أشبعته ارتحالاته الفكرية والعملية عبقاً فأصبح قلمه ينثر لنا رذاذها ، جميلة كل زوايا هذا الكتاب الذي لايمل ، وعندما تقرأ لحسن مدن تأكد انك سوف تقرأ للمكان والزمان ، للجمال ورعة التعبير. في مقالاته الشجية خوض تشعبات الحياة وسير الأدباء وحكايا المدن وقصص الموسيقى فأنت في كتاب يجمع كل الاشياء لبيهرك...رائع
رائع هو الدكتور حسن ورائعة هي قصصه الثقافية ، مقالات متعددة مواضيعها شتى وجامعها هو شخصية الدكتور مدن، شخص مرهف الاحساس يتأمل في الحياة بمنطق المثقفين، وبتجربته الطويلة التي شهد بها افول زمان الثقافة الماضي فعاد يحكيه بكثير من الشوق، للاستاذ مدن طقوسه في الاحساس بالمدن والامكنة والذكريات والقهوة والطعام وكرة القدم والمرض وغيرها من مفردات الحياة التي يخبرها كل الناس ولكن لا احد يجعلها اسطورة فيها روح عميقة سوى اولئك الوالهين مرهفي الاحساس امثال الكاتب
الكتاب شيق و المقالات رائعة ومميزة، فعلا الكاتب لديه الكثير ليقوله لكل القراء العرب، وان كان هناك نمطية في التفكير الثقافي التقدمي كما يطرحه الدكتور تجعلك تسأم قليلا ، فحينما ينظر الدكتور حسن مدن باكبار شديد الى شخصيات ثقافية متنوعة مثل نجيب محفوظ او ام كلثوم وغيرهم الكثير نظرة اشبه بالتقديس فما ان يطرح موضوع عن الدعابة والضحك الا و يبحث كيف كان نجيب محفوظ صاحب نكتة او غيره من شخصيات ثقافية، وهذا الامر يذكرني بنفس المنهجية الدينية الصحيحة والمبررة التي تبحث في كل موضوع عما قاله القرآن الكريم و الرسول الاعظم (ص)، وهي منهجية صحيحة لانها تستد الى المقدس، فلماذا يتعامل الدكتور مدن مع ابطال جيله والرموز الثقافية بنفس الطريقة؟ ان الانسان يحتاج الى من ينتمي اليه ومن يضعه مثالا يحتذى، ويمكننا ان نتفهم لماذا يتعامل الدكتور بهذه الطريقة مع من ألفهم في حياته وعاش في افكارهم وثقافتهم طوال عقود ماضية، ولكن من الافضل في نظري ان نكون تقدميين في هذا الموضوع ايضا ، فلا نحمل نجيب محفوظ او غيره ما لا يتحملونه من نظرة اقتداء وانغماس، خصوصا ونحن نرى انه لا اثر لهم في حاضر الناس.
وكلما يتكلم الدكتور مدن في كتابه اكثر يأخذني الاعجاب بما يقوله، ولكن من جهة اخرى هذه الاطروحات نخبوية وبعيدة عن الشارع، عالقة في جبال شاهقة لا يزورها الا افراد قلائل، فليت شعري هل اسكن في جبل الثقافة البعيد عن العالم .. ام اسكن في دنيا الناس بعيدا عن الثقافة؟
كثيرة هي الكتب التي تمكث بين أصابعنا مطولاً ونقرؤها بعناية، غير أن قليلاً منها ما يضيف لدينا أفكاراً ورؤى جديدة كانت محجوبة أو غائبة عنا. . . في هذا الكتاب اللذيذ حزمة مقالات متنوعة تطرق أبواباً جديدة في الوعي، وتحمل فلسفة عميقة بعيدة عن النمطية البلهاء. مقالات تضيف إلى تشكيلك الجوانيّ رؤى فريدة نحو الحياة.
الجميل في الأمر إنه بالإضافة لبعد هذا الكتاب عن المكرس المتكرر، فهو يعيد لأدب المقالة رونقها في سعي محبب ومشوّق للاكتشاف والإطلاع عبر مختارات دقيقة تشير تارة إلى عنوان فيلم أو رواية وديوان شعري وتارة أخرى إلى أغنية أو مسرحية ومقطوعة موسيقية.
يضم الكتاب 51 مقالة؛ 30 منها في قسم الأهواء، و21 في قسم الحواس. ليجسد موسوعة قيّمة مصغرة لا تفيها قراءة عابرة.
الكتاب عبارة عن مجموعة مقالات منوعة تدور حول كنه العيش في الكتب، وتأملات في الحياة والفكر والثقافة،، وأخرى.
محورها يتخطى المجال النقدي من الحسي إلى النظري إلى المجرد . ما يميز الدكتور حسن مدن بأنه قارئ موسوعي وكتاباته كانت "بين الإدراك السريع العفوي وبين المعرفة البطيئة المنطقية."
كان الكتاب في مكتبتي لفترة من الوقت، وحين قررت قراءته في وقت ما، كان هو الوقت المناسب و المثالي بالنسبة لي. أجاب الكتاب على الكثير من الأسئلة المختنقة في داخلي، أجاب عليها حسن مدن بكل أريحية وهدوء. هل كان ذلك نوعاً من التواصل الروحي؟ لا أعلم ولكن شكراً جميلاً حسن مدن.
"ولو تأملنا في عدد الأحلام المؤجلة والمرتجاة في حياتنا لوجدناها كثيرة ولوجدنا انها تطال تفاصيل كثيرة تخصنا ولو تأملنا أكثر لوجدنا أن غالبية هذهِ الأحلام مؤجل، ويأتي هذا التأجيل في الغالب من أننا لسنا وحدنا من يقرر تحقيق المرتجى من هذهِ الأحلام، وهذا المرتجى على ما يبدو، تلك الشواغل التي يضج بها الذهن لحظة انفرادنا بأنفسنا، في اللحظة التي نأوي بها إلى أسرتنا لننام أو في اللحظة التي يتعين علينا فيها مواجهة الذات بكل ما تطرحه هذه المواجهة من أسئلة وتداعيات. من أين تأتي فكرة التأجيل هذهِ؟ إنها على الأرجح تأتي من وعينا بتلك المسافة الشاسعة التي تفصل بين الرغبات الأحلام وبين الممكن المتاح، لذا يسكننا ذلك الشعور الغامض، بأن العين لا تقر برؤية ما ومن تُحب أو تهوى ساعة تشاء أو حين تكون أعمق الرغبات مكبلة وعصية على التحقيق، كأن كل نجاحاتنا الصغيرة والكبيرة في الحياة مازالت أعجز من أن تجلب لنا السعادة المشتهاة، ونبدو عاجزين عن التصالح مع أشياء كثيرة في حياتنا، فالسعادة تأتي فقط حين يتصالح المرء مع ذاته ولكن دون هذهِ المصالحة، ثمة عوائق وحواجز وصعاب، ويمكن لما حولنا أن ينقسم إلى معلوم ومجهول. المعلوم حتى وان كان غير مريح يبعث على درجة من الطمأنينة لأننا اعتدنا التعامل معه بطريقة أو بأخرى لكن المجهول حتى وإن كان من المؤمل أن يكون حلوًا، يبعث الخوف والترقب والقلق. "قد يكون الغيب حلوًا، إنما الحاضر أحلى". . للأشياء أوانها من أجمل كتب المقالات (متنوعة) التي قرأتها هذا العام، استمعت إلى الكتاب مرتين عبر ستوري تيل وكتبت أكثر من عشرين اقتباس طويل منه، وأظن أن قراءتي الثالثة ستكون ورقية مع باقي أعمال الأستاذ المبدع حسن مدن وقلمه البديع. . "الحق أن الشواغل التي تشتعل في الذهن هي أشد وطأة وإلحاحًا من تلك التي ينوء بها الجسد، لأن استغراقك في نومٍ عميق قد يعوض لجسمك ما كان قد فقده من طاقة أو ما يعاني منه من إرهاق، ولكن شواغل الذهن ليست من النوع الذي يتبدد بسرعة أو يتلاشى، أنها سريعة في التسرب إلى الذهن واستيطانه وشديدة البطء في مغادرته".
"ذلك الأمر الذي يحدث في حياتنا ربما مرة واحدة فيغيرها ويقلب عاليها سافلها، نعم ثمة حدث في حياة كل فرد في هذهِ الحياة، حدث بعينه تتجمع في بؤرته كل التفاصيل والحيثيات والانفعالات والميول الأنسانية المختلفة، فيتنج عنه ما يشبه الانعطافة في حياتنا، ما يشبه الأنقلاب. فحيث لا تعود الأمور بعده إلى ما كانت عليه ويبدو الأمر كما لو أن حياة جديدة قد نشأت عندنا، وفي الغالب، فأن هذا الحدث لا ينتج عن انتقالنا من مكان إلى مكان أو من عملٍ إلى عمل آخر أو من اكتسابنا مهارة وظيفية جديدة لم نكن نعرفها..."
"الفاصل الزمني اليسير بين عامين، وهو فاصل من الزمن لا يكاد يدرك أو يحس لفرط قصره يكثف في نفوسنا المشاعر الحائرة بين الحزن والفرح، بين السعادة والاسى، بين القنوط والامل، لكننا حتى في أقصى حالات القنوط التي يمكن أن تنتابنا لهذا السبب أو ذاك، نكون قد عقدنا العزم في أعماق ذواتنا ألّانرضخ لهذا القنوط، أننا نضمر النية حتى لو لم نعلنها، على أن نبقي أشرعة الأمل منشورة، وشبابيك الرجاء مفتوحة على أفق أخضر ندي. من النادر أن تسعفنا الحياة بلحظات للتأمل والتبصر في أنفسنا، فيما نريد وما لا نريد، في الذي أنجز من طموحاتنا والذي لم ينجز، بل ربما تعين علينا أحيانا أن نصدم أنفسنا بالسؤال القاسي والصعب: من نحن؟ وماذا نريد؟".
"ما من تجربة شعورية تتكرر على الصورة نفسها وما من تصوير لتجربة شعورية يمسك بحقيقة في كليتها ولا في حركتها الدائبة، الباعث على الفضول في الأمر هو كيف ننظر من شرفة عمرية تالية إلى مرحلة عمرية سابقة..."
"أن الأنسان لن يستشعر أبدًا برد الشيخوخة ولا الأحساس بانعدام الوزن، ما ظل يناطح، يقبل تحديًا ويتجاوزه، يتبين منتشيًا ومحتضنًا للذات المزيد من القدرة على المناطحة على المعرفة وعلى التوصل لهدف. لا يشيخ الانسان طالما ظل عقله يضفي على وجوده المعنى، يغنيه بهذا الوهج المتواصل، الذي لا يشتعل فجأة ويخمد، الذي يدفئ ولا يحرق، هذا الوهج الأزرق الهادئ هدوء اليقين المدهش أن الذاكرة تفعل فعلا محيرا في نفوسنا فهي في الحالين تبعث في النفس ما يحمل على شيء من الشجن والحزن يمكن ان يكون تارة في غاية القسوة وتارة اخرى يدخل في عداد ذلك الذي يروق لنا وصفه بالحزن الهادئ." - لطفية الزيّات - الشيخوخة.
"لعل أجواء الاحتفالات بانقضاء سنة ومجيئ أخرى هي ما يخلق لدينا هذا الشعور بالبهجة الطاغية التي لا تفلح في إزالة ذلك الشعور بالحزن الهادئ في نفوسنا. ليكن الأمر وهمًا؛ بوسعنا أن نخلق من الوهم فرحًا، لأننا نريد ذلك ونشتهيه، لأننا نريد أن نجعل من العام الجديد عامًا للفرح، ونهفو إلى ذلك ونسعى صادقين وراءه كأننا مأخوذون بالرغبة بأن ننجز في العام التالي ما لم نستطع إنجازه في العام الذي انقضى أو في الأعوام التي انقضت. لذا تبدو حال الشجن التي تنتابنا في تلك اللحظة شيئًا من تطهر النفس من أعباءها ومتاعبها؛ فالفاصل الزمني اليسير بين عامين وهو فاصل من الزمن لا يكاد يدرك أو يُحسّ لفرط قصرِه، يُكثف في نفوسنا المشاعر الحائرة المشتبكة بين الحزن والفرح، بين السعادة والأسى، بين القنوط والأمل. لكننا حتى في أقسى لحظات القنوط التي قد تنتابنا لهذا السبب أو ذاك، نكون قد عقدنا العزم في أعماق ذواتنا ألّا نرضخ لهذا القنوط، أننا نضمر النيّة حتى لو لم نعلنها، على أن نبقي أشرعة الأمل منشورة وشبابيك الرجاء مفتوحة على أفق أخضر ندي. من النادر أن تسعفنا الحياة بلحظات من التأمل والتبصر في أنفسنا، فيما نريد وما لا نريد، في الذي أُنجز من طموحاتنا والتي لم يُنجز، بل ربما تعين علينا أحيانًا أن نصدم أنفسنا بالسؤال القاسي والصعب: مَنْ نحن؟ وماذا نُريد؟ ويبدو أن لحظة توديع عام واستقبال عامٍ جديد هي من تلك اللحظات النادرة التي بوسعنا أن نفاجئ أنفسنا بأسئلة مثل هذهِ، أن نشعر بالشجن، فذلك أمرٌ عظيم؛ أنه دليل يقظة الروح وعدم موات الأحاسيس في نفوسنا، ربما لأن الشجن هو بحد ذاته أمارة من أمارات الفرح والبهجة الخفية أو الرغبة فيهما، أمارة أننا نحب الحياة ما استطعنا إليها سبيلا، وأن جذوة الكفاح في دواخلنا ما زالت حية قوية تمنحنا الحماية من اليأس ومن الاستسلام لواقع لا نرضاه ولا يحقق لنا ما هيأته لنا فطرتنا لأن نكونه وأن نقوله. هل نحن في الأربعين أوالخمسين غير ما كنا عليه في العشرين؟ تتفاوت الإجابة على هذا السؤال تبعا للزاوية التي سيتم من خلالها النظر إلى هذا الموضوع".
"ذاكرة كل أنسان تتسق وشخصيته أو ميوله كأن آلية الذاكرة هنا آلية انتقائية رغم ذلك ليس واضحًا تمامًا كيف تستعاد الذكرى. يقال أحيان أن هناك محفزات خارجية تصادف المرء فتوقظ لديه ما يتصل بها من ذكرى نظن أنها غاصت بين طبقات الذاكرة ولم تعد تُلحُّ على الخاطر، ومن المحفزات الخارجية للذكرى أن تمر على مكان ارتبطت به يومًا أو تسمع أغنية أو تشم رائحة.. إلى آخره ولكن بواعث الإيقاظ ليست خارجية فقط فالذاكرة ماكرة، وقد تحرض عليها عوامل غامضة وليس صحيحا دائمًا بأن الزمن كفيل بجلب النسيان، فالزمن مخاتلٌ هو الآخر ومليئ بالمفاجآة ويبدو صحيحًا أن الأنسان كثيرًا ما يلجأ للذكرى تعويضًا عمّا هو مفتقد في الواقع، صحيح أن التعويض هنا شديد الرمزية ولكنه شديد الفعالية كذلك ولو في بعض اللحظات".
"ما الذي يذكره المرء وما الذي ينساه في أول رسالة أو آخر خطاب، الخط المزوق والكتابة المتأنية، لون الورق وشفافيته، النسخ وإعادة النسخ، التمزيق وتكراره، التأنق في الكلمة، تواثب القلب عند البدء والختام، ارتعاشة الأنامل، التعلق اللذيذ بانتظار الجواب".
"الرسائل الشخصية لا تُقرأ من عنوانها كما يُقرأ الكتاب ولا من آخر سطورها كما تُقرأ الصحيفة. تلك الرسائل سرّها في النقطة وعلامة التعجب وإشارة الاستفهام والمحو والحك والشطب والإيحاء واختلاجة الحروف عند التوقيع. بلاغة الرسائل الشخصية متأتية ممّا هو مكتوب بين السطور. الرسائل وعاء للتدفق الوجداني".
"هل يموت الحب؟ أم أنه ينام؟ وإذا نام، فهل نومه خفيف؟ أين يذهب الحب بعد أن يموت؟ هل يستقر في ذاكرة قصية أم يتلاشى ويتبدد كرمادٍ تذروه الرياح فلا يعود له مُستقر، هل يبقى مجرد ذكرى غائرة في النفس أم أنه كائن حي شعر بالتعب فذهب إلى النوم؟ هل لقصص الحب معراج واحد نقطعه منذ البداية حتى النهاية، منذ لحظة الرعشة الأولى للقلب، لحظة الخفقان الأول، صعودًا إلى التألق قبل النزول العكسي إلى وديان التكرار والرتابة والمألوف، وإذا لم يُشحن هذا الحب بطاقة التجدد لحمايته من التآكل والتبدد والضياع".
"لا يوجد طريقٌ مختصر إلى أي مكان يستحق عناء الذهاب إليه".
" إن اللبس المحيط بالعلاقة بين الصبر والانتظار يحيل إلى حقيقة أن الانتظار يعني الأمل والرّجاء. في الانتظار شيء من اللّهفة والشّوق أو الحرقة، أما الصّبر ففيه شيء من السّكون، والتآلف مع حقيقة أن الأمل مؤجل "
الكتاب شيق يأخذك في جوله في الأفكار والمشاعر والأحاسيس بقلم رشيق وأسلوب سلس جذاب. في كل مقاله يدعوك الكاتب الى التفكر والتأمل في كل نواحي الحياه وخاصة مكنونات الانسان وعالمه الداخلي. يعرفك الكاتب بشكل تلقائي الى الكتب والروايات والأفلام واسماء مفكرين ومسرحيين .. ألخ فتجد نفسك تدون تلك الاسماء والعناوين لقراآتك القادمه.
حسن مدن، وهو كاتب بحريني إكتشفته بالصدفه .. وما أحلاها من صدفة، إذ مررت مرة على الدار الناشرة في أحد معارض الكتب فطاب لي الحديث مع صاحب الدار الذي عرض علي كتاباً لحسن مدن سابق وهو "الكتابة بحبر أسود" فأستحييت أن أرده واشتريته خجلاً من صاحب الدار الخليجي وظل الكتاب بين الرفوف مؤجلاً إلى أن دعاني الفضول/الملل للإطلاع عليه فأصبح هذا الكاتب من أحب الكتاب إليّ . .
وهو كاتب عجيب مُبْهر حقيقةً، من زمرة الكتاب الذين إن دخلت عوالمهم فأنت لن تخرج منها بسهوله، وإن فعلت فإنك لن تخرج منها إلا وأنت حيٌ أكثر مما كنت عليه بالسابق وجميلٌ أكثر وغنيٌّ أكثر .. يحرّك ما سكن فيك .. فإن ظهرت شوائب ذلك الخليط الساكن الذي تحرك يأخذ على عاتقه فلترة هذا الخليط وتنقيته لتعود نفسك نقيّةً كالبلّور .. يتكلم عن الحياة كحياة بكل بساطتها وعن النفس كَنَفْس بأصغر تفاصيلها .. عن المُهمل والمغفول والمتروك ، عن تلك العوالم المغمورة فينا بإرادتنا أو بغير إرادة، عن المناطق التي نجهلها ونخافها ونخاف جهلنا إياها .
قسّم مدن كتابه هذا ( للأشياء أوانها ) لقسمين .. الأول بعنوان ( في الأهواء ) والآخر ( في الحواس) . وهو عبارة عن مقالات متنوعة تتكلم عن مواضيع شتى في هذه الحياة .. الحب، الأغاني، الصداقة، الانتظار، الكراكيب، السعادة، الشوارع، المدن، الأكل، الشاي، القهوة، الصحبة، الضحك، المشي .. الخ وهو ينثر معرفته في مقالاته بصورة عبقرية جداً قلّما تجدها في كاتب .. يستشهد مرة بقصة ومرة برواية وأخرى بمقطع من أغنية أو فلم أو مسرحية .. يوظف إطلاعه -الضخم والجميل- هذا بشكل ذكي يشدك ألا تخرج منه فقط بما قال بل بالقوائم التي إستلهم منها أفكاره ويدعوك لمشاركته قرآتها والإطلاع عليها والمعرفة .. مُبْهر بحق .
أقتنيت هذا الكتاب بعد أن قرأت كتاب "الكتابة بحبر أسود" لنفس الكاتب و أعجبني، و أتضح أن هذا الكتاب مختلف في طبيعته عن ذاك، فهو أقرب إلى "التأملات" و "التسجيلات" مقسمة إلى قسمين الأول "في الأهواء" و الثاني "في الحواس"
إذا كانت حياة واحدة لا تكفي لقراءة كل ما ترغب في قراءته، فإن كتاباً كهذا من الممكن أن يشكل لك نوع من العزاء، حيث يأخذك الكاتب بانتقالات سريعة خاطفة و خطافة إلى انعكاسات مختلفة حول كتب كان قد مر بها
و إذا كانت التوق إلى السفر و الترحال و رؤية الدنيا بكلها مكبلٌ بعدة عوامل و ظروف، فإن كتاباً كهذا قد يمنحك عزاء التنقل في خيالك ، حيث يذكر الكاتب تجاربه و تسجيلاته و انعكاساته الشخصية مع الأماكن و المدن المختلفة التي زارها أو قرأ عنها
يتكلم الكاتب مرة في الكتاب عن الإنسان الذي له حساسية مرتفعة و مختلفة في معاينة الواقع المحيط به و طريقة التجاوب معه، و أشعر بأن هذا الكتاب إنعكاس تلك الفكرة شعرت بشيء من التباين في مستوى الطرح ارتفاعاً و انخفاضاً بينما كنت أقرأ الكتاب، لحظاتٌ كثيرة من الأفكار اللامعة و لحظات أخرى يدخل فيها الكتاب ببعض أجزائه نوعاً من الرتابة و الأفكار المكررة و النمطية
الكتاب أقرب إلى مجموعة مقالات، و لو كانت كل مقالة فيه بمستوى أفضل مقالة فيه أو قريبة من ذلك لكنت منحته أربع نجوم ربما
لكنه بشكل عام كتابٌ خفيف لطيف على القلب و الخاطر و العقل 😊
كعادته دكتور حسن مدن يدخلنا في عالمه الراقي ، و يتيح لنا رؤية الأمور من خلال روحٍ شغوفة بما قرأت و تعلمت. هذا الكتاب لا يتردد في مشاركة القارئ ثقافته ، بل و يظن أنه آن الأوان لذلك ، فاللأشياء أوانها كما يقول العنوان !
الكتاب أعطاني رفقة مسلية خلال قيامي بالاعمال اليومية الرتيبة. الكتاب يضم مقالات عن افكار وتأملات في مواضيع تخص النفس الإنسانية والعقل. استعرض الكاتب اطلاعه علي كتابات الآخرين في شتي المواضيع بالشكل الذي طغي علي فكرة الكاتب الشخصية ورأيه وأصبح هو وسيط بيني وبين أراء الآخرين فقط.
حسن مدن ..كاتب رقيق استمتعت بقراءة كتابه "للأشياء أوانها" ومتشوقة جداً للبدء بكتبه الأخرى تمنيت التعرف عليه ككاتب في زمن أبكر بعض الاقتباسات من مقالاته :
-أشعر بحنيني إلى التوبة. -ثمة حدث في حياة كل فرد في هذه الحياة ،حدث بعينه تتجمع في بؤرته كل التفاصيل والحيثيات والانفعالات والميول الإنسانيةالمختلفة،فينتج عنه ما يشبه الانعطافة في حياتنا ،مايشبه الانقلاب ،بحيث. لا تعود الأمور بعده إلى ما كانت عليه، ويبدو الأمر كما لو أن حياة جديدة قد نشأت عندنا. -الثروة ليست ضرورية ،لكن الذكاء لجمعها ضروري. -برواية الأشياء التي لم نحققها يمكن أن نكتب لأنفسنا سيرة موازية لسيرتنا المحققة. -فكروا في أن ترصدوا الرغبات التي لم تحققوها،الآمال التي استحوذت على أذهانكم في لحظات معينة أو مراحل مختلفة من العمر وأخفقتم في بلوغها. -الطريقة الوحيدة لاستمرار الحياة هي الموت. -لحظة توديع عام واستقبال عام جديد من تلك اللحظات النادرة التي بوسعنا أن نفاجئ أنفسنا بأسئلة مثل هذه،أن نشعر بالشجن ،فذلك أمر عظيم،أنه دليل يقظة الروح. -خبرة الإنسان تزداد بوجوده مع الآخرين. -التأجيل سلاح رهيب وانتحاري في نهاية المطاف. -كل مرحلة عمرية لها مذاقها-ولها جمالها الذي يناسبها، وسندهش حينما نكتشف أن المراحل العمرية الأنضج قد تحمل أوجه سعادة غير مسبوقة،لكن ذلك لا يتحقق من تلقاء ذاته وإنما من خلال حرص المرء على تطوير وتنمية ملكاته، ليس المهنية وحدها،وإنما أيضاًملكات تذوق الحياة والاستمتاع بالمباهج المختلف التي تصقل الشخصية وتعمق جوانب الإنسانية وهي مباهج متاحة ولكن هذا لا يعني أن بوسع الكل اكتشفاها وبلوغها. -المعلوم-حتى وإن كان غير مريح-يبعث على درجة من الطمأنينة لأننا اعتدنا التعامل معه بطريقة أو بأخرى. -يجب أن يكون لدينا دائماً ما هو مرتجى ومؤجل. -أن ندرك جدوى ألا نعيش في خواء الذهن والنفس وعطالة الجسم.أن تكون لنا في هذه الحياة قصية وهدف نبيل نكرس جهودنا وطاقاتنا في سبيله مما يجعل لحياتنا مغزى. -لماذا يستوطن هؤلاء الناس نفوسنا ؟ماالذي يجعلهم يكفون عن كونهم عابري سبيل ويتحولون إلى جزء من مسار الحياة أو نسيج الذاكرة. -الحياة بدون مشروع تكف عن أن تكون حياة. -آية الكتاب الجيد أن يكون قادراً على الوصول لقراء من مستويات مختلفة ،بمستويات فهم متفاوتة ولكن شريطة أن تنطوي كتابته على متعة القراءة. -التنهدات لم تكفّ،كل ما في الأمر أنها اتخذت لنفسها شكلاً جديداً يناسب إيقاع العصر الراهن. -ما يوحد الأحبة أو يفرقهم ،يخفى عليهم تماماً ويتخطاهم.ما أن نوجد تفسيراً له حتى يكفّ عن أن يكون حباً.ثمة إشارات أو ذبذبات يصدرها لا شعورياً كل طرف يتلقاها الطرف الآخر بذات اللاشعورية،ماتلبث انعكاساتها أن تظهر في ملامح الوجه. -كل الناس تريد أن تُحَب لا أن تحِب . -نحن لا نقع في الحب،نحن نصعد مع الحب نحلق عالياً إلى أعلى ما يمكن. -للزمن قدرة كبيرة على إخماد المشاعر. -بدون الصداقة ستكون الحياة خطأ. -الصداقة تشكل أعظم خير تزودنا به الحكمة. -تمتحن الصداقة في المحكات،وتعبر عن تجلياتها الحلوة في لحظات الصفاء . -هل نخترع محطات لقطار لا وجود له ؟ -ميلان كونديرا يقول إن من أمارات الحب شدة نفاد الصبر. -حين يغيب من نحب تغيب معه تفاصيله ، نظام الأشياء كلها ينقلب فلا نعود نعرف أين هو الآن. -يقول رجاءالنقاش إن كل الأطباء الكبار للنفس البشرية أن البوصلة الوحيدة هي العمل .إن من الخطأ أن نرسم لأنفسنا خطة ضخمة لأعمال كبيرة،وننتظر أن يتحقق ذلك بصورة مفاجئة ،فإذا لم يتحقق ما كنا نحلم به أصابتنا التعاسة وامتلأت نفوسنا بالكآبة والهم وبذا يكون الخطأ خطأنا نحن وليس خطأ الحياة. -إن الخطة المثلى هي أن أعمل الواجب القريب مني. -هناك مسافات مفروضة عليك ومسافات تكون أسيراً لها دون أن تشعر. -ما الوقت المناسب ؟ وإذا كان مناسباً فبالنسبة لماذا ولمن؟ -الناس ألفت الندم واعتادت التعايش معه. -في حياة كل إنسان لحظة يائسة شاحبة خانقة تتساوى فيها كل الأشياء وتتداخل فيها الألوان فتصبح كلها رمادية .هذه اللحظة البائسة الشاحبة تطول وتمتد فتصبح ليالي من السهد وأياماًمن الرتابةوالملل والضياع . كل الأشياء فيها تصبح عادية ومتشابهة . -نحن من يحدد حال الطريق. -الإنسان بعد انتهاء كل تجربة عميقة من تجارب حياته لا يعود أبداً إلى النقطة التي كان فيها قبل بدء هذا التجربة .ما من تجربة تمر دون أن تترك أثراً أو آثاراً تتراوح في عمقها ومداها تبعاً لأهمية هذه التجربة ومداها .نحن في الحساب الأخير حصيلة تجاربنا وخبراتنا في الحياة. -المدن رائحة. -أخطر ما في الوهم هو اليقين الذي يستحوذ على الشخص الواهم بأن وهمه ممكن دون أن يخضعه للاختبار الموضوعي للأشياء والأحوال.وحيث يعم الجهل تتسع مساحة الأوهام. -الميديا نفسها لم تعد حرة. -مع الوقت نتعود على التفكير مثل الآخرين. -يحتاج الفرد منا إلى مسافة كافية بينه وبين الآخرين ،تحقق له فضاه الخاص الذي يمكنه من وضع كل بداهة موضع المساءلة وإعادة النظر ،عله يكتشف أن ليس كل البدهيات هي بدهيات،والشك ليس أمارة التردد. -موقف الإنسان هو كلمته الفاصلة. -القمع الداخلي للذات يضاهي القمع الخارجي لها. -معرفة الناس للتضاريس النفسية الروحية والوجدانية لأنفسهم وللآخرين هو سر نجاح وديمومة العلاقات البشرية الحميمية وهي معرفة تنشأ ثمرة للتدرب الطويل. -هل يحدث أن تمر أيام لا نضحك فيها ؟ -في الأعياد الصغيرة التي يقيمها الإنسان لنفسه ما يتلاءم مع التوق الفطري والسريرة التي جبلنا عليها في أن نحياوفي أن نجدد حياتنا بما يحررنا من الضجر. -يقول محمود درويش فلا التذكر يدنينا ولا النسيان يقصينا.
4.5/5 المقالات التي تناولها وكتبها مدن حوت مقدارًا عظيمًا يشمل مواضيع عدة حول النفس البشرية، حياتنا، رغباتنا وأنفسنا والأهواء التي تقودونا. جميلةٌ هي تلك الكتب التي ترافقنا، جميع المقالات كانت ذات معلومات ثرية من نواحٍ ثقافية ومعرفية وساهمت في إثراء حصيلتي المعرفية النفسية والسيكولوجية للنفس والإنسان والحياة !
كعادته حسن مدن يأخذك إلى حيث يشاء او لا يشاء من أفكار و طروح في مقالاته التي تسلك بك عوالم من الثقافة المتنوعة بين الأدب و المسرح و الرواية و الافلام و السياسة. اعتدت في نهاية مرحلة طفولتي على قراءة مقالاته في الصفحة الأخيرة من جريدة الخليج، ولشدت ما كانت تدهشني هذه المقالات في كونها موسوعة مصغرة محاكة بمهارة عالية حول فكرتها و عنوانها الرئيسي، أصبحت الثقافة و القراءة جزء من شخصيتي و ولعي في الحياة. كل الشكر لمدن على ما اتحفنا به قلمه و شخصه طوال هذه الفترة. كتاب لابد من قراءته مرات ومرات، قراءة واحدة لن ترويك.