كيف أمكن أن يتحول الدين من عقيدة للأمة جمعاء تجتمع عليها وتشتق من مبادئها أخلاقها ومنظومة قيمها، إلى أيدولوجية سياسية في يد فريق واحد من الأمة، يتوسلها في صراعه مع خصومه على السلطة؟
على هذا السؤال وغيره يجيب الأستاذ عبدالإله بلقزيز في هذا الكتاب من خلال نظرة تاريخية للدين والدولة في التاريخ الاجتماعي العربي الإسلامي
عبدالإله بلقزيز باحث مغربي في الفلسفة وفي شؤون الفكر العربي والفكر السياسي. حاصل على دكتوراه الدولة في الفلسفة من جامعة محمد الخامس في الرباط، المغرب. أستاذ الفلسفة والفكر العربي الإسلامي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء. هو الأمين العام لـ"المنتدى المغربي العربي"، الرباط
Abdelilah Belkeziz
Morocco Writer, Holder of the State’s Doctorate Degree in Philosophy from Mohammad V University in Rabat, Belkeziz is the Secretary General of the Moroccan Arab Forum in Rabat. He has previously worked as head of the Studies Department at the Beirut-based Arab Unity Studies Centre. Belkeziz has published hundreds of articles in Arabic newspapers such as Al-Khaleej, Al-Hayat, Al-Safeer and Al-Nahar. In addition to articles, he has published around 43 monographs.
الدولة والدين كتاب يصوغ فيه عبد الإله بالقزيز رؤيته للتداخل بين الدولة (الحقلين السياسي والاجتماعي) والدين في بعديه العقدي والايماني، وما أفرزه ذاك التداخل من معطيات اوصلتنا الى ما نحن فيه اليوم -في فترة صدور الكتاب في سنة ٢٠١٥- من تشظي ونكوص. يبدأ المؤلف مبحثه بمعاينة البعد التاريخي لطبيعة العلاقة التي تكونت بين الدولة والدين بشكل عام و الدولة والاسلام بشكل خاص وما أفرزته تلك العلاقة من تكوينات ثلاث بحسب رؤيته تنوعت بحسب درجة التداخل والتأثير بين الدولة الثيوقراطية، الدولة السلطانية والدولة العلمانية، والسياقات التاريخية والاجتماعية التي اتت بكل نموذج وما كانت نتيجة ذاك التداخل على السياسة والمجتمع، منتقلا بعدها الى تحليل اسباب ذاك التداخل في سياق العصر المعاش والتاريخي المعاصر، دون أن يغفل الاشارة الى ما يمكن اعتباره من ضمن مجموعة الحلول المتدرجة التي بالإمكان أن تفضي الى تجاوز تلك السلبيات وتقديم التأثير الايجابي للقيم الدينية المقدمة في اطار ديمقراطي تتميز به المجتمعات المدنية، منهيا مبحثه بفصول خاصة لدراسة 《الاسلام الحزبي》 في الدول العربية والاسلامية ، تكوينه، اسباب انتشاره والنتائج المتأتية من سياساته خاتما طرحه بتقديم الحلول لانجاح ادماجه (في اطاره السياسي لا العقدي) في المجتمعات المدنية ضمن اطار الدول الوطنية العربية او الاسلامية، متخذا من النموذج التركي للاحزاب ذات الطابع الاسلامي - بالأخص العدالة والتنمية- ، والاحزاب الديمقراطية المسيحية في مجتمعات اوروبا الغربية- بدرجة أقل- نماذج أمثلة يحتذى بها للخروج من هذه النوازل بمجتمع مدني قابل للتطور والبناء. المؤلف (بفتح اللام) حمل بين طياته الكثير من المضامين التي تحلل قضية (معضلة) علاقة الدولة بالدين خصوصا في الشرق، بموضوعية ارتقت (او كادت) الى الحيادية في التناول المعرفي في دراسة الظاهرة واقتراح الحلول الناجعة ورغم كون هذا الكتاب ليس اول ما قرأته في في موضوع علاقة الدولة والدين الا انه قدم الجديد بين دفتيه وتناول المعاصر -الى سنة صدوره في ٢٠١٥- ولم تته منه القيمة والمضمون الجاد والبناء. قليل مما أخذته على الكتاب والتي قد لا يلام عليه الكاتب كوني قرأته بعد ثلاث سنوات او اكثر من صدوره (٢٠١٨) اي بعد بروز معطيات جديدة على الساحة اليوم لم تدخل ضمن الدراسة او نتائج التحليل، اولها صعود التيارات والأحزاب اليمنية - الدينية والقومية - الشعبوية بنفسها الاقصائي على الساحة السياسية في اوروبا بشكل عام ودول أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص والتي ادت الى وصول مرشحها ترامب الى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية والعديد من البرلمانيين في كل من اوروبا وامريكا وما أفرزه ذلك الوصول من سياسات نكوصية بحق المجتمع المدني والتعديدية واحترام حقوق الافراد في تلك البلدان وان بشكل متفاوت، يتناقض مع النموذج الذي قدمه بالقزيز لتلك المجتمعات كمجتمعات مدنية متسامحة مع التنوع الثقافي والتعددية بشكل غير مسبوق في التاريخ الانساني، وثانيهما هو نزوح حزب العدالة والتنمية التركي متمثلا بشخص أردوغان في السعي الى الاستئثار بالسلطة السياسية واقصاء الخصوم بالالتفاف على الدستور في استحداث مناصب وصلاحيات تمنحه وحزبه سقف نفوذ أعلى بكثير مما يستطيع نموذج المجتمع المدني الديمقراطي التعددي ان يحتمله على المدى المتوسط والطويل مستفيدا من حادثة الانقلاب الفاشل وغطاء الدين السياسي وان كانت التجربة التركية للحزب المذكور يجب تقييمها في اطارها الكلي لا المرحلي الى أن اتجاهها الحالي لا يجعل منها ذلك المثال الناصع الذي توجه الكاتب اليه بالبنان وطالب بالاقتداء به، وأخيرا وليس آخرا اغفاله لأهمية التجربة الديمقراطية المدنية التونسية لتداول السلطة بين الاحزاب العلمانية الوطنية والدينية واوجه التشابه بينها وبين مراحل التجربة التركية من نظام علماني متطرف في موقفه من الاديان (التركي والتونسي) الى مجتمع مدني يحتوي الاحزاب السياسية بمختلف خلفياتها -مع فصل كل من المجال السياسي الدنيوي المتاح للجميع والعقدي الايماني الفردي المحفوظة حقوقه- والنهج المدني الديمقراطي للنموذج التركي، والتونسي (بعد الثورة) من تشابه وهي حالة تستحق الدراسة والمعاينة، رغم عدم الاشارة اليها في مضمون الكتاب واقتصار دعوة الكاتب في خاتمته تحديدا التي الى الاقتداء بالنموذجين التركي والأوروبي الغربي في ما يتعلق بممارسة السياسة في شكلها الحزبي المستوحي من القيم الدينية ان صح التعبير دون التطرق الى الجوانب السلبية لكلا النموذجين ليتم تجنبها ويكون الاقتداء بالايجابي فقط. نهاية، الكتاب مجهود يستحق ان يشاد به ومبحث معرفي في علاقة الدولة بالدين من المهم الاطلاع عليه خصوصا في ظل تراكمات الاحداث الحالية في الوطن العربي مما لا يحمد عقباه، اوصي به.
كتاب جميل وينصح بقرائته مع الانتباه ان الدكتوريتبع اسلوب كتابة الجمل الطويلة ويسترسل احيانا. لذلك تحتاج للتركيز عند القراءة. النقطة الأخرى هو أنني لاحظت تكرار بعض الافكار باستمرار