ﻷول مرة منذ أكثر من نصف قرن يعاد إصدار الأعمال الكاملة لواحد من أهم رواد الأدب العربي الحديث هو الأديب الراحل محمد تيمور. و لقد دعى إلى ذلك أكثر من سبب : أولا:المكانة الهامة التي يحتلها اسم محمد تيمور في التأليف المسرحي و الروائي و الشعؤي على حد سواء ثانيا: عدم توفر أعماله للقارئ في الوقت الحالي. ويضم هذا الكتاب نص أشهر مسرحيات محمد تيمور و هي أوبريت " العشرة الطيبة" التي كتب لها الأزجال خالد الذكر بديع خيري و لحنها رائد آخر من رواد الموسيقى العربية الحديثة هو الشيخ سيد درويش ، و هي تمثل مرحلة هامة في تطور المسرح الغنائي العربي لو إستمرت لوصلنا اليوم إلى الأوبرا العربية.
محمد تيمور: شاعر وأديب وكاتب من الطراز الرفيع، وهو من مؤسسي الأدب القصصي والمسرحي في مصر، كما أنه الأديب الذي كسر الجمود اللغوي في الكتابة الأدبية؛ فإليه تُعْزَى الريادة في استخدام اللهجة العامية المصرية البسيطة في الكتابة الأدبية بدلًا من اللغة الفصحى التي عُهِدَت بها الكتابة في عصره؛ وهذه الخطوة تعدُّ تمردًا على حيثياتِ عصرٍ ثقافي يعتبر اللغة الفصحى هي لغة الأدب الحقيقي.
ولد في القاهرة عام ١٨٩٢م في رحاب أسرة تجمع بين الثراء والأرستقراطية، وبين العلم والأدب على الطريقة العربية المأثورة؛ فوالده أحمد تيمور باشا الذي كرَّس حياته لخدمة اللغة العربية ومعارفها، وعمته الأديبة عائشة التيمورية، وأخوه الأديب الكبير محمود تيمور؛ وهذا المزيج الخصب أَوْجَد بيئةً خصبةً أنجبت لنا ذلك الشاعر الفذ الذي أضفى على الساحة الأدبية مزيجًا فريدًا من دماء التجديد.
سافر إلى باريس لدراسة القانون؛ ولكنه عاد إلى مصر ثانيةً عَقِبَ اندلاع الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤م، وانصرف منذ ذلك الحين إلى كتابة القصص والمسرحيات، ثم رحل إلى برلين لدراسة الطب؛ ولكنه في حقيقة الأمر لم يكن لديه ميل حقيقي لدراسة الطب أو القانون؛ فقد كان شغوفًا بالأدب، وقد دفعه هذا الشغف للسفر إلى فرنسا؛ ليطلع على الأدب الأوروبي عمومًا والفرنسي خصوصًا، وقد كان لهذه الدراسة أثر فاعِل في كتاباته القصصية. وقد تَقَلَّد عددًا من المناصب ومن أبرزها عمله كمترجم لمحمد علي باشا (الحفيد).
وقد تأثر بالمذهب الواقعي الذي انعكس بدوره على كتاباته القصصية والمسرحية، وقد أثرى الساحة الأدبية والمسرحية باشتراكه في جمعية أنصار التمثيل، وقدَّم لنا مسرحيات تحمل طابع الكوميديا الاجتماعية منها مسرحية «العصفور في القفص» تلك المسرحية التي كانت سببًا في مجد ريادته المسرحية، كما قدَّم لنا مجموعة قصصية حملت اسم «ما تراه العيون»، وقد امتاز أسلوبه المسرحي ببساطة الحوار الذي يتسم بقربه إلى أفهام المتلقين، وقد وافته المنية عام ١٩٢١م، وهو لم يبلغ بعد سن الثلاثين. . منقول من مؤسسة هنداوي للتعليم و الثقافة
مسرحية غنائية باللهجة العامية تحتوي على الكثير من الألفاظ التركية التي يصعب فهمها. في مجملها بسيطة تعكس بساطة الفلاح المصري وصيانة للعشرة الطيبة، تظهر دموية التركي وحبه للقتل لأتفه الاسباب، الوالي التركي يقتل كل من يكلم زوجه، والمملوك المبروك يقتل أزواجه لاستبدالهن، اما جلبهار أو نزهة ابنة الوالي التي قذفتها امها في نهر النيل بعد والدتها واتخاذها لأحد اولاد الفلاحين ارضاء لزوجها، فتعيش في عشرة ومن ثم تقع في حب سيف الدين الفلاح البسيط الذي تبين أنه في ما بعد أنه امير ، ليقع صراع بين سيف الدين والمملوك حاجي بابا حمص اخضر ، لتدخل الكيماوي حزنبلي ويفضح جرائمه وصيانة للعشرة الطيبة الزوجات واسقائهن منوما بدلا من السم، ومروءة حسن الذي أخفى الرجال الخمسة لدى إحدى أقاربه بدلا من قتلهم صوتا للعشرة الطيبة نهاية جميلة ظهرت عندما تم تزويج الزوجات الخمسة المقتولات بالرجال الخمسة المقتولين. مسرحية قديمة تناسب أذواق الناس قبل مئة سنة.
صباح الخير. الساعة الآن السابعة وأربعون دقيقة، وقد أصبحنا في مقتبل سبتمبر حيث يبدأ الهواء تدريجيّا في التحول للبرودة استعدادًا لاستقبال الخريف ومن ثمّ الشتاء في مثل هذه الساعة من كل يوم. الأمر يا سادة يا كرام يعود إلى حين كنتُ في حوالي السادسة عشر من عمري حين كنت قد استخدمت جهاز كمبيوتر أحد من إخوتي خِلسةً في الغالب وسريعًا حتى لا يفتضح أمري وأُمنَع نهائيًا من استخدامه كي أبحث عن أغنية "التحفجية" لسيد درويش بصوته هو نفسه وليس بصوت أي ممن جاء بعده ليغنّيها، وهم كثيرون (لاحقًا اكتشفتُ أن زكريّا أحمد بذات نفسه قد غنّاها من قبل، ولكنّي قبل ذلك أردتُ أن أسمع أداء سيد درويش فقط). لم أجدها. ووجدتُ بدلًا منها على سبيل الصدفة البحتة أغنية أخرى فهمت حينها أنها لسيد درويش، رغم أن الصوت الرجالي البادي فيها لم يكن ينتمي له، لكنها أعجبتني على أية حال. سمعتها خطفًا ولما أعجبتني فحمّلتها على جهازي التيليفون (غالبًا ذاك الأسود الصغير ذو الأزرار ولكنه كان به خاصية متميزة وهي أن بداخله مكان يسمح بحمل كارت للذاكرة يمكنك أن تضع عليه ما تودَّ سماعه، وكانت الملفات السماعيّة على ذلك التيليفون لا تُقرأ إلا إذا كانت صيغة معينة وهي ال mp3 ولا غيرها أبدًا، مما ضايقني كثيرًا في البداية لعدم معرفتي إذ لِمَ كانت الملفات لا تشتغل بعد أن وضعتهم على الكارت بشكلٍ شبه مستحيل حينما لم يكن إخوتي ينتبهون أو كانوا ينتبهون ولكن سمحوا لي ببضع دقائق فقط، نظرًا لأني كنتُ صغيرة وفي المدرسة آنذاك فلم يكن يُسمَح لي بضياع وقتي أمام أجهزة الكمبيوتر_ ناهيك أني كنت أضيعه في شتى المجالات الأخرى عدا المذاكرة. أكانوا يحسبونني زويل القادم يا خيّ؟ لم أحب الدراسةَ يومًا إلا من اللغات الأجنبية، فكنت أعشقُها عِشقًا_ وصراحةً لم تَخِل عليّ أبدًا فكرة أنهم لا يريدونني أن أستخدم أجهزتهم لخوفهم على مستقبلي الدراسي، إذ أني كنت ببساطة أستطيع مثلًا أن أشاهد التيليفزيون أمامهم ولم يكن يبدُر منهم أي تعليق. ولكني على أية حال كنت أتمحلس وأتفحلص وأتملّق وأتسلق وأتظاهر بالمسكنة حينًا وبالتفوّق حينًا كَي يرضوا لي ببضع دقائق، وكان الطيب منهم يسمح لي من حين لآخر. حمدًا لله أني كبيرة الآن وأستطيع أن أستخدم الإنترنت في أي وقت. ولكن إذا كنتَ صغيرًا في المدرسة وتقرأ هذا المنشور، فاعلم يا حيلتها أني لم أصل لهذا الوضع من فراغ. فأنا الواشكة على بلوغ ربع القرن من عُمري قد انتظرتُ كثيرًا ومريرًا لتلك اللحظة. وما عليك أنت الآخر إلا أن تنتظر مثلي، أو أن تتعلّم أصول التملّق على إخوتك الكبار مثلي أيضًا.) وبعدما حملتُ الأغنية الجديدة على جهازي التيليفون، رُحت أسمعها وأستمتعُ بها وأذوب في طبقات من فوق طبقات من فوق طبقات من الاستمتاع. وكعادتي أني أشطحُ بخيالي بعيدًا حينما أستمع لألحان جميلة، تخيّلتُ نفسي في عوالم شتى. مثلًا تخيلتُ نفسي تارةً أتناول الفطور في حارة من حواري تركيا مع عائلة تركيّة لطيفة وكم تضاحكنا وكم تبادلنا القصص والحكايات سويًا، وما إن تنتهي الأغنية حتى تذهب معها تلك الأحلام بعيدًا وتتركني في غرفتي شاردة. فأعيدُ سماعها ثانيةً، فأتخيّل نفسي في ريفٍ مصريّ ذاهبةً للعمل مع الفلّاحات نغنّي أغاني الصبّاح في طريقنا إلى الحقل مثلًا. وهكذا رحتُ أدلل نفسي من حين لآخر بسماعها حين أردتُ أن أفصل من عالمي الواقعي المليء بالكتب والأوراق والكراريس والأقلام والكيمياء والفيزياء والجغرافيا المقيتة وامتحانات الشهر الباعثة للبطن كركبة لا يعلم بشاعتها إلا الله. وكان الوقتُ بين السابعة للتاسعة صباحًا وأنا ذاهبة مشيًا للمدرسة_حيث أنها لم تكن بعيدة، عشرون دقيقة تقريبًا من بيتي_ هو الوقت الذي أسمعُها فيه بشكل شبه يوميّ في الجو البارد والهواء القويّ قليلًا حيث أن آشعة شمس الصباح لم تكن قد انطلقت بعد. وكان قلبي ينقبض قليلًا مع اقتراب وصولي للمدرسة حيث تقييد الحريّة وتضييع جمال الصباح بين أربعة جدران وتمقيق الأعين في كتب ثنائية الأبعاد ذوات محتوى سخيف أبعد ما يكون عن اهتماماتي. أتذكر أن كل أربعاء كان لديّ مادة العلوم في أول حصتين مع "ميس سامية" العزيزة. كان لديها قانون لطيف جدًا (بالنسبة لي، ولكنه في الأصل كان يُعتبَر عقابًا للطالبات_حيث أن مدرستي كانت للبنات فقط، وكلنا نعلم أن معظم البنات دحّيحات، أي يحبّن المذاكرة، وإن لم يكنّ كذلك، فيكفيهن شرف التظاهر بذلك، وهو بأية حال كان عالمًا سخيفًا لم أكن أحب الانتماء له معظم الوقت_ وكانت ما أن تُعاقّب إحداهُنّ حتى تبدأ في سحّ دموع الشرف إلى أن تستعطف المعلمة فتعفيها من العقاب) وهذا القانون هو أن من تتأخّر عن الحصة الأولى أو من تدخل للفصل بعد أن تدخل المعلّمة، فهي محرومة من حضور الحصة الأولى. وبما أني معروفة طوال عُمري منذ أن كنتُ طفلة صغيرة أنّي لا أحترم مواعيدي. وكثيرًا ما اشتكى مني "عمو سيّد" سائق حافلة المدرسة لتأخري، وكثيرًا ما نهرتني أمي لأكفّ عن "المرقعة" صباحًا وأنا أتناول الفطور أو أمشط شعري أو أثرثر مع أخي، وكثيرًا ما عوقبتُ في المدرسة لوصولي متأخرة فكنتُ أقف بالساعات في مكتب الناظرة وأُحرَم من حضور اليوم الدراسي_ناهيك عن أن وقوفي لسويعات على قدماي كان أهون عليّ من الجلوس لساعات بدون حركة في فصل وأستمع لصوت أشبه بالمونوتون لمعلمةٍ ما في الغالب لم تشرب قهوتها بعد فتبدو أنها ليست في أفضل حالاتها_ آااه كم كنت أعشق الأيام التي تبدأ بحصة الألعاب كحصة أولى. ولكن لا. كلا! أنا أرفُض ذلك التعبير! أنا أحترمُ مواعيدي ولكني أتأخّرُ دائمًا. حقًا لا أعلم لماذا ولكن أحيانًا كنت أسهر الليل ولا أنم واشرب الكثير من المنبهات كي أتمكن من الذهاب مبكرًا عن الموعد المحدد، سواء أكانت حصة في المدرسة أو محاضرة في الجامعة أو مقابلة مع صديقة، أو حتى امتحان. ورُغم ذلك فكنت أيضًا أذهبُ متأخرةً. كانت_ ولا زالت_ هذه الظاهرة لي من عجائب الزمن. تقديري للوقت سيء جدًا جدًا. فكنت أذهبُ يوم الأربعاء لميس سامية دائمًا متأخّرة رُغم محاولاتي المريرة في البداية لعدم حدوث ذلك، إلا أني استسغتُ الأمرَ لاحقًا لأنني حينما كنتُ أُحرَم من حضور الحصة الأولى، كنت أصعدُ للسطح خِلسةً من دون علم "الدادات" حيث لم يكن أحد هناك (بالطبع لأن كلهن في الحصص الأولى يتلقين العلم) فأجلسُ على "ديسك" أو دكّة هناك وأستمتع بقليلٍ من الوقت الإضافي تحت السماء مباشرةً من دون أن يعزل بيني وبينها سقفٌ سخيف، ويلوح الهواء طرف طرحتي ويُداعب السقيع أرنبة أنفي فتبتلّ قليلًا وتبردُ أطراف أصابعي حتى يصعُب التحكم فيهم قليلًا ويخبطُ الهواء ظهري فأرتعشُ بلمحة بردٍ لطيفة. ما إن أصل إلى السطح كنتُ أشرعُ في فتح تيليفوني مجددًا لأشغّل الأغنية بعد أن أخبأتُ طرفي السماعة بعناية وحرص شديد تحت الطرحة حتى لا يظهر أني أضع سماعة في أذني وفي آخرها تيليفون وأستمع للأغاني أثناء الحصة الأولى، فينتهي أمري إذا وصل الخبر ل"ميس سلوى" ناظرة المدرسة. فكنت أحرصُ أن أُجري تلك العملية الدقيقة بسرعة وخفة حتى أتمكن من الاستمتاع بدقائق قليلة قبل الساعة التاسعة حيث بدء الحصة الثانية. وما إن أضغط زر التشغيل حتى تتراخى أعصابي وترتسم على وجهي ابتسامة وأبدأ في الاستجمام. كنت حينها أستمع لألحان تلك الأغنية التي حدثتكم عنها، فأحلق فوق سور المدرسة وأسافر إلى بلاد جديدة وأتعرّفُ في مُخيّلتي على أناسٍ لطفاء وأستمتع بالحديث معهم حتى أن أفيق من أحلام يقظتي بغتةً على الصُراخ المدوي لجرس انتهاء الحصة الأولى، فأقوم من مجلسي بامتعاض وأجرُّ قدماي على مضض وأستأذن للدخول لحصة العلوم وحينها كنت أبدأ يومي الدراسي بروتينه الممل وهكذا. توالت السنون وتقدم بي العُمر ودخلتُ الجامعة وتخرجتُ منها وبدأتُ عملي، وما إن أشعر بجو مشابه لجو الثامنة صباحًا حينما كنتُ أذهب للمدرسة وأستمعُ في طريقي لتلك الأغنية حتى أشعر بحنين لتلك الأيام وأريد أن أستعيد تلك الذكريات بسماعي للأغنية مجددًا، فأغنّيها بصوتي لأني لا أعرف اسمها، وذلك لأني حين حملتُ الأغنية من جهازأحد إخوتي في السادسة عشر، أغلقتُ الجهاز سريعًا قبل أن أعرف اسمها. فلما كانت على تيليفوني كانت بدون اسم حتى أن تَلَف كارت الذاكرة فلم أعُد أستطيع الدخول على ملفاتي السماعية من خلاله من بعدها. وحاولتُ البحث كثيرًا عنها لاحقًا ولكن بدون جدوى. ذلك حتى أصررتُ أن أتوصل لها مجددًا منذ سنتان مثلًا وكثفّتُ البحث. ووجدتُها! أخيرًا! يا لها من فرحة عارمة وقتها امتلكتني. عرفتُ اسمها أخيرًا. أستطيع أن أسمعها بعد كل تلك السنوات. سمعتُها وسعدتُ بذلك. واستعدتُ الذكريات وسعدتُ بذلك. وانغرمتُ بألحانها وأصوات المغنيين مجددًا وسعدتّ بذلك. وحينما بحثتُ عن كلمات الأغنية حتى أعلم ماذا يقولون بالضبط لم أجدها. بحثتُ كثيرًا ولم أجدها. ومرت سنة تلو أخرى. استيقظتُ اليوم مبكرًا حتى وجدتُ الهواء به نسيم جميل والشمس لم تستطع بعد. فصليت الفجر ومن بعده الضحى وقرأتُ سورة يس المحببة لقلبي ورتبتُ غُرفَتي وفتحت الشبابيك وأشعلتُ عود بخور كَي يكتمل مزاجي الصباحي. واتكأتُ على السرير وبدأتُ أقرأ في رواية جديدة لدوستويفسكي كنت قد أجّلتُها من الليلة الماضية لأن النُعاس قد غلبني فنمت. قرأتُ بعض الصفحات وذهبتُ لعمل كوب من القهوة كي "أُصَحصِح" (وكان ذلك قرار صائب إذ أنّ دوستويفسكي يتطلب ذهن حاضر لمعالجة الكمية الهائلة من الأفكار والعواطف التي ستمطرك حين تتسلم كتاب من كتبه). أخذتُ أشرب القهوة بجان�� النافذة وحينها أخذني الحنين لأسمع الأغنية. بحثتُ عن كلماتها مجددًا علّي أجدها هذه المرة، وكانت المفاجأة حين علمتُ أنها مسرحية مكتوبة اسمها "العَشَرة الطيبة"، ألّفها محمد بك تيمور باشا، ويُقال أنه من مؤسسي الأدب الققصي والمسرحي في مصر ومثلتها لأول مرة فرقة الكازينو دي باريس في مسرحها عام 1920 ثم أصبحت مسرحية إذاعية شارك في أدائها العديد من فناني مصر في القرن الماضي. لحظة ما علمتُ أن المسرحية في الأصل كانت كِتاب، هممتُ مسرعةً أبحث عن نسخة إلكترونية له. ووجدتُه. فحمّلتُه. فقرأتُه. فسعدتُ بذلك. آاه رائعٌ رائع. لن أحرق ما جاء بالمسرحية من أحداث ولكن فقط سأتكلم عنه بشكل عام. تدور أحداثها في مصر حين كانت لاتزال تقع تحت حكم الولاية العثمانية. جاءت المسرحية ناقدة ومستنكرة الحكم العثماني الاستعماري واضطهاد المصريين بكل خفّة ولياقة ولطافة وخفة ظل، وتناولت كيف وقف المصريون بجانب بعضهم بعضًا حتى تمكنوا من رد اعتداء شخصية (الوالي حاكم مصر) وشخصية (المملوك حاجي بابا حمص أخضر) على حُرُمات المصريين. قرأت المسرحية وسمعتُ النسخة الإذاعية منها وأدركتُ كم هي قديمة جُملة "عشان ما نعلا ونعلا ونعلا، لازم نطاطي نطاطي نطاطي" حيث أن المسرحية الإذاعية تستهل موسيقاها بهذا المقطع. الأغنية التي كنت أسمعها وأنا في المدرسة هي جزء من المسرحية الإذاعية المنقسمة لأجزاء، فأغنيتي هي أول جزء منها وهي افتتاحية المسرحية واسمها "فوقوا يا مصريين".
*** "فوقوا يا مصريين" من أوبريت "العشرة الطيبة" زجل: بديع أفندي خيري ألحان: سيد درويش غناء: شهرزاد في صوت ست الدار وآخرون. -- "الفصل الأول: إحدى ساحات قرية على ضفة النيل الغربيو بجوار الجيزة. بيت قروي على اليمين أمامه كومة من حطب القطن وعلى الشمال بيت آخر من طرازه ويتوسط الساحة شجرة توت باسقة تظلل أغصانها (شادوفًا) وقف عليه قروي يشتغل وينشد. (على الضفة الثانية يلوح قصر كبير أمامه كوبري من الزوارق يصل بين الضفتين) الوقت عند شروق الشمس. المشهد الأول: قروي. قرويات. ست الدار. صبي (لحن) فلاح: (مغنيًا) واحدة وّه بنت: (تتقدم صويحبات لها حاملات بلاليص) جدّمي ورا مني. فلاح: اتنين وّه بنات: هيلا ليصة هيلا ليصة فلاح: تلاتة وّه بنات: عوافي يابو حفني فلاح: يعافيك يا خالتي نفيسة (يسمع صوت ست الدار قادمة ووراءها غنم وصبي وكلب) غنم: ماء ماء ماء (صوت غنم) ست الدار: وله يا بخاتي فتّح عينك على غنماتي صبي: أهُمَّ مفتوحين فلاح: أربعة وّه ست الدار: شوف كام نعجة صبي: ديهده! راحوا فين الباقية؟ ست الدار: طول ماهو ورا خالتك الحاجة مميش أغا وقعتها طيبن. هات يا عزايم. هات يا كرايم. صبي: أتاري بهايم عبد الدايم راحو رشوة رخرين. فلاح: خمسة أوّه بنت: هي هئ فلاح: يا خرابي بنت: يوه حاتزحلق فلاح: ياه ياه ياه. أنا سُقت عليكوا سيدي الانبابي بلاش الأي والإيه والآه. فلاحين: (يدخلون حاملين أدوات زراعية) ما بقاش فاضل نعزق واصل، غير قيراطين من جبلي الفاصل حدا وابور الطحين. فلاح: (ينتهي من شغله في الشادوف) الحمد لله. وخلصنا. بنات: أقعد بالعافية. ماشيين. فلاح: وانتي مع السلامة يا حُسنة. يالّا يا حتة م المصارين. ست الدار: فوت بينا غادي م اليامّة دي (صوت كلب) يا فييييدووو كلب: و و و و (صوت كلب) ست الدار: حود عاليمين المزارعين والبنات: انضر يابوي عالنجف الأصلي النبي أحسن عالنساوين دي الفلاحة من دولة بمية م الكخيات المتنفخين قال يتغالبوا عما يعايبوا علشان موش متهندمين ولا هماش عارفين هو تلفنا وخلّانا شُفنا غُلب الغُلب غير التمدين فوجوا يا مصريين فوجوا يا مصريين فوجوا يا مصريين (يخرج الجميع)"
على الرغم من سماعي جميع أغاني أوبريت (العشرة الطيبة) عشرات المرات على مدار السنوات الماضية، إلا أنه لم يكن لدي إحاطة كافية باﻹطار الحكائي العام لحكاية اﻷوبريت وخلفيته التاريخية إلا بعد الاستماع مؤخرًا إلى النسخة التي سجلتها اﻹذاعة المصرية للأوبريت، باﻹضافة إلى حصولي على نسخة من اﻷوبريت نفسه ﻷجل الوقوف على التعديلات التي جرت على كلمات اﻷغاني، أو المشاهد التي تم تجاوزها ومقارنتها بما ورد في النسخة اﻹذاعية المتداولة، مع حصولي على معلومات تاريخية كافية عن اﻷوبريت من إحدى حلقات برنامج (مع نور الشريف).
صحيح أن الحكاية تبدو مغرقة في كلاسيكتها من خلال إتكالها الشديد على العنصر القدري واللجوء المفرط لعنصر المفارقة بطبيعة الحال نظرًا للزمن الذي كتبت فيه، إلا أن الشكل الغنائي للأوبريت يكسر من حدتها بشكل كبير.