عبد الله الطيب من مواليد قرية التميراب غرب الدامر عام 1921م تعلم مراحلهُ الأولى بمدارس كسلا والدامر وبربر ثم التحق بكلية غوردون التذكارية بالخرطوم (جامعة الخرطوم حالياً) ثم المدارس العليا ومعهد التربية ببخت الرضا ، دفعهُ طموحهُ وحبهُ للعلم للسفر للندن وبالفعل نال هُناك درجة البكالوريوس في الآداب عام 1948 م و الدكتوراه من كلية التربية ومعهد الدراسات الشرقية والأفريقية جامعة لندن ( SOAS ) عام 1950م عاد إلى الخرطوم حينها أصبح البروفيسور أُستاذاً بأم درمان الأهلية وبخت الرضا ثم أستاذاً مُحاضراً بقسم اللغة العربية بكلية الآداب- جامعة الخرطوم. و في عام 1961م أصبح البروفيسور عميداً للآداب بجامعة الخرطوم ثم مديراً للجامعة، هذا وقد أسس بعد ذلك كلية بايرو بكانو (نيجيريا) وهى الآن تُعد جامعة مكتملة ،وكان أول مدير لجامعة جوبا في العام 1976 – 1975م و عمل أستاذاً للدراسـات العليا في كليـة الآداب والعلـوم الإنسانية في جامعة سيدي محمد بن عبد الله في مدينة فاس بالمغرب كان البروفيسور عبد الله الطيب بحراً من العلم أنجز الكثير والكثير لخدمة العلم والمجتمع فهو شاعر وناقد ومفكر لهُ العديد من المؤلفات الفكرية كـ من حقيبة الذكريات ومن نافذة القطار والقصيدة المادحة ، دواوين شعرية كـ أصداء النيل وأغاني الأصيل ، ومسرحيات شعرية كـ زواج السمر والغرام المكنون، ومحاضرات علمية خاصة وعامة ، وله إسهامات أدبية متميزة في مجال النقد الأدبي القديم عند العرب، وفي حقول الفكر والأدب عموماً فهو محيط بالشعر العربي وتاريخه وقضاياه . وكان مواظباً على المشاركة في اجتماعات و مؤتمرات مجامع اللغة العربية السنوية في الوطن العربي ومن منطلق الوفاء لجامعة الخرطوم التي احتوته طيلة سنوات حياته وهب مكتبته المتنوعة من الكتب لكلية الآداب بالجامعة .
مُنح البروفيسر عبد الله الطيب الدكتوراه الفخرية من جامعة الخرطوم سنة 1981م ومن جامعة باييرو ب(كانوا) بنيجيريا سنة 1988م ومن جامعة الجزيرة بالسودان سنة 1989م شارك في عدة مؤتمرات في السودان وخارجه وله مساهمات في الصحافة والإذاعة والتلفزيون فقد فسّر القرآن الكريم كله من إذاعة أم درمان بين عامي 1958 – 1969 وحصل على جائزة الشهيد الزبير محمد صالح للإبداع والتميز العلمي ثم جائزة الملك فيصل العالمية في الأدب عام 2000 م وفي نفس العام لازم فراش المرض، ودخل في غيبوبةٍ لم يفق بعدها حتى توفَّاه الله في عام 2003م رحمه الله رحمة واسعةً و طيَّب ثراه .
وبهذا ظل السودان شاهد على عصر رجُلاً سوداني إمتدى عطاؤه عبر الأجيال ..
الجمل التي كتب بها الأستاذ عبدالله الطيّب وبنى كتيّبه عليها جُملٌ مُقطّرة! شديدة التركيز، وفي معالجته وتحليله لقضايا اتصلت بحياة المتنبّي وشعره، بقايا من منهج النقّاد الأقدمين الذي تزعّم الجاحظ طريقتهم، في كثرة الاستطرادات والخروج من حديث إلى حديث، لكنها عند الجاحظ ترويح، وعند أستاذنا الطيّب إيقاظٌ وتنبيه لتحشد تركيزك معه :)
حاول ههنا أن يفكّ ما استغلق من أمر المتنبّي وبخاصّة في نهاية حياته: من الذي قتله؟ ومن محبوبة المتنبي التي تعرض في بعض أبياته ومطالعه؟ ثم هو بعدُ يلحُّ على كلِّ حاضرةٍ أو شاردة يمسك بها؛ ليثبت ما يذهب إليه ويختاره ويحدسه.. وحدوسه فيها نظر، فربما يعنُّ له المعنى فيمضي ليحُقّق صدقه إما توسّلًا بالمنهج النفسي أو المنهج التاريخيّ.. ولا عجب، فهذان المنهجان هما اللذان تسيّدا المناهج في عصر أستاذنا، وهما اللذان افتتن بهما كلّ من جايل الشيخ عبدالله، والاعتماد على هذين المنهجين أو الاستضاءة بهما فيما بين يدينا من وثائق في كتب التاريخ والأدب مع الاستعانة بالشعر لا ينبغي أن نطمئنَّ إليه كل الاطمئنان.. بل لعلّهما بوابتان إلى الوهم والحدوس المتكلّفة.. فما زال في نفسي شيءٌ من عشق المتنبي أساسًا فضلًا عن أن يجعلها الأستاذ عبدالله من آلِ أبي العشائر، أو التي سبق أن توهّم شيخ العروبة بأنها أخت سيف الدولة، ثم غالى الأستاذ الطيّب في نسبة قصيدة لهذه المرأة المجهولة من آل أبي العشائر قالتها في المتنبي! وقال إن معانيها تتحاور مع معاني المتنبي في غزليّة قصدها بها.. فالعجب من أن يجعل هذه القصيدة المجهولة القائل لهذه المحبوبة بدعوى أن معانيها تتناغم مع معاني أبي الطيب في غزليّته تلك، وهو في مواطن أخرى يجعل بعض شعر أبي فراس الحمداني الذي يجاري معاني أبي الطيب من باب السرقة! فلمَ لم يصحّ في منهج أستاذنا أن يجعل تلك القصيدة المجهولة النسبة من باب السرقة من شعر أبي الطيّب؟
والأقرب أنّ ما جاء في شعر أبي الطيِّب من نسيب وغزل، إنما هو منهجٌ اتّبعه المتنبّي في شعره تقليدًا، دون أن يكون له معشوقة سوى نفسه التي طمح لها بما لا يُنال.. وبعيدٌ عن مذهبه العشق :)
وتبقى لغة الكتاب المشرقة وأسلوبه، وغزارة معانيه واقتدار الأستاذ عبدالله الطيّب على التصرّف بالبيان، هي التي رفعت الكتاب في عيني، وأساغت لي آراءه التي لو قالها سواه ممن هو أقل حظًا ببيانه؛ لانصرفت عنه إعراضًا :)
هناك ملحوظات فنّية على سوء إخراج الكتاب: جُعلت هوامش الفصول في نهاية الكتاب وهي طريقة بغيضة إليّ، وطالت مدّة قراءتي بسببها، فتعليقات الشيخ الطيّب مهمّة في إضاءة المتن، وجعلها في نهاية الكتاب يشتّت القارئ.. وهناك أخطاء نحْوية ولغوية مؤذية فضلًا عن المطبعية، أستنكر وقوعها من الأستاذ، ولا شكّ بأنها ممن رصد الكتاب طباعةً..
هي رحلة في حياة ابي الطيب المتنبي ، يدلك فيها د.عبدالله الطيب ، ولخير الدليل وجدته ينقلك بين أحوال أبي الطيب في حله وترحاله وحال فرحه وحزنه ، ويعرض لك تنقله بين المدح والهجاء والفخر والرثاء والغزل وتغير حاله ومقاله بين الشباب والهرم وبين بغداد وحلب ومصر وفارس . ومن أكثر ما هزني رثاؤه لجدته وفيه البيت الشهير : " وما أنسدت الدنيا عليّ لضيقها ولكن طرفا لا أراك به أعمى" وقد فتح الكتاب عقلي لفهم جديد عن معنى المدح في الشعر العربي ومكانته وقد كان في نفسي شيء منه قبل . ولكن ما يلبث د.عبدالله أن يضعك في السياق الزمني حتى يتأتى لك الفهم وحسن التقدير .
ثم كمن يحل لغزا عصيبا ، يتبع البيت بالبيت حتى يوصلك إلى محبوبته ويدعك بين الشك واليقين وهو يقول : الله أعلم أي ذلك كان ، وكذلك يفعل وهو يحقق ويبحث في مقتله . يظهر بين طيات الكتاب الحب الكبير الذي يكنه الكاتب للمتنبي، ولا عجب ، رحمهما الله . " سبحان خالق نفسي كيف لذتها .. فيما النفوس تراه غاية الألم " " فإن أمرض فما مرض اصطباري وإن احمم فما حم اعتزامي وإن أسلم فما أبقى ولكن سلمت من الحمام إلى الحمام " "
هذا كتابي الثاني للطيب عن أبي الطيب؛ سبقه كتاب "الطبيعة عند المتنبي" وفي الكتابين لا يخفى على القارئ إعجاب الطيب العميق بأبي الطيب، وقد ختم كتابه هذا بقصيدة بديعة أهداها المتنبي فكانت خاتمة جميلة لكتاب جميل عن شاعر أجمل. تتبع الطيب في كتاب الطبيعة عند المتنبي قصائد شعراء إنكليز مثل وليام بليك وزعم أن كثير من معانيها مسروقة من قصائد المتنبي. أما في كتاب "مع أبي الطيب" فقد فاز بنصيب الأسد من تهمة سرقة المعاني والأوزان أبو فراس الحمداني. وهو ما أجاد وأصاب -كما أظن- في تبيينه. وعلى الرغم من أنّ الكتاب عن المتنبي إلا أن الكاتب كثيرًا ما كان يأتي بذكر أبي فراس ويفرد له صفحات ليست بالقليلة مما أثار حفيظتي بعض الشيء. وجعلني أدرك أن أبا فراس بلغ بعداوته المتنبي مالم يبلغه بشعره. الكتاب جيد بالمجمل يعيبه افتراض الطيب أن القارئ مدرك لكثير مما يود قوله فيجيء بالعبارة مختصرة ملخصة ويكتفي بإيراد بطرف من حدث ما وأحيانا يكتفي بشطر وهكذا. وددت لو تصدر أحدهم وجمع الملاحظات التي أوردها بالطبعة الثانية وضمّنها الكلام في الطبعة الأولى. خمس نجوم للغة الكاتب الفاتنة التي يخيل للقارئ أنها بقية من لغة الجاحظ وأدباء ذلك العصر.