هذا الكتاب يعالج موضوعاً فريداً في بابه وهو تأثير الدولة العثمانية على تطور المذهب الحنفي ، ويعدّ ذلك نشأة ثانية للفقه الإسلامي ، وقد أشار المؤلف " جاي بوراك" إلى الحد الزمني بين النشأتين وهو في رأيه بعد أن بسط العثمانيون سلطانهم على مصر والشام والعراق في القرن العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي ، حيث اختارت الدولة العثمانية المذهب الحنفي مذهباً رسمياً للدولة ، ثم اختير من المذهب أقوال وآراء كانت هي المعتمدة في القضاء والفتيا دون غيرها ، ولم يكن لهذا المختار أن يبرز إلى الوجود لولا نشوء هيئة علمية هرمية سلطانية ، قوامها علماء الدولة – فقهاء الروم- ويرأسها شيخ الإسلام شخصياً .
يعتبر هذا الكتاب ثنائي القسمة : فنصفه الأول ذو طابع تاريخي يدرس إطار الديناميكية بين اتجاه العثمانيين التشريعي والاتجاه العام في البلاد العربية ، والنصف الآخر ذو طابع نظري فقهي يدرس لب هذه الديناميكية في تفاصيلها الفقهية .
يوضح بوراك أن الطريقة التي فهم بها العثمانيون المذهب تخالف الفهم الكلاسيكي قبل ما أسماه " عصر المغول " ؛ إذ زعم السلطان العثماني والأسرة الحاكمة أن لهما حق التدخل في تنظيم المذهب وبنائه ، فمنذ أوائل القرن الخامس عشر ، وخاصة مع غزو إستنبول سنة 1453م ، والأسرة العثمانية الحاكمة تنشيء هيئة هرمية علمية سلطانية وتحديد " مختار فقهي سلطاني " وحدّدت مجموعة من الأصول التفسيرية التي يتعين القول بها ، والتي كان الفقهاء التابعون للأسرة العثمانية يلزمهم الأخذ بها عند استنباط أحكام جديدة .
إذا كان هذا هو الوضع الجديد لحال الفتيا في ظل الدولة العثمانية فكيف كان وضع المفتين ؟ نجد أنه في هذا المجال يعطي جاي بوراك لكتاب " عرف البشام فيمن ولي فتوى دمشق والشام " للفقيه المؤرخ محمد خليل بن على المرادي أهمية كبرى ، ففيه تراجم للمفتين الحنفية بدمشق-المفتين المعينين رسمياً بدمشق- منذ الغزو العثماني للمدينة إلى عصره ، ومن ثم ينقل المؤلف من هذا الكتاب ما يفيد أن المفتين في الفترة المملوكية كان لهما استقلال عن سلطات الدولة ، فلما جاء العثمانيون – سليم الأول- كان تصورهم للإفتاء على النقيض المملوكي ، إذ كان السلطان هو الذي يعين المفتي ، أدى هذا الوضع الجديد إلى مواجهة مباغتة وعنيفة بين هذين التصورين .
وكان هذا الوضع دافعاً للمناوشات العلمية ، فينقل المؤلف رد عبد الغني النابلسي أحد أشهر المفتيين غير الرسميين على رسالة صنفها رجل يدعى الحصكفي ، يفتتح رسالته بمناقشة تتعلق بمن ينبغي اعتباره مفتياً ، فينص صراحة على أنه ليست الفتوى كالقضاء تتخصص بتخصيص السلطان في أحد من الناس مطلقاً ، ويؤسس قوله على إدراكه لوضع المذهب الحنفي في عصره .
يقدم المؤلف ملاحظة دقيقة عن وجود انخفاض في منح الإجازات بالإفتاء والتدريس في فترة ما بعد العثمانيين ، ويعزى ذلك إلى ظهور التعيين الرسمي للمفتين في ولاية دمشق العثمانية – وغالب الدراسة هنا عن ولاية دمشق العثمانية- وهو ما يشي بأن تعيين الدولة للمفتين جعل الإجازة أمراً غير ضروري .
كان لظهور وظيفة مفتي السلطنة الأكبر – شيخ الإسلام- بعداً أساسياً في فهم التصور العثماني لوظيفة المفتي ، فقد أصبحت في منتصف القرن السادس عشر الوظيفة العليا في الهرمية القضائية العثمانية ، ويوضح المؤلف أن المعروف عن وظيفة شيخ الإسلام أوفر كثيراً من المعروف عن تابعيه الإقليميين ، فهو كان يملك سلطة تعيين الفقهاء في مختلف الوظائف داخل الهيئة المتطورة مع سلطة اعتماد الكتب الفقهية .
يرصد الكتاب محاولة مفتو السلطنة تأسيس مرجعية لفتاواهم – فتوى شريفة- وفي هذا الإطار حكم المفتون العثمانيون في فترة مبكرة من العقود الأولى للقرن السادس عشر بتكفير من يزدري فتوى صادرة عن مفتي رسمي ، ورغم أن الكتاب لم يحقق في المعنى المقصود من هذا التكفير إلا أنه نقل قول كمال باشا زاده – مفتى السلطنة الشهير خلال القرن السادس عشر- عندما سُئل عن شخص استخف بفتوى ما أن هذا الشخص عليه أن يجدد إيمانه ، ولكن الكتاب يحدد سياق استخدام هذا الوصف " الارتداد أو الكفر " بالحالات المتضمنة فتاوى لمفتى السلطنة وأتباعه المعينين رسمياً .
ينفى المؤلف أن يكون مفتى السلطنة كان ينسج دائماً فتاواه لتوافق مآرب السلطان وأهواءه ؛ حيث تورد الحوليات المعاصرة خلافات بين أكابر مفتي السلطنة والسلاطين ، كانت الغلبة فيها أحياناً لرأي المفتين ، مثل موقف أسعد أفندي الذي أنكر مطلب السلطان عثمان الثاني بإعدام أصغر أبنائه .
يلقى الكتاب الضوء على الطبقات مستكشفاً بنية بعض طبقات المذهب الحنفي لم تنل نصيبها من الدرس إلى الأن ، وحين صُنفت أوائل كتب الطبقات العثمانية – بحلول العقود الأولى من القرن السادس عشر- كان لهذا الجنس الكتابي تاريخ حافل يمتد لنحو ثمانية قرون ، وفي المراحل المبكرة جاءت رسالة في طبقات المجتهدين لكمال باشا زاده الذي ينتمى إلى الهيئة العلمية العثمانية ، ناهيك عن أن يكون أعظم رجالها ، ثم يلقي المؤلف الضوء على كتاب ثاني من كتب الطبقات وهو كتاب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار لمحمود بن سليمان الكفوي ، ولم يكن الكفوي معنياً بتدوين رواية عامة عن ظهور البلاد العثمانية بوصفها مركزاً حنفياً رئيسياً فحسب ، بل كان يهدف أيضًا إلى توثيق أسانيد محددة تبدأ بأبي حنيفة وتنتهي بفقهاء يتبعون الهيئة العلمية العثمانية .
في النصف الثاني من القرن السادس عشر ظهر جنس كتابي عثماني مميز ، ألا وهو : كتب التراجم المخصصة لكبار فقهاء الهيئة الهرمية العلمية العثمانية , وكان مؤسس هذا الجنس هو أحمدبن مصطفى طاش كبرى زادة صاحب كتاب الشقائق النعمانية ويتألف من تراجم فقهاء كبار ومشايخ صوفية عملوا في البلاد العثمانية ، وحافظوا غالباً على صلاتهم بالأسرة العثمانية الحاكمة .
يرصد الكتاب استجابتين من الأقاليم العربية للدولة لكتابة الطبقات ، أحدهما دمشقي( أحمد بن طولون الصالحي في كتابه الغرف العلية ) والآخر مصري ( تقي الدين التميمي في كتابه الطبقات السنية في تراجم الحنفية )، ألفا في فن الطبقات أيضاً خلال القرن السادس عشر ، وتكشف كتاباتهما عن الاستراتيجيات المختلفة لهما ففي حين أكد ابن طولون استقلال الفقهاء عن السلطان في تنظيم بنية المذهب وضبط أقواله ، سعى التميمي إلى أن يتسنم مكانة في المحيط السلطاني عن طريق تأييد تصور الهيئة العلمية السلطانية للمذهب الحنفي ودور السلطان في تنظيمه وإن كان جزئياً .
كان طبيعياً أن تحدد الدولة الكتب المعتبرة في المذهب ، ففي الغالب كان الفقهاء الذين اتصلوا بالعثمانيين في القرنين الرابع عشر والخامس عشر يرجعون إلى كتب يرونها ثقة معتمدة ، غير أنها مع ذلك لم تكن مختارة بإجراء رسمي ، ويرجح المؤلف أن هذا الاختيار الرسمي بلغ تمامه في منتصف القرن السادس عشر ، كما يدل على ذلك الفرمان الذي أصدره السلطان سليمان القانوني 1556م وهو يعتبر – أي هذا الفرمان- من المصادر القليلة التي تمدنا بقائمة منهجية مكتملة بأسماء الكتب التي رأتها الهيئة العلمية الهرمية كتباً معتبرة .
يؤكد الباحث أن الفتح العثماني في البلاد العربية أوجد مشهداً تشريعياً جديداً ، يُعد جزئياً ثمرة تقديم فهم جديد للإفتاء في الأقاليم العربية ، ومن جهة أخرى لم يُمنع بعض كبار المفتين غير الرسميين في البلاد العربية في القرن السادس عشر ، أو حتى القرن السابع عشر من الإفتاء ، هذا المشهد العام من تعيين الدولة للمفتين يؤكد الباحث على أن الدولة العثمانية في ذلك لم تكن بدعاً فيري أن حكام المشرق في حقبة ما بعد المغول قد سعوا على نحو غير مسبوق إلى ضبط بنية المذهب الفقهي، وإلى تحديد الأراء التي يُطلب إلى فقهاء المذهب الأخذ بها .
هذا الكتاب من الكتب التي تمثل حقاً إضافة للمكتبة العربية ، وقد اطلع المؤلف على مخطوطات عربية لم تنشر، وقد قاما المترجمان دكتور أحمد محمود إبراهيم و الدكتور أسامة شفيع السيد بجهد كبير مشكور جداً ليس فقط بالترجمة الراقية والرائعة ولكن بما أضافاه من تعقيبات وملحوظات في الهوامش قيّمة جداً ، فمثلاً من ملاحظات المترجم الدكتور أسامة أن عنوان الكتاب لم يكن دقيقاً ، لأن المؤلف لم يفرق بين علم الفقه وعلمي القضاء والفتوى ، كما كان يشرح المترجم دكتور أحمد محمود المصطلحات العثمانية في هامش الصفحات بالرجوع إلى المعجم الموسوعي للمصطلحات العثمانية .
.الكتاب يقع في 368 صفحة ومن إصدارات مركز نماء للبحوث والدراسات .
يناقش كتاب "النشأة الثانية للفقه الحنفي" محاولة الدولة العثمانية أنْ تتبنى مذهبًا فقهيًا بعينه في أحكامها وأقضيتها، ورأى المؤلفُ من خلال ذلك أنَّ هذه المحاولة الجديدة على التاريخ الإسلامي ¬-بنجاحها- أدّت إلى نشأة جديدة للفقه الحنفي، أو نشأة فرع وتوجه جديد للفقه الحنفي داخل مدرسة السادة الأحناف. ومن ثم يرى الكاتبُ أنَّ من أحدث النشأة الجديدة للفقه الحنفي أو الفرع الجديد في الفقه الحنفي هي الدولة العثمانية. أسست الدولة العثمانية لهذا التوجه الحنفي الجديد من خلال "الهيئة الهرمية العلمية السلطانية" التي كانت تتشكّل بقرارات من الإدارة الثمانية بدايةً من شيخ الإسلام، مرورًا بالمفتيين في الأقاليم التابعة للدولة العثمانية، ثم الكتبة، وعارضي أسئلة المستفتين. ومن ثمّ نشأ هذا الفرع الجديد عن طريق هؤلاء العلماء والمفتين والقضاة المنتمين إلى المذهب الحنفي، والذين تربوا على النمط التقليدي للمدرسة الحنفية، ثم صدر قرارًا بانخراطهم في مسار الهيئة الهرمية العلمية السلطانية، وأصبحت الهيئة العلمية هي المنوط بها تشكيل المنتمين إليها من حيث الكتب المعتمدة في الفقه الحنفي، ومن حيث الفتاوى المعتبرة، والمختارات الفقهية. وكان لهذه المختارات من الفقه والفتوى والمفتين والعلماء والكتب فرمانًا يصدرُ من السلطان ليحدد ما هي الكتب المنوط بالطلاب دراستها، والمنوط بالمفتين الاعتماد عليها، والمنوط بالهيئة العلمية اعتمادها وتدريسها داخل هذا المسار الجديد في المذهب الحنفي. ناقش أيضًا الكتابُ بطريقة واضحة مسألة وجود مسار وفرع آخر للفقه الحنفي خارج دائرة الهيئة العلمية السلطانية، والتي لم تنخرطْ في مسار العمل الرسمي للإفتاء والقضاء. وكان لهم شخصية فقهية مستقلة تمامًا في آرائهم وأفكارهم واجتهاداتهم العلمية والفقهية. ولم يكن هناك تدخل من قبل الدولة العثمانية أو الهيئة العلمية السلطانية بإلزامهم بما نصّت عليه الفرمانات العثمانية من كتب أو فتاوى بعينها. ولم تكنْ دومًا العلاقة في توتر ما بين المسار الرسمي الجديد التابع للهيئة العلمية والمسار الآخر المستقل عن العمل الرسمي. بل وفي بعض الأحيان يعتمد المستفتين والمتقاضين أو الخصوم في الدعوى على آراء فقهية لبعض العلماء المستقلين عن العمل الرسمي للاستشهاد بها أمام القضاة وداخل المحاكم الرسمية. وفي بعض الأحيان كانت هناك حالة من السجال والخصومة ما بين المسار الرسمي والمسار المستقل في مسائل معينة، إلَّا أنّها لم تكنْ دائمة ولم تكن التبعية أو الاستقلالية عن الدولة العثمانية هي السبب وراء تلك الاختلافات. وفي كثير من الأحيان كان الفرع المستقل عن مسار السلطة هو الأكثر شهرةً واعتبارًا والأكثر قبولًا عند المستفتين. حديث المؤلف عن هذا الانقسام داخل الفقه الحنفي أو هذا الفرع الجديد الذي تم تأسيسه من قبل العثمانيين داخل مدرسة الفقه الحنفي لا يأتي في صورة المدح أو الذم أو الانتقاد؛ هو فقط مجرد تظليل على وضع معين لحالة جديدة في تاريخ الأمم الإسلامية، بعد سعي الدولة العثمانية في أنْ يكونَ لها مذهب رسمي معين تحمل الناس عليه في فتاواها الرسمية وفي أحكامها القضائية. استدعاء هذا الأمر من الماضي وإسقاطه على الحاضر يوضح حجم الأزمة والكارثة الفقهية والقانونية التي تمر بعالمنا الإسلامي على العموم، والدولة المصرية على الخصوص. فالفتاوى الرسمية والقضاء والأحكام كانت تقوم على مدرسة فقهية بعينها، ومذهب فقي محدد ومعلوم بأصوله وفروعه وتخريجاته وجذوره الفلسفية وأسسه المنطقية التي قام عليها، حتى ولو كان هناك مسار جديد تم خلقه والسيطرة عليه من قبل الدولة، إلا أنَّ هذا المسار الجديد كان يعمل ويجتهد ويقضي ويفتي في دائرة محددة اسمها المذهب، ويقضي بمعيار معلوم وهو المذهب، ويفتي بآراء لها جذورها وفلسفتها وأصلها ومنطقها المغاير لباقي المذاهب السنية الأخرى أو غيرها من المذاهب. مشكلتنا الحالية -على المستويين الفقهي والقانوني- هو غياب هذا المعيار، وفقدان هذا المنهج، وانتكاسة المذهبية في عالمنا المعاصر. فالمخرجات الفقهية والقانونية قائمة على المصلحة الآنية، وما يطلبه الجمهور، وما تقدر القوة المهيمنة على فرضه. فإن أردت فتاوى رأسمالية، أخرجنا لك من أمهات الكتب ومن باطن المذاهب، وإن أردت فتاوى اشتراكية، مددنا أيدينا إلى مذاهبنا المتنوعة وأخرجنا لك ما يرضيك في اشتراكيتك، وإن أردت نسوية وحقوق إنسان وليبرالية وتحرر ودعشنة وتطرف يمينًا ويسارًا ووسطيةً واعتدالًا، أخرجنا لك ما يرضيك في توجهك. فقط هيمن وابسط سلطانك، ونحن نخرج لك ما يرضيك من تراثنا ومذاهبنا المتنوعة والمختلفة. ونفس الأمر فيما يخص المخرجات القانونية والتشريعية؛ قوانين وتشريعات ليس لها فلسفة واضحة ولا منهجية محددة ولا مذهبية معينة. مجموعة من القوانين والتشريعات تحارب بعضها بعضا، وتتنافى مع مقاصد بعضها بسبب أنَّها تقوم على المصلحة الآنية وحاجة الجمهور، وإرادة السلطان المهيمن برأسماليته أو اشتراكيته أو حتى اسلاميته. فلا روح واضحة للتشريعات ولا فلسفة بعينها يفصح عنها المشرع في قوانينه التي ينسخها لنا وينقلها عن دول وثقافات بدون رعاية لظروف اجتماعية مختلفة أو عوامل ثقافية متباينة. وفي ظل غياب المذهبية والمنهجية في الفقه والقانون، ستظل المؤسسات الدينية وأهل الفتوى والفقه على حالهم من النسخ الأعمى لأحكام وآراء فقهية بدون مراعاة للتغيرات الاجتماعية والمكانية والزمانية، وستظل كذلك المؤسسات القانونية والتشريعية على حالها من النقل الأعمى لقوانين من ثقافات ومجتمعات مختلفة، لتصبح كلمة مسخ هي الوصف الأنسب للمنتج الفقهي والقانوني في مجتمعاتنا المعاصرة.
كتاب النشأة الثانية للفقه الإسلامي، ثنائي القسمة : فنصفه الأول ذو طابع تاريخي يدرس إطار الديناميكية» بين اتجاه العثمانيين التشريعي والاتجاه العام في البلاد العربية، وإن تقيد بالمذهب الحنفي غالبا. والنصف الآخر ذو طابع نظري فقهي يدرس لب هذه الديناميكية» في تفاصيلها العلمية والفقهية ، وفيما كان لذلك من أثر في المجتمع (بجميع فئاته من مسلمين وغير مسلمين)، وذلك برصد أنماط من العلاقة بين المفتين والمستفتين في السؤال والجواب، وما يتعلق بذلك من التقاليد المتبعة، والآداب المرعية، ثم فيما كان من تحري بعض المستفتين سؤال مفتين بأعيانهم لعلمهم بأن آراءهم الفقهية تدعم دعواهم في ساحات القضاء، وهو ما يعني أن العامة على ذلك العهد كان لديهم بعض العلم بالخلاف الفقهي بين فقهاء المذاهب، بل بين فقهاء المذهب الواحد، أو أنه كان ثمة من يدلهم على ذلك. وجدير بنا أن نذكر في هذا السياق- أن الدكتور جاي بوراك قد وفق توفيقا كبيرا بهذه المنهجية البحثية - في تحاشي المشكلتين اللتين تعترضان من يكتبون في تاريخ العلوم، وفي تاريخ التشريعات خاصة، على نحو ما فصلنا القول فيهما في فاتحة هذه المقدمة. كما أن مراجو، ومنها العربي والانجليزي والفرنسي والتركي واقتباساته وإشاراته تدل على عكوف طويل، وعمل دؤوب، وصبر لم تشبه شائبة الكلال في درس هذا الموضوع. ومهما رأيت من مواضع خالقناه فيها ، فوقمناء أو خطأناه ، فليس ذلك بقادح في أصل إجادته وإتقانه ، مع أنا لا نقطع بصوابنا وخطئه في كل موضع ، وإنما هي المسائل النظرية تضرب فيها الظنونَ أطنابها ، والله يعلم المصلح من المفسد.
وتعد هذه الدراسة الصادرة ضمن سلسلة دراسات كامبردج في الحضارة الإسلامية، والتي تصدر في نسختها العربية عن مركز نماء - أول دراسة تعالج نشأة المذهب الفقهي الرسمي في حقبة ما بعد المغول: إذ يكتشف جاي بوراك الكيفية التي بلورت الأسرة العثماني الحاكمة من خلالها فرعا خاصا داخل المذهب الحنفي بنية واختيارا، كما يدرس الكتاب المعارضة التي أبداها مختلف الفقهاء، ولا سيما في الأقاليم العربية التابعة للدولة العثمانية، تجاه ذلك المنحى الجديد ومن خلال النظر إلى نشأة مفهوم المذهب الفقهي الرسمي، قصد الكتاب إلى التشكيك في تلك السرديات الكبرى المتعلقة بتاريخ التشريع الإسلامي، والتي تجنح إلى النظر إلى القرن التاسع عشر الميلادي بوصفه عصر قطيعة كبرى. وقد برهن الكتاب، عوضا عن تلك الرؤية، على أن بعض التطورات التي يفترض وقوعها في إبان القرن التاسع عشر، مثل تقنين الفقه الإسلامي متجذرة في القرون السابقة، ولذلك فإن الكتاب يقترح تحقيبًا جديدا لتاريخ التشريع الإسلامي في الأراضي الإسلامية المشرقية.