قرأت هذه العقيدة المباركة منذ ما يقارب الثلاثة أسابيع ولكنني تأخرت عن كتابة المراجعة والتقييم بسبب عطب لابتوبي، ولا يزال هذا العطب مستمرًا والله المستعان. وهذا العطب عطلني عن نقل جميع النقولات التي تهمني، وتوثيقها بالطريقة الأكاديمية، ولكنني قررت أن أكتب ما تيسر لي نقله قبل عطب اللابتوب. وقد قرأتها بتحقيق الجديع، وهو تحقيق ماتع وحسن. -- "أصحاب أهل الحديث -حفظ الله تعالى أحياءهم ورحم أمواتهم- يشهدون لله تعالى بالوحدانية، وللرسول صلى الله عليه وسلم بالرسالة والنبوة، ويعرفون ربهم عز وجل بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، أو شهد له بها رسوله صلى الله عليه وسلم، على ما وردت الأخبار الصحاح به، ونقلت العدول الثقات عنه، ويثبتون له جل جلاله ما أثبته لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يعتقدون تشبيهًا لصفاته بصفات خلقه؛ فيقولون إنه خلق آدم بيديه؛ كما نص سبحانه عليه في قوله -عز من قائل-: ((قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي)) ولا يحرفون الكلم عن مواضعه؛ بحمل اليدين على النعمتين، أو القوتين؛ تحريف المعتزلة الجهمية -أهلكهم الله- ولا يكيفونهما -بكيف أو شبهها- بأيدي المخلوقين، تشبيه المشبهة -خذلهم الله-." (عقيدة السلف وأصحاب الحديث، أبو عثمان إسماعيل بن عبدالرحمن الصابوني، تحقيق: د. ناصر بن عبدالرحمن بن محمد الجديع، دار العاصمة، ط2 1419هـ-1998م، ص160-162). وهنا يفرق الإمام بين اعتقاد المعطلة والمشبهة واعتقاد أهل الحديث المتوسط بينهما بإثبات صفات الله كما وردت في النص. -- "وقد أعاذ الله أهل السنة من التحريف، والتشبيه، والتكييف، ومن عليهم بالتعريف والتفهيم، حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قول الله عز وجل: ((ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)). وكما ورد القرآن بذكر اليدين بقوله: ((لما خلقت بيدي))، وقوله: ((بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء))، ووردت الأخبار الصحاح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر اليد، كخبر محاججة موسى وآدم، وقوله له: ((خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته))، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا أجعل صالح ذرية من خلقته بيدي كمن قلت له: كن فكان))، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((خلق الله الفردوس بيده)). وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت به الأخبار الصحاح؛ من السمع، والبصر والعين، والوجه، والعلم، والقوة والقدرة، والعزة والعظمة، والإرادة والمشيئة، والقول والكلام، والرضى والسخط، والحب والبغض، والفرح والضحك، وغيرها؛ من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين؛ بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى وقاله رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير زيادة عليه، ولا إضافة إليه، ولا تكييف له، ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه؛ بتأويل منكر يستنكر، ويجرون على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله؛ كما أخبر الله عن الراسخين في العلم أنهم يقولونه في قوله تعالى: ((والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يتذكر إلا أولوا الألباب))." (عقيدة السلف وأصحاب الحديث، أبو عثمان إسماعيل بن عبدالرحمن الصابوني، تحقيق: د. ناصر بن عبدالرحمن بن محمد الجديع، دار العاصمة، ط2 1419هـ-1998م، ص162-165). وهنا يزيد الإمام البيان بيانًا بأن أهل الحديث والسنة ليسوا مفوضة لصفات الله بحيث ينفون حقائق ظواهر نصوصها. -- "ويشهد أهل الحديث ويعتقدون أن القرآن كلام الله، وكتابه، ووحيه، وتنزيله غير مخلوق؛ ومن قال بخلقه واعتقده فهو كافر عندهم." (عقيدة السلف وأصحاب الحديث، أبو عثمان إسماعيل بن عبدالرحمن الصابوني، تحقيق: د. ناصر بن عبدالرحمن بن محمد الجديع، دار العاصمة، ط2 1419هـ-1998م، ص165). -- "والذي حكاه* عن أحمد -رضي الله عنه وأرضاه-: أن اللفظية جهمية، فصحيح عنه، وإنما قال ذلك لأن جهمًا وأصحابه صرحوا بخلق القرآن، والذين قالوا باللفظ تدرجوا به إلى القول بخلق القرآن، وخافوا أهل السنة -في ذلك الزمان- من التصريح بخلق القرآن؛ فذكروا هذا اللفظ، وأرادوا به أن القرآن بلفظنا مخلوق، فلذلك سماهم أحمد -رحمه الله- جهمية." (عقيدة السلف وأصحاب الحديث، أبو عثمان إسماعيل بن عبدالرحمن الصابوني، تحقيق: د. ناصر بن عبدالرحمن بن محمد الجديع، دار العاصمة، ط2 1419هـ-1998م، ص172-173). ويعني هنا الطبري -- "وأما ما حكاه محمد بن جرير عن أحمد -رحمه الله- أن من قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع، فإنما أراد أن السلف من أهل السنة لم يتكلموا في باب اللفظ، ولم يحوجهم الحال إليه، وإنما حدث الكلام في اللفظ من أهل التعمق، وذوي الحمق، الذين أتوا بالمحدثات، وعتوا عما نهوا عنه من الضلالات، وذميم المقالات، وخاضوا فيما لم يخضه فيه السلف من علماء الإسلام؛ فقال الإمام هذا القول في نفسه بدعة، ومن حق المتسنن أن يدعه، ولا يتفوه به، ولا بمثله من البدع المبتدعة، ويقتصر على ما قاله السلف من الأئمة المتبعة: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولا يزيد عليه إلا تكفير من يقول بخلقه." (عقيدة السلف وأصحاب الحديث، أبو عثمان إسماعيل بن عبدالرحمن الصابوني، تحقيق: د. ناصر بن عبدالرحمن بن محمد الجديع، دار العاصمة، ط2 1419هـ-1998م، ص173). وهذا نص مهم فاستمسك به -- "ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن الله سبحانه فوق سبع سمواته*، على عرشه مستو؛ كما نطق به كتابه، في قوله عز وجل في سورة الأعراف: ((إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش)) وقوله في سورة يونس: ((إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه)). وقوله في سورة الرعد: ((الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش)). وقوله في سورة الفرقان: ((ثم استوى على العرش الرحمن فسئل به خبيرًا)). وقوله في سورة السجدة: ((ثم استوى على العرش)). وقوله في سورة طه: ((الرحمن على العرش استوى))." (عقيدة السلف وأصحاب الحديث، أبو عثمان إسماعيل بن عبدالرحمن الصابوني، تحقيق: د. ناصر بن عبدالرحمن بن محمد الجديع، دار العاصمة، ط2 1419هـ-1998م، ص175-176). *قال المحقق في الهامش: "كذا في النسختين والأفصح لغة (فوق سماواته السبع) لأن العدد لا يضاف إلى تمييز مضاف إلى ضمير." ص175. -- "وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف رحمهم الله لم يختلفوا في أن الله تعالى على عرشه، وعرشه فوق سماواته." (عقيدة السلف وأصحاب الحديث، أبو عثمان إسماعيل بن عبدالرحمن الصابوني، تحقيق: د. ناصر بن عبدالرحمن بن محمد الجديع، دار العاصمة، ط2 1419هـ-1998م، ص176). وهذا إجماع ظاهر وحجة قاطعة -- "وسمعت الحاكم أبا عبدالله الحافظ، في كتاب (التاريخ) الذي جمعه لأهل نيسابور، وفي كتاب (معرفة الحديث) اللذين جمعهما، ولم يسبق إلى مثلهما، يقول: سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانئ يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: من لم يقل بأن الله عز وجل على عرشه، قد استوى فوق سبع سمواته؛ فهو كافر بربه، حلال الدم، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وألقي على بعض المزابل، حتى لا يتأذى المسلمون والمعاهدون بنتن رائحة جيفته، وكان ماله فيئاً، لا يرثه أحد من المسلمين، إذ المسلم لا يرث الكافر، كما قال النبي صلى الله عليه وآله سلم: ((لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم))." (عقيدة السلف وأصحاب الحديث، أبو عثمان إسماعيل بن عبدالرحمن الصابوني، تحقيق: د. ناصر بن عبدالرحمن بن محمد الجديع، دار العاصمة، ط2 1419هـ-1998م، ص187). -- "وإمامنا أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه احتج في كتابه المبسوط في مسألة اعتاق الرقبة المؤمنة في الكفارة، وأن غير المؤمنة لا يصح التكفير بها بخبر معاوية بن الحكم، وأنه أراد أن يعتق الجارية السوداء لكفارة، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إعتاقه إياها، فامتحنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها: ((من أنا؟)) فأشارت إليه وإلى السماء، يعني أنك رسول الله الذي في السماء، فقال صلى الله عليه وسلم: ((أعتقها فإنها مؤمنة)). فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامها وإيمانها لما أقرت بأن ربها في السماء، وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية. وإنما احتج الشافعي رحمة الله عليه على المخالفين في قولهم بجواز إعتاق الرقبة الكافرة في الكفارة بهذا الخبر؛ لاعتقاده أن الله سبحانه فوق خلقه، وفوق سبع سماواته على عرشه، كما معتقد المسلمين من أهل السنة والجماعة، سلفهم وخلفهم؛ إذ كان رحمه الله لا يرو خبرًا صحيحًا ثم لا يقول به." (عقيدة السلف وأصحاب الحديث، أبو عثمان إسماعيل بن عبدالرحمن الصابوني، تحقيق: د. ناصر بن عبدالرحمن بن محمد الجديع، دار العاصمة، ط2 1419هـ-1998م، ص188). وهنا ذكر اعتقاد الإمام الشافعي رحمه الله ورضي عنه وأنه موافق للسلف -- وهو كما ترى كتاب حسن وعظيم، رحم الله مؤلفه وجزاه خير الجزاء انتهت المراجعة