عمت مساءً، مر وقت طويل، لا أدري هل تعي كيف شطرني غيابك إلى نصفين؛ جزء في الماضي، وآخر يمشي حافي القدمين في دهاليز لا يعرف عنها إلا الظلام، أنا أعرف أنك لم تعد قادرًا على الإجابة ولا على المواساة، فالذي يفصل بيني وبينك حياة أخرى؛ برزخٌ لم أعش به بعد، رغم أني وبشكلٍ ما تعلقتُ به لحد كبير، ما زلت ألقي التحية عليه في الأماكن التي انكمشت عندما إنتهينا منها، فصرتُ أمر عليها ككائن لا يرى، أحسب أن جسدي يتبخر عندما أذهب إليها، ويتبقى خلف ضلوعي غصة تكشف وجهي للعالم، تظهره بمظهرٍ حزين. أحيانًا لا نملك إلا التحية لتعبر عن بعدنا، نحن نحتاج إليها، لنثبت أننا لسنا ذلك، ونحتاج للقاءات لنثبت أن علاقتنا لم تنتهي بعد، فلنلتقي على مضض، ثم نتوارى مسرعين إلى الفراغ، عندما تصبح اللقاءات مجدولة، محددة، تجمعنا كأننا طلاب مدرسة لا يتذكرون من الطابور الصباحي شيئًا إلا أنه سيء ومقيت جدًا، ولا يأخذ من ذاكرتهم إلا جانبًا صغيرًا، مع كل كلمات المقت والرفض، إنه الإجتماع عندما يكون فرقة، كيف نلفظ المقامات والرده الجميلة كلبان فاسد، وكأن الذكريات رخيصة، نبسقها على الأزقة، لنجعلها ملوثةً بالحزن والأسى الكبيرين، عندما تخلو اللقاءات من كل شيء جميل إلا موعدها، فإنها تزيد من فرقتنا، وتجعل وجودنا مجرد أثرٍ عابر لا يحس به، ولا يعرف به أحد. مر وقت طويل ليعود مرارًا ليتصق بالصور، بالملصقات التي كتبنا عليها تواريخ لقاءاتنا ثم صارت بعد إذٍ تواريخ الفراق التي كتبته أيدينا.
يا عاهل آلام العالمين لا أجدك تكتب أدبك الذاتي في سفر ممرد من كلمات تعكس فلسفات الحياة المستفادة من إرث البشرية، بل هو رحلة سرمدية في عوالم متداخلة، تعبر بنفس القارئ الواعي، إلى أعماق ذاته، لتريه كيف مضت حياته نصب عينه مع تتابع النصوص والنهل من السطور، فلم يعد بعدها كما كان قبل أن يعرف كتابك، فحاله كحال الطفل الذي تذوق الحلوى لأول مرة في حياته، وهي لا تمت لمتجر الحلويات بصلة، ولا هي تمت للمتصوفين في مقاماتهم الرواحنية بصلة، فلا أحد سواك أيها العاهل فيه لتعبر بالقارئ إلى أعمق نقطة في ذاته. ولا أحد سواك أيها القارئ فيه، إذ تقول "أتعرف جسدي وأعي المواطنين فيه " وتقول في موطن آخر"أريد الانفصال عن هذا العالم تكتب ذاتك أيها العاهل المستقر في عالمك الخاص تناجي نفسك إذ تقول "اسمع صوتي واشعر بالعاهل الذي بدأ منه، ما الألم الذي غاب وصار محبة" فلك أيها القارئ أن تستقي المحبة في أجل معانيها في الحياة يعكسها المألف لتخرج من عالمه كحكم تلهم التائهين
This entire review has been hidden because of spoilers.
احتاج الى قراءه هذه الروايه عشر مرات حتى استطيع الاحاطة بكامل اناقة اللغه المكتوبه بها، زخم لامتناهٍ من الكلمات التي سقطت من لغتنا المحكية نسيانا، حتى ليكاد المرء يسافر عبر زمن الادب العربي كاملا ليجد مثل هذا النص في أيام المعلقات.. اللغه الفارهة، هذا الزخم من الشغف بالكلمات، ثراء الاوصاف، تلك المشاعر التي كانت تفيض من بين أسطر هذا الكتاب حتى تلامس شغاف قلب القارئ، والكثير جدا من العنايه بالتفاصيل، هو الوصف الامثل لهذه الرائعه الادبيه #عاهل_آلام_العالمين للروائي السعودي هيثم آل ريس