانية... والأمر نفسه ينطبق على عموش وفيحان، بتلا وخفرة والكثير من الثنائيات في العمل. هذا شد وجذب يبقي القارئ منجذبًا للحكاية حتى نهايتها.
من أجمل الأعمال الروائية العربية التي قرأتها في السنوات الأخيرة، عمل متجاوز في لغته ومضامينه وبنيته.
من الصفحات الأولى تطالعنا سيرة النأي عن المكان، رجال الصحراء الذين يغادرون ديارهم نحو البحرين لإدراك موسم الغوص. من العنوان والعتبات الأولى للنصّ يبدو أنّ مدار الحكاية هو البحر وسيرة الغوّاصين الذين يولون ديارهم ظهورهم ويحللون نساءهم من قيد الانتظار، ويتعاهدون عند أكبر أشجارهم (مريفة) على التحلل من أحقاد الحروب وديون الثأر التي يحملها رجال كل حيّ من أحياء العقيق الثلاثة على الحيّ المجاور. لكنّ الحكاية التي تيمم وجهها في العتبات الأولى نحو البحرين تنعطف في باقي الصفحات جنوبًا، نحو العقيق، فتغوص في عمق الصحراء، وتنسج خيوطها من قصص أهالي أحياء العقيق الثلاثة (آل بنيان، آل هذال، آل فواز) المنحدرين من جدٍّ واحد (مانع بن هادي). المكان في هذه الرواية هو بطلها الأكبر، هو العنصر الفاعل والمؤثر في لغتها وأحداثها وبنية شخصياتها. فالمكان يخلق النزاعات، ويتحكم في الشخصيات، ويُعيد تشكيل اللغة الواصفة له ويسيطر على مجازاتها وصورها، ومنه تنبجس الانتماءات التي تنبجس منها الدماء والثارات. تستندُ سيرورة الأحداث على مفهوم الانتماء والهويّة. فللأحياء الثلاثة تاريخ واحد، ولكل حيّ من هذه الأحياء روايته الخاصة لهذا التاريخ. تنتمي الأحياء الثلاثة إلى مكان واحد وجدّ واحد، ويتفرع من هذا الانتماء انتماءات أصغر إلى أبناء هذا الجدّ الثلاثة، ثم انتماءات متفرعّة بحسب الأم، إذ يتحدّ الهذاليون مع الفوازيين في النسبة إلى أم واحدة، وينتمي آل بنيان إلى أم أخرى فيباعد هذا الانتماء الفرعي بين آل بنيان والحيين الآخرين، ويتفرّع الانتماء في داخل كل حيّ أيضا، ففي حيّ آل بنيان ينقسم الأهالي بين الانتماء إلى شيخهم وأبنائه، وبين الانتماء إلى عقيد حربهم أبي شافي وولده. وفي حيّ الفوازيين يتنازع الانتماء الفرعي بشكل خفي وغير معلن بين الإخوة غير الأشقاء؛ عموش وفيحان. ويعلو نزاع هذا الانتماء بشكل صريح ومعلن بين نساء قصر وثيل، بين أم عموش من جهة، وأم فيحان والعمّة الأرملة أخت الشيخ من جهة أخرى. ويظهر تنازع الانتماءات الفرعية أيضا في حيّ الهذاليين مع إن الرواية لا تذكر شيئًا عن شيخ هذا الحي وبنيه، لكنّها تركّز على بيت صالح الذي ينتمي للهذاليين من ناحية الأب، وإلى البنيانيين من ناحية الأمّ، فتتمزق الأسرة بين الانتمائين، إذ يتعثر مشروع زواج (جابر) الهذالي من (بتلا) ابنة خاله البنيانية بعد أن يحجرها ابن عمها البنياني فتتزوج منه مرغمة، لكن الأسرة الموزعة بين حيين تتدارك هذا الفشل وتزوّج أختها الصغرى (خفرة) البنيانية لابن العمة الهذالي (جابر) فينقضي النزاع الخارجي ويولد نزاع آخر داخلي، نزاع في نفس (جابر) بين حبه لـ(بتلا) وبين واجبه حيال عروسه (خفرة)، وتنازع (بتلا) مثله بين صوت قلبها الذي يذكرها (جابر) حبّها الأول وصوت عقلها الذي يُملي عليها الإخلاص والصبر لزوجها الذي زُفّت إليه صاغرة. تحسم النساء انتماءاتهن على عكس الرجال، فالرجال يتوقون إلى الرحيل، (جابر) يلاحق الغوّاصين وينأى عن دياره، (عمّوش) يسير بقوافل التجارة جنوبًا وشمالًا رغم هلع أمّه ولوعة زوجته (نفلا)، ومثله (فيحان) المتعطش للسير بالقوافل، المتطلع إلى تأجيج حروب الحيّ لعلّه يحرز فيها بطولات تعزّز من انتمائه إلى أبيه. أمّا انتماءات النساء فهي أكثر رسوخًا، كل امرأة من نساء العقيق تُشبه نخلة من نخيله، تمدّ رأسها نحو السماء دون أن تنسى رسوخ جذورها في المكان، تستمد شموخها وقدرتها على العطاء من رسوخ جذورها في الطين. لنساء العقيق انتماء أكبر إلى الأرض، يوفقّن بينه وبين انتماءاتهن الفرعيّة للأحياء بلا تنازع. ففي كل بيت من بيوت العقيق امرأة تستبقي رجال بيتها وتحاول أن تثنيهم عن الرحيل؛ أم جابر تمنعه صغيرًا من الالتحاق بالغوّاصين لكنه يمضي مخالفًا رغبتها ويلحق بهم في غفلة عنهم حتى إذا ما ابتعدوا ظهر لهم فألحقوه بالقافلة، وتحاول ثنيه عن قرار الخروج لموسم الغوص حتى بعد أن كبر وتزوج، مثلها ابنتها (نفلا) التي يُعذبّها غياب (عمّوش) وتذبل كلما خرج مع قافلته للتجارة. وحين تتصارع الانتماءات في عالم النساء لا يجدن صعوبة في حسم الصراع والعودة إلى الجذور، (بتلا) تعود مطلقة إلى بيت أهلها ونخيلهم حين تحرقها الغربة في بيت زوجها، (فرجة) تقفز من قصر وثيل بعد أن تُغافل زوجها الفوازي وتركض نحو ديار أهلها آل هذال وتحذّرهم من عزم أهل زوجها الفوازيين على غزو ديارهم، (نفلا) حين تلسعها النميمة بين نساء قصر وثيل، ويمنعها زوجها (عموش) الفوازي من الرقص الذي يجري من روحها مجرى الدم ويفرض عليها قيودًا تهدد انتماءها لا تجد بأسًا -رغم عشقها لعموش- في أن تطلب الطلاق منه كعطية يمنحها إياها في مجلس الرجال.
طبيعة الأرض توحّد بين رجال الأحياء الثلاثة، وما يفتعله الإنسان على هذه الأرض يُفرقّهم ويفاقم أطماعهم. فالحرب التي تصفها الرواية بأنها "الموت الوحيد الذي يستطيعون التعامل معه" تشتعل بين الهذاليين وجيرانهم آل بنيان بسبب جسر الهذاليين وحضائرهم التي تتكاثر على الحدّ بين الحيين حتى رأى فيها البنيانيون تطاولًا على ديارهم، وتنتهي الحرب بفعل الطبيعة، حين يجرف السيل الذي أطلقوا عليه اسم (قشاش) بيوت الهذاليين والبنيانيين فيلوذون بسقف واحد، سقف أبناء عمومتهم الفوازيين، فيوحدهم السيل من جديد وتستنبت الأرض الغارقة نزعتهم إلى السلام فينشغلون بإصلاح الدمار في بيوتهم وتعويض خساراتهم عن الغارات وطلب الثأر. وإن حرّضهم فيما بعد هجوم الجراد والجوع التالي له على افتعال الحرب من حين إلى آخر، فإنّ الخراب الذي خلّفه (قشّاش) في الحيين يردعهم من جديد: "لا طاقة لنا بحرب، فلا تشرعوا بابًا سدّه (قشّاش)"
تستقي لغة السرد مفرداتها من تفاصيل المكان ومعطياته؛ حين يهرب (شافي) البنياني بأوجاعه نحو (مريفة) شجرة السلم الضخمة، تجسّد لغة السرد مخاوفه من خلال تجسيدها لهيئة (مريفة): "أشجار السلم تشبه مخاوفه؛ جذوعها الصفراء الخشنة كجلد ضب لا تستر عن أي عين خضرة الحياة في قلبها، متفرعة من منبتها متشابكة، وأشواكها الطويلة موجهة لفروعها، أزهارها الصفراء تومئ له..."ص٢٥٥ وحين يتواصى الهذاليون بقتل أبي شافي يرمزون له: "شحموا الفحل" و"فحل النخل أضخمها رأسًا وأطولها سعفًا، يكفي طلعُ فحل واحد نخيلًا كثيرة..."ص١٠٨ عصا (عموش) التي يراقص بها (نفلا) في الملعب: "تتبعها كعنق ناقة أول السير"ص٦١ وتعبيرًا عن أثر الكلمات التي أوجعت بها أم (خفرة) زوج ابنتها جابر: "طحنته في رحى لوم ثقيلة"ص٩٩ وهكذا لا تكتفي اللغة بأن لا تنفصل عن عوالم المكان، بل تستند عليه بشكل شبه تام وتتشكل من خلاله.
الرواية السعودية كما يجب أن تكون، أدب عريق نابع من موروث الجزيرة العربية، تأخذنا أمل الفاران في بناء متصاعد لأحداث على كثبان رملية تدور فيها علاقة ثلاثية بين الجوع والحرب والحب، رحلة مشوقة بلغة اخّاذة في صراع ثلاث عائلات من صلب واحد فرّقهم الزمن وغريزة النجاة، والبطل هي الديار، والنخيل، والمزارع، والصحراء، والطبيعة، عمل يُقدّم لنا أدبًا يليق بهويتنا ويستحق أكثر مما حصل عليه، وصعوبة اللغة لا تلام عليها الكاتبة ولكنها نقلت الحديث كما يدور في تلك الحقبة وحسب وهذه أفضل طريقة لعرضه، شخصيات وتفاصيل غزيرة وبديعة، ولا أبالغ إن قلت أنها أحد أفضل الأعمال السعودية التي قرأتها حتى الآن.
الكاتبة شجاعة جداً بان دخلت في حقبة زمانية ومكانية شائكة وغامضة ..اللغة جميلة ولاتخلو من نفس شاعري جميل جدا..لكن اعتقد ان لغة الكاتبة كانت عسرة الهضم والفهم كثيرا ..احتجت لاعادة كثير من المقاطع اكثر من مرة لافهم المقصود خصوصا مع زحمة الشخصيات والتفرعات والانتماءات واكثر ما عكر لغتها الخلط بين كلمات العامية المهجورة وكلمات الفصحى النادرة ومحاولة نحت صور بلاغية مبتكرة..السرد كان يسير بشكل جيد..اتمنى من الكاتبة ان تعيد طباعة الرواية لتعالج الترهل اللغوي ومايسببه من غموض
"أبناء الرمل تكذب ألسنتهم لا أعينهم، كل مكنون تظهره العيون لمن يقرأ، وهم يعرفون ذلك، فيحجبونها عمن يبغضون، يسلم الرجل على غريمه فلا يضع عينه في عينه، أمّا النساء فأول ما يقرأن الوله وثماره".
تأتي الحكاية من عمق أحياء "العقيق" وتحمل معها حكايا الصحراء والبحر الممتد خلف مداها، فتنقسم الحكاية بين أحياءه الثلاثة ويلعب رجال ونساء تلك الأحياء الممتدة والمتوزعة داخل حدود "العقيق" أدوار رئيسية وثانوية في مسار الرواية، فيجمع النص بين حكايا الحرب والنزاع المستمر بين أهالي الأحياء الثلاثة والعهود التي يقطعونها فيما بينهم لإستتباب الأمن، بينما يخوض الغواصيين صراعهم مع لجة البحر، ويرتحل التجار قاطعين الصحراء في سبيل الرزق، وتحضر حكايا الجن، والعشق، و"حلة العبيد"، وسمرات الطرب والرقص، ومجادلات الشعر والقصائد والغناء، وخزعبلات ساكني "العقيق"، وسيرة أفراد كل حي من أحياءها على تعدد أسمائهم وألقابهم ونقاط الجمع بينهما ورابطة النسب وقرابة الدم، وحكايا الماء والخضرة والنخيل، ونزاعات تداخل حدود الأحياء وتقاطعها مع بعضها البعض، وسيرة المهاجرين القادمين من خارج "العقيق" وإتخاذها موطنا، إلى جانب حكايا عديدة لا تتوقف عن الهطول بين جنبات النص، لتصنع مزيجاً فريداً من نوعه ومتفرداً في صياغته ومضمونه ليكون قواماً لهذا النص المبتكر والمثير للإعجاب.
يغلف مزيج تلك الحكايا القادمة من أراضي "العقيق" لغة شهية ومتزنة تكتبها "الفاران" بتعابيرها اللذيذة وبقلم متمرس ومثير في صناعة الحدث وإختزال الصور الجمالية للصحراء والبحر وأناسها وإعادة تشكيلها داخل سياق النص، ولتكون هذة القراءة المقدمة التي أتعرف من خلالها على "الفاران" وأعمالها، وتكون مفاجأة مبهجة ومشوقة بكل ظروفها وتفاصيلها، ودافعاً للإطلاع على أعمالها الأخرى، فقد جاءت مسألة إقتناء هذة الرواية والقراءة فيها من خلال إشادة الكثيرين بجودة العمل وثقل وزنه وتفرد مضمونه، وقد رأيت فيه كل ذلك وأكثر، فقد كان النص مدهشاً في كونه حديثاً لكنه يشبه حكايات أدب المورث الشعبي وحكايا الصحراء التي تأخذك إلى حقبة سابقة وتبعث فيك روح ذلك الزمان والمكان بكل ما فيه من ظروف وأحداث وتحولات مثيرة ومتغيرة.
تتعدد الأسماء والوجوه في مسار السرد بين "عمّوش"، وأخيه "فيحان"، والهذاليه "نفلا"، وأخيها "جابر"، وبنات خالهما "بتلا" والأخرى "خفرة"، والرخو "شافي"، والعبد "جمعان"، والصانع "أبو هليهل"، والمشاطة "مسيكة"، وأسماء أخرى عديدة تدخل وتخرج من سياق النص، ويلعب كل واحد منهما دوره في الحكاية، لتتقلب الأحداث وظروف النص بين وجوههم في صحراء "العقيق" وبين أحياءها، وفي غُبة "البحرين" وعلى امتداد الشط، بين من يعالج لوعه العشق، وبين من يحارب مخاطر الدرب والغوص، وبين من يحاول منافسة أخيه في إكتساب مودة والده، وبين صروف التجارة، وبين من يحاول شراء رضى سيده من بين عبيده، وبين جولات وصولات الحرب، وبين غمرة السيل وجحيمه، وأنت كقارئ تقف متأملاً جملة الأحداث وإنسايبيتها وتعدد المواقف وتغيراتها مبهوراً بكل تلك العوالم المحيطة بحراك النص وتقلباته.
تلعب حكايا النسب ورابطة الدم إلى جانب حكايا الحرب والثأر دوراً كبيراً في محور النص، حيث أن كل واحدة تتداخل مع الأخرى في خلق الأحداث وصناعة مسار الشخصيات داخل السرد، فالحروب والنزاعات المستمرة بين أهالي الأحياء الثلاثة تكون عائقاً في عدم إتمام زيجات كثيرة داخل حدود "العقيق"، زيجات كان لها أن تتم لو كانت الظروف مواتية ولم يكن للثأر والخلافات المشتعلة بين أفراد الأحياء الممتدة بين تضاريس صحراء "العقيق" حضوراً دائماً وطاغياً إلى درجة التدخل في مصائر أبناء وبنات منطقة "العقيق" وما حواليها، مما يُحول بعض الزيجات بين أبنائها إلى فأل شر وحيلة إنتقام ومصالح مشتركة بدل أن يجمع بينهما بخير ومودة وبغاية تكوين الأسرة وتقوية رابطة الدم بين أطرافها.
تعرفنا الرواية على طقوس عديدة من طقوس وعادات ومواسم وتاريخ أهل "العقيق"، فنرافقهم في موسم صرام النخيل، ونشاركهم في سمرات الطرب والغناء والرقص، ونتعرف على عادات وتقاليد الزواج داخل أحياء "العقيق" وبين أناسه، ونشهد على حكايا العشق والوله والغرام بين شباب "العقيق" وشاباته، ونسمع عن ذكريات عقيد الحرب "أبو شافي" ونزاعاته وغزواته وماضي طفولته، ونتعرف على ذكريات الغواصين في لجة البحر، ونسمع عن حكايا رحلات التجار في عمق الصحراء، ليؤرشف النص تاريخ أهل "العقيق" وأفراده، ويثبت طبائع أهل الصحراء وعاداتهم الذين يزاولونها منذ الأزل.
يلعب السيل لعبته في أرض "العقيق" فيأخذ معه نفوساً من البشر والبهائم، ويحول الأرض إلى خراب تام، ذلك الخراب الذي يؤدي بأن تجتمع قلوب أهل "العقيق" مع بعضها البعض ويتخذون الجبل مقاماً لهم بعدما فرقت الحرب والنزاعات بين قلوبهم في الفترة الأخيرة، حيث أن معضلة سيل "قشّاش" كما أطلقوا عليه أهل "العقيق" جعلتهم يتحدون مع بعضهم البعض للخروج من تلك الأزمة ويتناسون الحرب القائمة بينهما أو يؤجلون الخوض فيها، ليجد كل فرد نجاته في إتحاده مع فرداً آخر من بين أفراد الأحياء الأخرى، وليقوي السيل الذي غسل وجه "العقيق" رابطة العلاقات بين أفراد كثر من أهالي الأحياء الثلاثة المتخاصمون فيما بينهم، ومع فقد "خفرة" لمولودها نتيجة الولادة المبكرة التي جاءتها خوفاً وهي تحت سقف الغرفة العلوية في سطح بيت الزوجية والسيل يضرب السقف ضرباً مبرحاً تجد أن ذلك الفقد ما كان إلا قدراً مكتوباً ليؤلف قلب زوجها "جابر" عليها ويحننه ويقوي صلتها به عقب أن كان ينفر منها منذ لحظة دخوله عليها وزواجه بها.
تخوض الرواية في مجريات عديدة، فيشتعل فتيل الإنتقام بين شخوصها، وتلعب أحاديث رجالها لعبتها في قصر "وثيل" عقب وفاة كبيرهم، بينما يغيب "عمّوش" في سفر لتجارته، ويجلس "فيحان" مكانه ومكان أبيه الذي توفاه الموت، فيأخذ في نزاعات ويخطط لغارات على نخيل أهالي الأحياء الأخرى، فتعود سيرة الحرب لتتغلغل بين تعرجات "العقيق" وأحياءها الثلاثة، بينما تنفصل علاقات النسب بين الكثير من الزوجات التي تزوجن من خارج أحيائهن، نتيجة عدم التوافق بين الأزواج وبين ما يجري في بيوت أهاليهما، فيحدث الطلاق بين الكثير من الأطراف ويغيب معها روح المودة والألفة بين الأسر المنتسبه لبعضها البعض برابطة النسب ويحل الشوق بين الأزواج الذين دفعتهم ظروفهم وخلافات أهاليهم إلى طلب الإنفصال، وتسير الرواية في ذلك المسار حتى تحضر رائحة الموت في الحلم منبئة بمصير "عمّوش" الغائب عن أرضه وناسه ومعها تنتهي الرواية.
لا انكر أن النص تطلب مني وقتاً وجهداً مضاعفاً للإمساك بكل خطوطه وتتبع مسار السرد فيه، فتعدد الأسماء و الوجوه والشخصيات وتداخلها ببعضها البعض وتبين صلة القرابة والدم والنسب بين شخوص الرواية وما يجمع كل طرفٍ بالطرف الآخر خلق نوعا من الإرتباك وعدم الوضوح أثناء القراءة في النص، لكن بعد أن تمكنت من إدراك كل شخصية وكل وجه وعلاقتها بالطرف الآخر شعرت بمتعة خالصة أثناء القراءة داخل النص وفي تتبع فصوله وحكاياته وكل ما يسري داخله، ووجدتني منسجماً بشكلاً تام مع طابع النص وغرائبيته وملافظه ومسمياته العتيقة، لقد كانت تجربة القراءة في هذا النص بالمجمل تجربة فريده من نوعها ومشوقة وجالبة لكل أنواع المشاعر المرتبكة والمبهجة.
البداوة ، عالم الصحراء البعيد عني كليةً ، والصعب على ادراكي كوني ابن للمدينة دائماً وأبداً . في صفحات هذه الرواية التي لم تكن الا سفراً محبباً الى نفسي ، تخطيت كل ذلك .. صحيح ان اللغة كانت صعبة وثقيلة لدرجة انتي احتجت الى الكثير من الوقت كي اعتاد عليها ، الا انني بعد المائة صفحة الاولى وجدتني وقد نسيت العالم تماماً لأعيش هذا الجنون بين الاحياء الثلاثة ، آل هذال وآل فواز وآل بنيان . الشخصيات مكتوبة بحرفية متقنة ، عموش وجابر وفيحان وشافي وبتلا ونفلا وخفرة وفرجة وغيرهم ، حكايا الامهات وحبهن الصافي لاولادهن ، حكايا الحرب والموت ، والدم الذي كان أحياناً ما يشبه تدفق المطر . السيل وتبعاته على وادي بالكاد يحسن التصرف امام تجمع الماء الخارج عن العادة ، حكايا الجنيات ، ليالي السمر ، الغناء والرقص وشعل الضوء التي تكسر جمود الليل والصمت . التجارة وماتفعله من تغيير على السياسة المتبعة ، القبيلة والشيوخ ودلال القهوة التي لا تكف عن تصدر المجالس ، تعاقب الأجيال بين الشباب والكهول .. هنا الكثير والكثير ، عالم تمت صناعته بكثافة ومهارة ، واعادة إحياء للتاريخ الذي غالباً ما لا ينتبه اليه أحد .
" أكره المكان الضيق والصمت و الظلمة .. ضعوني على رأس شجرة سمر .. لأرى الشمس والمطر وأسمعكم " . . . . " للرمل طباع كالبشر ، أقربه من مساكنهم يستمسك بموضعه ، قلبه يابس ووجهه مراغة تذروها الرياح كي لا تنسى طبع الحركة ، يبتعد عن منازلهم فتيخدد وجهه بالحصى ، وعلى ما يظهره من صلابه يخاتله نبت الصحراء فيتفتق في مسامه الحرمل والعشر ، وفِي العشاب ال��ي يشقها السيل تنهض أشجار السلم أو السمر فيسحق توالي الماء والجفاف وجهه و تطرقه أخفاف الإبل ، ينفرش وتسيل من جنبه الرمال جزوعاً قبابية لا يعمر فيها الا الثمام ، فإذا غدا وحده في الأرض تكبّر بعضه على بعض " ، ، ، بأسلوب رشيق و شيق تأخذك أمل الفاران الى واحة العقيق الى النخيل و الماء و قسوة الصحراء حيث تجتمع قبائل ال هذال و ال فواز و ال بنيان ،، تعاهدوا تحت الشجرة " مريفة " في الصباح و أغاروا على بعضهم في المساء ،، رواية مدهشة و أحداث مُلفتة تجعل من قارئ الرواية يعيش الشخصيات كأنه يشاهد عمل سينمائي و يسترجع روايات الراحل عبدالرحمن منيف .
أقيس مستوى انبهاري برواية ما بمدى تعلقي بشخوصها وتعامل مخيلتي معهم وكأنهم أشخاص حقيقيين أعرفهم في الواقع، مع هذه الرواية وحسب هذا المقياس أظنني انبهرت بالرواية وأبطالها كلهم كما لم أفعل من قبل! الرواية متكاملة من جميع النواحي وعلى كافة المستويات: لغة متمكنة، حبكة محكمة، واسلوب سرد لا يُمل
الحب، الحرب، الشجاعة، الك��م، الشهامة والنخوة، الحزن، الفقد، الفقر، الثأر، الفرح، الرقص،الجوع، الرمال، النخيل، السيل، الجراد، الجن، اليأس، الأمل، الغيرة بين الرجال الذين لا لغة لهم سوى لغة الحرب، ودسائس النساء قليلات الحيلة كثيرات المكر، كلها مواضيع تناولتها الرواية بأسلوب شيق وطريقة بديعة قل مثيلها في هذا النوع من الحكايات
حقيقة منذ زمن بعيد لم أقرأ رواية سعودية بهذه الروعة وهذا التمكن، شكراً لأمل الفاران لانها أعادت لي الثقة بالأدب المحلي، الثقة التي ظننتها ذهبت بعد مدن الملح وشرق الوادي
أجمل مافي غواصو الأحقاف وأكثر ماشدني لها وأبهرني بها هي أنها قصص من الصحراء شوهدت بعيون امرأة ورويت على لسانها
This entire review has been hidden because of spoilers.
الرواية الناجحة هي الرواية التي تمتعك وتشعر بحزن شفاف وأنت تنهي صفحاتها. الرواية الناجحةهي التي تجعلك قريبا من شخصياتها بكلنزواتهم ، أحزانهم ، أفراحهم ، خيرهم ، شرهم. تشعر بك تعرفهم أو لعلك تشعر بأنك معهم. ترتسم الأماكن في مخيلتك ، تبدو وأنت تقرأ وكأنما أنت تشاهدهم يتحركون أمامك. لكل هذا فرواية غواصو الأحقاف لأمل الفاران رواية ناجحة وممتعة وقريبة . نجحت أمل الفاران في خلق عوالم الرواية وحشد الصراع الانساني الأزلي في ا
هذة الرواية نقلة كبيرة للكاتبة أمل الفاران مقارنة بأعمالها السابقة (للأفضل). الرواية في بيئة صحراوية بدوية (بالتحديد الجزيرة العربية) . اعجبني كثيرا سرد عوالم القبائل الصحراوية وتوظيف الكثير من المفردات والعادات بطريقة جيدة وايضا مزج الغرائبية المكانية للصحراء بالاحداث التاريخية المعروفة - في اعتقادي ان ذلك أعطى القصة بعدا جميلا وأطر الفضاء الزمني. في المقابل استنفدت الكاتبة جهدا كبيرا في أول الرواية لبناء عالم الأحداث وهذا استنفد جهدا من القارئ حتى يدخل في احداث الرواية. تمنيت لو تم بناء عالم القصة والاحداث بشكل متوازي. أسلوب السرد ثقيل وربما القصد ان تكون لغة السرد موحية بالمكان والزمان أو لغة خاصة بالرواية ولكنها كانت في مواضع عديدة ثقيلة ولاتبدو صحيحة الى درجة اضرت بسلاسة السرد -في رأيي-الصحراء حادة وقاسية ولكنها صافية وبسيطة في معطياتها. التراكيب المستخدمة كانت مترهلة في مواضع- في حالتي-احتجت للوصول لصفحة ٩٣ حتى اندمج في النص!! كثير من الشخصيات بدت نمطية أو غير طبيعية من حيث الطباع والدوافع والاسباب وحتى في خصال الخير والشر. هناك شخصيات لم افهم دوافعها وأخرى لم تكن مقنعة مثل ابن الشيخ الثاني/علوش/نفلى/زوجة الاب...حتى انقلابات الشخصيات بدت غير مكتملة. اعجبني ان الكاتبة استثمرت في حروب القبائل المتناحرة الصغيرة ولكن بدا انها ولجت نطاق الحرب ووصفها ثم تراجعت. النزاعات القبلية بين أبناء العم/العشيرة اضفت توترا وتجاذبا في العلاقات الانسانية بين الابطال ولكن قصرت عن توضيح الجوانب الاخرى في العلاقات مثل الغيرة بين الاختين، تمرد المرأة المعتدة (نفلى) بدا موقفها الاخير من زوجها مثل "متمرد بلا قضية"! اجمل شخصيتين تطورتا ووضحتا -في نظري- كانتا شافي و امرأة جابر الطفلة التي أدخلها عالم الانوثة والزواج لبوابة الحزن. شخصية البطل علوش نقصها اكتمال تطورها. اما البطلة نفلى فكانت أيقونة فقط ثم اكتشفت انها لاتحتاج لأن تكون ذلك. بقيت نقطة العنوان "غواصو الأحقاف"، فباستثناء عرض ان بعض ابناء الواحة كانوا يذهبون في مواسم اللؤلؤ للعمل في البحرين للرزق وان ذلك يفرض الهدنة على الواحة، لا اجد دلالة الاسم او استغلاله في الاحداث كافيا. الرواية كفكرة وأسلوب جيدة جدا. النجمة الاضافية في التقييم هي تقدير للكاتبة التي كان يجدر ان يكون هذا عملها الأول وسأنتظر العمل القادم ان شاءلله.
كتبت مراجعة وطارت قبل إرسالها وسأحاول الإعادة النص مدهش، أذهلني وتعلقت به، تذكرت دهشة القراءات الأولى في الصغر وهذا نادراً مايحدث بمرور الأيام، لكن نص الفاران أعاده. الرواية في بدايتها بطيئة ومعظمها أوصاف ثم تتسارع وتبدأ الأحداث، الشخصيات مرسومة بشكل جيد ماعدا بعض التحولات مثل تعامل عموش مع زوجته ونفورها منه، لم أفهم التحول، وكذلك تحولات شخصية شافي الغريبة من إلى، وطلب فيحان لبنت راشد الشجاعة وهو سيء الخلق، هل كان يبحث عن الصيت؟ مع ذلك الرواية جميلة ورائعة لا يقلل ذلك منها، وصف تعطير النساء للشعر، ولا أعرف هل الطريقة موجودة أو اندثرت، كذلك طريقة صناعة العطور، وإضافة الصدف لها، وطبخ الطعام، واستغربت رغيف الحلم، شعرت بأنه مقتبس من بيئة أخرى أو أسطورة ما لكن أظن كل شيء جائز. العلاقات بين القرى وأهلها وانقساماتهم، الحسد والشر، والشهامة والنبل أيضاً، علاقات النساء بالرجال فيها سعة وأريحية تصل للرقص المشترك مع الرجال غير المحارم لا تتوافق مع السائد الذي سمعنا عنه، ربما لأن موقع الواحة جنوب نجد والفلاحين فيها يجمعون بين البداوة والتحضر بعملهم في الفلاحة والغوص والتجارة بعيداً عن بقية المناطق في نجد، لا أعرف حقيقة، وهي نقطة تحتاج لبحث وسؤال، المرأة في الرواية مرسومة بشكل جيد جداً وواقعية إلى حد كبير، تختلف عن النماذج السوداوية والضحية المتخيلة التي تسود في كتابات الأدب السعودي الضعيف إلا من رحم الله، الأبيات الشعرية جميلة وكذلك بعض الأمثلة، مثل زرع الظلال، وبعضها لأول مرة أقرأه.
أنهيت قراءة رواية ( غواصو الأحقاف ) و لا أخفي عليك أنني إندمجت مع سيل الأحداث و الشخصيات التي قمتِ بخلقها من ذرات رمل الصحراء و نفختِ فيها الروح لتحيى و تنمو بتناغم تام مع كل سطر و بعد كل صفحة أعجبني كثيراً دقتك في الوصف رغم عدم إسهابك فيه و لا زالت بعض الأوصاف تجول في مخيلتي و كأنني عشت أحداث الرواية مع شخصياتها نوعت في تشكيل الظروف و الطباع رغم وحدة المكان و الزمن لتدفعي بنا لمقارنة تختل كفتيها رغم تساوي أوزانها أذهلني كمال بعض الشخصيات التي عجزت عن رسم ملامح لها و صدمت كذلك بكمية الأغلال التي تحاصر أرواح أخرى إجتزت الصفحات الأولى إلى ما قبل الأخيرة و أنا أتظلل "بمريفة" حتى باغتني "قشاش" عند النهاية التي بترت كل توقعاتي دفعة واحدة .
هذه الرواية أستقرت بلقبي رسميًا، ومن الصفحات الأولى التي قرأتها أحسست اني سأحبها وصدق إحساسي. وأشعر الآن تجاهها بالإنتماء والألفة.
كنت متأكدة دائمًا إن الصحراء غنية وغزيرة بالحكايات وتحتاج لقلم بديع ينقل هذه الحكايات وقلم أمل فعل.
الغلاف، والعنوان، ولغة السرد والمزج الرهيب بين الفصيح والعامي، وتفاصيل المكان جعلتني أحب هذا العمل. حكاية لحياة أهل الصحراء، مليئة بتفاصيل عذبة وشاعرية. وأنا أقرأ لازمني شعور إن السطور عبارة عن مشاهد مصورة أمامي.
ولوهلة وأنا أقرأ تذكرت قصائد محمد الثبيتي.
رواية رائعة وطوال الوقت كنت أكتب وأمسح، وما أعرف إذا فيه عبارات بمخي بعيدة عن التكرار وتوصل إحساسي تجاهها.
رواية وجدت صعوبة في الاندماج مع أحداثها خصوصًا في الثلث الأول منها، وكنت حتى آخرها تقريبًا أسأل نفسي كلما مر بي اسم شخصية من شخصياتها ولو بعد المرة الخمسين من ذِكرها : "هل هي من الهذاليين أو البنيانيين أو الفوازيين؟"، إضافة إلى ركاكة في اللغة كقول: "أعمدة موجته" (ص٢٠٨) و كذلك: "نفلا جثم على صدرها شوقٌ لعموش" (ص٢٣٩) حيث أن كلمة "شوق" لا تتناسب مع الأحداث التي تلت هذه الجملة.
ظننت اني لن أكملها فالسرد ثقيل جدا -خاصة في الثلث الاول - و فقد سلاسته مع استعمال كلمات صعبة خاصة بالخليجيين و تشابه أسماء الشخصيات " نفلا - بتلا- خفرة- فرجة " و انتماءاتهم القبلية فكنت اعيد قراءة الكثير من الفقرات اكثر من مرة لاستيعابها
ملخص تسرد الرواية أحداث السلم والحرب بين آل فواز وآل هذّال و آل بنيان. تدور الأحداث تحت ظلال الأشجار المعمرة، وتدور الصراعات على أبار الماء، وتُخبأ الأسرار خلف أبواب القصور، وتنتقل الماشطات بين البيوت يدهن شعور النساء بالزيت ويملئن أذانهن بالأخبار. يخطب الشباب ود نفلا الفتاة الجميلة، وهي تلجأ لصديقتها بتلا لتساعدها على الاختيار، تنصحها بتلا بتجربة طريقة قديمة لمعرفة زوجها المستقبلي، تأكل الفتاتان خبزا مالحا ولا تشربان الماء، ثم تقفان على الطريق وتنتظرا مرور شاب وسيم، وبعد مرورة ترميان ما تبقي من الخبز خلفه، ثم تنامان، في تلك الليلة تحلم كل واحدة منهما أنها تشرب من بئر، ويدل موقع البئر على قبيلة زوجها المستقبلي. تحمل الأحلام مفاجآت. ويمتحن القدر الفتاتين. بالمقابل يتنافس الشباب لتحقيق طموحاتهم، تشتد المنافسة بين الأخوان غير الشقيقان عموش وفيحان (يتجاوران فتعقد أذهان الفوازين مقارنات بين الشابين، عموش الرجل الذي كل ما فيه دقيق حاد، عيونه، أنفه، أسنانه، شاربه المهذب وأصابعه، وربع ابتسامته المسحوبة لشقه الأيمن تطبع فيمن يراه ذكرى لا يمكن نسيانها، وفيحان الذي يلقبونه (الجبعة) لقصر قامته بعيونه الجاحظة وجبهته الناتئة وذقنه الحاد. علاقة الأخوين اجتازت أزمات طيشها، لكن مجيئهما من رحمين مختلفين مأزق سيمتحن أخوتهما دائما، اليوم وعموش عائد من سفر سيكونان أخوين من ظهر رجل واحد). يمتحن القدر أخوة الأخوين. تتشابك مصائر الشخصيات وتتضارب المصالح.
خلاصة غالباً يستطيع البشر أن يتوقعوا عواقب تصرفاتهم ومع ذلك لا يتوقفون عن ارتكاب الأخطاء ولا يترددون في تكرار أخطاءهم.
رواية جميلة جدًا تحكي الحب والحرب في صحراء الجزيرة العربية. تميزت بمتانة الحبكة القصصية، جمال السرد الوصفي الدقيق، وقوة اللغة . فيها زخم كبير من الألفاظ البديعة سواء الفصحى منها أو العامية. فقد أبدعت أمل الفاران بمزج اللهجتين دون أن تشوه إحداهما الأخرى. فكانت الحوارات تنتقل بين هاتين اللهجتين بسلاسة. أعجبي في الرواية الظرف الزماني والمكاني غير المستهلك في الروايات. فقليل ماهي الروايات الجيدة التي تتناول حكايات قبائل الجزيرة العربية وتصور ماكانوا عليه من عادات وتقاليد. فيها كثير من الاقتباسات العميقة، وهي من الكتب كما أحب أن أسميها تتلبسك حتى تصل بك إلى اسقاط الشخصيات وملامحها على من تراه من حولك.