لم يولد علي معلما. سلك طريقا شاقة، في ظلال البؤس والفقر والجوع والإهانة ليصبح الرجل الذي يرفع هامته بين الرجال. كل الذين عاشوا في المدينة يعرفون عليًّا صديقا لكل العائلات، وهو يطحن زرعهم، صديقا لكل الدباغين، وهو يتصدر العمال في دار الدبغ، صانع أحذيتهم وهو يقدم لهم أروع بلْغة ولنسائهم أجمل شربيل... فتى يافع يتزعم موسم الفاتح. شاب شجاع يفرض النقابة على مغتصبي حقوق العمال. يخرج من معركة التعلم «معلما»، يفرض نفسه على المجتمع حتى يصبح فقيها وتقني في الصناعات ورائدا بين شباب يتصدرون الريادة في الزمن الرديئ... « المعلم عليّ »، الحائز على جائزة المغرب للكتاب، يعرض عليكم صداقته من جديد في طبعة سابعة.
هي أول رواية قرأتها وأكثر رواية أعدت قرائتها لأكثر من عشر مرات، وفي كل مرة أجدني أقرؤها وكأنها أول مرة. . الرواية التي كتبت بعربية فصحى وتخللتها حوارات بالدارجة المغربية، تحكي قصة الفتي اليتيم الفقير علي، الذي جعلته وفاة والده يتحمل مسؤولية أسرته الصغيرة، حيث يعيش متنقلا ك"متعلم" للعديد من "المعلمين"، ويتعرض للطرد في كل مرة حتى يتعرف على بعض الأصدقاء ليشكلوا معا النواة الأولى للعمل النقابي في فاس والمغرب، قبيل الاستقلال. . تدور الرواية بمدينة فاس في عهد الاستعمار الفرنسي، وتزين صفحاتها فقرات تتحدث عن التراث المغربي آنذاك، ووصف لعبق المدينة القديمة وناسها وعاداتهم. كما تعالج الفروق الاجتماعية التي كان يعانيها المغرب في تلك الفترة التاريخية. . تم اختيار "المعلم علي" ضمن أفضل مئة رواية عربية على مر التاريخ، وتبقى بالنسبة لي واحدة من رواياتي المهمة التي عرفتني على عالم القراءة. .
المعلم علي قصة كفاح، تعلمنا منها الكثير. علي الذي عانى منذ صباه، وحرم حتى من والده، ليجد نفسه مضطرا لإعالة إخوته الصغار، وأن يحمل هم الزمان مع والدته، التي كافحت هي الاخرى في سبيل عيشهم. كل الذين عاشو في المدينة يعرفون عليا. في شتى المجالات. بعد كل هذا يخرج من معركة التعلم معلما. بعد معاناته القاسية مع من كان يتعلم عندهم الحرفة، وأولهم المعلم التدلاوي رواية تفوح بعبق التاريخ المغربي... أحببتها
للإشارة لا يقصد بالمعلم هنا، عمل التدريس بل "المْعَلْمْ" وهو لفظ يطلقه المغاربة لوصف مقام شخص في مجال معين. وحسن صناعته
لمحتُ وأنا أتجول في المكتبة كتاباً مميزاً عن غيره بسبب غلافه الذي يحمل طابعاً قديما مقارنةً بالكتب التي وُضع بينها! ولأن هذا النوع من الأغلفة يجذبني فبدون تردد أمسكتهُ وتصفحتُ أوراقه، وإذا بأول سطر في الكتاب يقول:
"أفِق يابني.. فقد أضاءت الشمس مشارف السطوح! أفق مالك أصبحت ككيس رملٍ لا تطيق حراكا!"
حينها شعرتُ بأن لغة الرواية قد تكون مختلفة عمّا أقرأ عادةً، وبعد قراءتي تأكدتُ من ذلك. وبجولةٍ صغيرة في القوقل عرفتُ أن كاتبها أديبٌ ومؤرخ وصحفي مغربي.. وقد حصلت هذه الرواية على جائزة المغرب عام 1976م، وقررتها وزارة التربية الوطنية على تلاميذ (الثانوية العامّة)، واختيرت ضمن قائمة أفضل مئة رواية عربية على مرّ الزمن، شعرتُ بأني محظوظة لعثوري عليها ولذلك قررتُ أن أزيّن مكتبتي بهذه النسخة القيّمة خاصة أنها من الطّبعة الرابعة عام 1984م.
رواية واقعية جداً ولعلّ شاعريتها تكمن في لُغتها، وخيالها يكمن في صياغة ألفاظها.. كنتُ منذ البداية مسحورة بطريقة السّرد فهي الأقرب لذائقتي؛ لُغة تحملُ أصالة كتب التراث، ورُوح الأدب الحديث، ورغم أني قرأت كثيراً من الروايات المولودة في زمنها، إلا أنها مختلفة عنها بطابعها المغربي المميز جداً، ولذلك أحببتُ فيها تمرير العبارات والأمثال المغربية باللهجة الدّارِجة، فقد كانت سلسة بطريقة لا تربك القارىء بتاتاً بل على العكس زادتها جمالاً في نظري، ولا أقول هذا من باب اعتيادي على نغم اللهجة المغربية وحسب، وإنما هي واضحة لأن الكاتب يشرح ذلك في الهامش. الشخصية الرئيسية في الرواية "عليّ" الفتى اليتيم الفقير الذي يعمل منذ صغره ليعين والدته على كسب لقمة العيش، والأحداث كانت تدور في مدينة فاس المغربية أيام الاستعمار الفرنسي. المُلاحظ -والجميل جداً- أن محاولة تغيير عليّ لحالته الاجتماعية والمادية كانت موازيةً لتغييره فكرياً، لا أدري كان مقصوداً أم لا لكنني التمسته.
روايةٌ لها حضورها الخاص في نفسي، وأظنّ أنها من الروايات التي ينصح بها لمن هم دون الثمانية عشرَ عاماً.
رحلة إلى المغرب العربي عبر قصة الصبي علي الذي يحاول العثور على عمل وبالفعل يعمل لدى كثير من المعلمين وفي شتى المجالات ولكنه لحظه العاثر لا يعمر في أي صنعة يعمل بها وينتقل من معلم إلى آخر ويحلم أن يصير يوما ما الأيام أحد المعلمين في احد الصناعات التي من الممكن أن يتعلمها ثم تنحو بنا الرواية نحوا اخر وتأخذنا الى عالم الاتحادات النقابية من خلال العمل في المعامل والمصانع والحصول على حقوق العمال ثم إلى تحرير البلد من المستعمر الغاصب والوصول الى الاستقلال عن طريق المقاومة بشتى انواعها وطرقها.
نجمات ثلاث لمحاولة الكتب وجهده .. من الظالم تقييم الرواية خارج سياقها التاريخي ومقارنتها بأعمال استفادت من تطور الفن الروائي .. لكن الرواية بالنسبة لي كانت مخيبة للآمال ..