يسعى "خروج العرب من التاريخ" إلى إيقاظ الوعي بالتحديات الجسيمة التي تواجه العالم العربي ويدعو إلى ضرورة التغيير الشامل في النظم السياسية، الاقتصادية، والثقافية لضمان مستقبل أفضل. يشدد منصور على أهمية العمل الجماعي والتضامن العربي لتحقيق هذا التغيير وإعادة العرب إلى مركز الفعل في التاريخ العالمي.
عند تحليل علاقة الكتاب بأنماط الإنتاج، يمكن النظر إليه من خلال عدسة ماركسية تتناول كيف تؤثر البنى الاقتصادية والاجتماعية على تطور المجتمعات وتاريخها. حيث ان أنماط الإنتاج، وفقًا للنظرية الماركسية، هي الطرق التي تنظم بها المجتمعات إنتاج السلع والخدمات، وتشمل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي تنشأ عن هذه العملية وهي المحرك الاول لظهور طبقات المجتمع والتي ستؤدي بالضرورة الى علاقات تناحرية في مستقبل هذه المجتمعات، وربما تكون مآلات تلك العلاقات إما تطور وارتقاء او تفكك وتحول الى نمط انتاج اخر.
في هذا العمل يبحث منصور في المحاور التالية:
- التاريخ العربي المعاصر: يتناول هذا الجزء من الكتاب الأحداث التاريخية الرئيسية التي شكلت الوطن العربي في العصر الحديث. يبدأ بالتأثيرات الاستعمارية وكيف أثرت على الحدود والهويات الوطنية في العالم العربي. و يناقش النكبات والنكسات التي مرت بها الدول العربية، بما في ذلك الحروب والنزاعات الداخلية والخارجية. يُظهر كيف أن هذه الأحداث لم تسفر فقط عن خسائر مادية وبشرية، بل أدت أيضًا إلى تراجع الثقة والتماسك الاجتماعي والسياسي.
- الهوية والثقافة: في هذا المحور، يفحص منصور أزمة الهوية التي تواجه العرب في عصر العولمة. يتناول كيف أن التأثيرات الثقافية الخارجية، بما في ذلك الإعلام الغربي والأنماط الاستهلاكية، قد تسللت إلى المجتمعات العربية، مما يؤدي إلى تآكل القيم والتقاليد الأصيلة. يشدد على الحاجة إلى تعزيز الوعي بالهوية الثقافية والتراث العربي كأساس للتنمية الذاتية والاستقلالية.
- السياسة والحكم: يناقش هذا القسم الأنظمة السياسية في الدول العربية، مشيرًا إلى الفجوة بين الحكام والمحكومين وكيف أدى غياب الديمقراطية والشفافية إلى استياء واسع النطاق. يُظهر منصور كيف أن الاستبداد والفساد وعدم المساواة في توزيع الثروة قد عطل التنمية السياسية والاجتماعية، مما يعيق تقدم الدول العربية.
- الاقتصاد والتنمية: هنا، يتطرق منصور إلى التحديات الاقتصادية التي تواجه العالم العربي، بما في ذلك الاعتماد المفرط على النفط والموارد الطبيعية وقلة التنويع الاقتصادي. يناقش الحاجة إلى استراتيجيات تنموية شاملة تشمل الاستثمار في البنية التحتية، التعليم، والابتكار لخلق اقتصادات مستدامة قادرة على المنافسة عالميًا.
- التعليم والعلم: يُبرز هذا المحور أهمية التعليم والبحث العلمي كعناصر أساسية للنهضة والتقدم. ينتقد منصور النظم التعليمية الحالية في العالم العربي لفشلها في تعزيز الفكر النقدي والإبداع. يدعو إلى إصلاحات جذرية في السياسات التعليمية لتحقيق التميز الأكاديمي والابتكار.
- الدور العالمي والمستقبل: يختتم الكتاب بنظرة مستقبلية، متسائلاً عن كيفية استعادة العرب لمكانتهم كفاعلين رئيسيين في الشؤون العالمية. يحث منصور على ضرورة الوحدة العربية والتعاون الإقليمي كخطوات أساسية نحو تحقيق تأثير ملموس على المسرح الدولي. يشير إلى أن التغلب على الانقسامات والتوجه نحو أهداف مشتركة يمكن أن يعيد للعرب دورهم كمساهمين فاعلين في الحضارة العالمية.
كتاب "خروج العرب من التاريخ" هو دعوة للتفكير والعمل نحو إحداث تغيير جذري في العالم العربي عبر مختلف المجالات الحياتية والاجتماعية والسياسية. اراه كتاب مثالي من جوانب عديدة، انما وجدته عينة جيدة لاستيعاب الدور الحاسم لانماط الانتاج في خلق واقع جديد.
كتاب نوعي بتبصره، لدكتور الاقتصاد السياسي فوزي منصور بعنوان "خروج العرب من التاريخ"، كتب مادته في سنة ١٩٨٨ كجزء من كتاب أشمل بعنوان " The Arab World: Nation, State and Democracy (Studies in African Political Economy)" الأمم المتحدة الصادر سنة ١٩٩٠ كدراسة ضمن اصدارات الأمم المتحدة لدراسات الاقتصاد السياسي في أفريقيا، وقد تم اقتطاع جزء من هذه الدراسة ونقلها من الانجليزية الى العربية، بترجمة جيدة جدا، اضطلع بها كل من ظريف عبد الله وكمال السيد وقد صدر هذا الجزء بطبعته العربية سنة ١٩٩٣.
كما يتضمن هذا الكتاب مادة تعقيبية وتكميلية للنقاش كتبها بروفيسور الاقتصاد السياسي، لاقتصادي والمفكر الماركسي الكبير سمير أمين، بعنوان "مساهمة في النقاش: النظام الرأسمالي العالمي والنظم السابقة" وهي مادة أتت في ٤٥ صفحة، وقدمت قيمة اضافية وطرحا مكثفا قائما بذاته يرقى برأيي ليصدر ككتيب منفصل.
يقدم منصور في كتابه هذا تشخيصا معمقا لحالة الوطن العربي بأقطاره المختلفة سنة ١٩٨٨، بناءا على تحليل اقتصادي، سياسي، اجتماعي، ثقافي من زوايا عدة أهمها برأيي زاوية التحليل الماركسي - الغير تقليدي - المتجاوز للجمود الفكري للأطروحات الماركسية/العقائدية في أوروبا والاتحاد السوفياتي، زاوية التحليل الماركسي من منظور واقع دول الأطراف (أو ما يطلق عليه الغرب الرأسمالي، دول العالم الثالث)، مع التركيز على الواقع العربي بالدرجة الأساس.
يبدأ منصور بطرح التساؤلات المفصلية للأسباب والعوامل (الداخلية والخارجية)، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي حالت (و لازالت)، دون تحرر الدول العربية من التبعية المطلقة لدول المركز الرأسمالي الغربي ودون نهوضها وارتقائها الى مصاف الدول الوطنية المستقلة الصاعدة في نموها وتطوير اقتصادها لتتبوأ مكانها من التاريخ. قبل أن يشخصها بالتفصيل في أربع أقسام: ١-الاطار الفكري، ٢- الماضي "موانع تكون رأسمالية متطورة في الامبراطورية الاسلامية/العربية، ٣- الحاضر الذي تناول في ثلاث تجارب للتحرر الوطني التي قادته البرجوازية العربية في مصر والجزائر وفلسطين، بالتحليل والنقد، كما أبرز دور قطب الرجعية العربي من المحميات الاستعمارية (والمحميات الامريكية فيما بعد)، في تقويض مساعي التكامل والوحدة والتحرر العربي لصالح قوى الاستعمار ومشروع الهيمنة الأمريكي، ٤- وأخير قسم عن المستقبل، الذي يطرح في اشكاليات هذا الواقع العربي المتدهور وامكانات (وأوليات) الحل وما يمكن أن يحدث في حال أخذ العرب بمسار الحل السليم أو لم يأخذوا به، ليصل الى استشراف ما سيحدث في المستقبل القريب -كتب الكتاب في ١٩٨٨ وعاينته في سياق أحداث سنة ٢٠٢٥، أي بعد ما يزيد عن ٣٥ من كتابته - عند الأخذ بأي الخيارين، خيار الحل الذي قدمه الدكتور والذي يكمن في "التنمية الاقتصادية على اساس الاعتماد على النفس والتمركز على الذات" والتكامل الاقتصادي العربي المفضي إلى تشكيل اتحاد وتحالف عربي اقليمي وازن، أو الخيار الآخر القائم على مواصلة الأنظمة العربية لذات السياسات الاقتصادية العقيمة المفضية الى مزيد من التبعية لنظام السوق والمركزية الرأسمالية الغربية، والغاء أي فاعلية اقتصادية عربية وطنية تقود الى تمكين البلدان العربية من توطين الصناعات الانتاجية والتكنولوجيا، في مقابل تعزيز ثقافة الاستهلاك الغير منتج والاستيراد، وأخيرا زيادة نفوذ الرجعيات العربية العميلة والتابعة للغرب مقابل مشاريع هدم، تدمير وتفتيت الدول العربية المستقلة (التي جسدتها الجمهوريات التي قاومت الاستعمار ونالت استقلالها وهو ما حدث في كل من العراق واليمن وسوريا وليبيا والسودان ولبنان ... الخ بتواطؤ وتمويل الرجعيات العربية).
ولا يخفى على القارئ لهذه المراجعة (أو/ولهذا الكتاب) أن الأنظمة العربية اختارت الخيار الثاني وعليه كان وصولنا إلى ما نحن عليه اليوم- كما توقع واستشرف فوزي منصور - وخروجنا من التاريخ من أضيق أبوابه، حتميا، يكفي أن نرى تهافت الرجعيات العربية لارضاء أمريكا والكيان الصهيوني وتقديم كل أنواع التنازلات بما يشمل قمع شعوبها وتبديد الثروات الوطنية والمشاركة في تدمير دول الجوار أي كل دولة عربية وغير عربية (كل شكل من أشكال المقاومة) لا تخضع بشكل مطلق لإرادة محور الإبادة الأمريكي-الصهيوني.
ثم يأتي المفكر سمير أمين ليعمق هذا التحليل والاستنتاج، عبر نقد المنظور الجامد الأوروبي المتمحور حول للمركزية الأوروبية في تحليله للنظريات الاقتصادية، التاريخ الاقتصادي ومنظور النمو الاقتصادي في العالم، ويقدم منظور بديل للتاريخ العالمي الذي شهد انتقال المركزية من الشرق الى الغرب، بعد أن كان الشرق هو المركز الاقتصادي والحضاري العالمي والذي بحسب سمير أدى تطور الدولة فيه في حينه و"نظام الاقتصاد الخراجي" الصارم وعولمته الامبراطورية (على حساب تكون الدول القومية)، الى اعاقة التحول الرأسمالي في أقطاره وحواضره الأكثر تقدما، والذي بحسب أمين ظهر للمرة الاولى في أوروبا في القرن الخامس عشر.
كما عرج أمين على موضوع أزمة المجتمعات الاشتراكية مع واقع الهيمنة الرأسمالية الغربية (في وقت صدور الكتاب) عبر طرح تساؤلات مفصلية عن الخيارات المتاحة لتجاوزها، تضمنها الاقتباس أدناه: "ليس المجال مناسباً هنا لنتناقش هذه القضايا الجديدة تفصيلاً، ويكفيني القول، بإيجاز شديد، إن أزمة المجتمعات «الاشتراكية» لها ثلاثة جوانب مرتبطة فيما بينها بصورة وثيقة، وهي: (١) القضية الديمقراطية: هل نتجه ببساطة نحو استعادة الديمقراطية البورجوازية، مع قصرها على الميدان السياسي، أم سنمضي إلى أبعد من ذلك مبتدعين ديمقراطية «اجتماعية» (في إدارة الاقتصاد)؟ (٢) قضية الجمع بكفاءة بين الخطة والسوق في تسيير الاقتصاد، وهذا يعني ضمنا تجاوز مطلقين مزعومين: التسيير بالخطة (البيروقراطي) أو بالسوق الطليق. (٣) قضية السيطرة على الانفتاح الخارجي: هل سنقبل معايير قانون القيمة العالمي (ونضع حداً لفك الارتباط) أم سنسعى إلى تكثيف العلاقات مع الخارج مع الاحتفاظ بنظامنا الخاص للإدارة الرشيدة «بعد الرأسمالية»؟" ص٢٣٢ *سمير أمين
اتفق المفكران الكبيران في السياق العام، على ضرورة مجابهة فكرة المركزية الغربية وهيمنة الرأسمالية الغربية بمنظور الثورات الراديكالية على الواقع الرأسمالي الحالي وأيديولوجية الغرب المهيمنة في مجالات الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة) تضطلع بها الطبقة العاملة لا البرجوازية التقليدية (الصين نموذجا)، كما اتفقوا على أن النمو الغربي مبني على تأبيد التخلف وقويض النمو في دول الأطراف (والتي تقع كل دولنا الغربية ضمن تصنيفها) وأخيرا اتفقوا على ضرورة مجابهة الكيان الصهيوني المحتل "اسرائيل"، وتحقيق التنمية العربية المعتمدة على النفس والمتمحورة حول الذات بمنهجية ذات خصائص اشتركية علمية متحرر من التبعية الأيديلوجية للغرب والمنظور الغربي لما يجب أن يكون عليه اقتصاد "دول الأطراف".
كتاب محوري لفهم واقعنا العربي البائس اليوم، أسبابه وطرق تجاوزه، قراءته اليوم لا تعد من قبيل الترف أو الفضول الثقافي وإنما من ضرورات تكوين الوعي الوجودي للشعوب العربية.
يقدم الكتاب عرض مختصر لكن عميق لتاريخ العالم العربي يتتبع من خلاله تحوله للتبعية بسبب عدم ظهور الرأسمالية عندنا في الماضي، وفشل الثورات التحررية العربية فيما بعد في تحقيق تنمية. يمكنني القول إن السردية الرئيسية للكتاب أن تاريخ العرب هو تاريخ خروجهم من التاريخ، أي اضمحلالهم لدول تابعة في النظام الرأسمالي العالمي بدون أي قدرة على التأثير على التاريخ أو التقدم فيه ومواجهة التحديات التاريخية المنوطة بهم، على الأقل حتى الآن. يتتبع الكتاب الفرص الضائعة في الماضي والحاضر، ويلقي بعض الأضواء على الفرص والممكنات في المستقبل.
في "خروج العرب من التاريخ" انحياز واضح ضد دول الخليج العربي، حيث أنه يتعمد وصفها - على طريقة القومجية العرب - بالدول الرجعية. وهو يقول إننا أدرنا ظهورنا لما يسميه (القومية العربية) وهذا إجحاف معروف ومعهود. إذ ما الذي أنتجه المسار القومي في ليبيا وسواها سوى الفوضى والتعثر التنموي.