" في هذه المجموعة توازن سمر نور بين عالمين، واقعي وغرائبي، كلاهما يبدو مرهونًا لحقيقة مفترضة ينطلق منها الأبطال في مسارهم اليومي والمتخيل. هناك دراكولا، وديناصور صغير، وبطلة خلف القضبان، وشاب منتحر لأسباب مجهولة، وراكب أتوبيس تلقى ضربة شمس، وفتاة عمياء تبحث عن مَن يقرأ لها الصحف. إنهم حقيقيون جدّا، وعبثيون أيضًا لأن كيانهم ككل يقوم على تركيب أسطوري لا يثق بالخيال وحده لذا ينطلق من أرض الواقع الصلبة ثم يعمل على تشكيل مفرداته الخاصة التي تتجلى في القصص وأجوائها حيث تكاد لا تخلو أي قصة من هذه المراوحة الضبابية، الناتجة عن وجود خلل ما أفقد الأبطال توازنهم الواقعي، هم ينطلقون من حقيقة ملموسة، معاشة، مرئية، لكنها منقوعة بدمار بين لذا يمضون بعيدًا بحثًا عن سلام ما، إلا أنهم يتعثرون بسبب انحراف غير مقصود قادهم إليه زلة حدث مفاجئ يعبر بهم من المنطق إلى اللامنطق والجنون. "
سمر نور روائية وصحفية وتعمل الآن كرئيس قسم الأدب في جريدة الأخبار صدر للكاتبة من قبل مجموعة قصصية وتشكيلية بعنوان "معراج" عن سلسلة إبداعات بالهيئة العامة لقصور الثقافة عام 2004، ومجموعة قصصية بعنوان "بريق لا يحتمل" عن دار ملامح للنشر عام 2008، ورواية بعنوان "محلك سر"عن دار النسيم للنشر عام 2013، ومجموعة قصصية بعنوان "في بيت مصاص دماء" عن الهيئة العامة للكتاب عام 2016 والتي حصلت على جائزة ساويرس في القصة القصيرة فرع كبار الكتاب دورة عام 2017، ورواية بعنوان " السِّت" عن دار العين للنشر، وشاركت بقصة "حفلة بينوكيو" في كتاب مختارات قصصية صدر بمناسبة ذكرى نجيب محفوظ عام ٢٠١٢ بمشاركة مائة كاتب مصري، وسبق لها نشر قصة "أحزان فرح" في الكتاب الفضى الصادر عن نادى القصة بمناسبة حصول نفس القصة على جائزة نجيب محفوظ عام ١٩٩٩، ونشرت قصصها في العديد من الجرائد والمجلات المصرية والعربية مثل جريدة أخبار الأدب وجريدة الحياة اللندنية، ومجلة الدوحة وغيرها. ترأس سمر قسم الأدب في جريدة أخبار اليوم منذ عام 2018 والتحقت سمر بجريدة الأخبار منذ عام ٢٠٠٩ و كما تعمل كمدير تحرير سلسلة 3 حواديت للأطفال الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب، وسبق لها العمل في جرائد ومجلات مصرية وعربية منذ عام ١٩٩٨، وحصلت على جائزة التفوق الصحفي فرع الصحافة الثقافية من نقابة الصحفيين المصرية عام ٢٠٠٨ للتواصل: summernour@gmail.com
مجموعة قصصية تضم ١٢ قصة تستعرض أغلب القصص حالة الوحدة والفقد التي يعيشها الإنسان ومحاولته لإيجاد المأوى والرفيق الذي يشبهه في مدينة كبيرة مزدحمة.
أكثر قصة أعجبتني هي: "غرفة تخص صبري وحدة" يحتاج كل إنسان إلى الاستقلالية والمساحة الخاصة لكي يُعبر عن نفسه لذلك فهو بحاجة إلى"غرفة تخصه وحده" كما أشارت فيرجينيا وولف قبل مئة عام تقريبًا، كذلك كانت تحتاج بطلة القصة إلى مساحة خاصة بها لتضع بصمتها الخاصة في الحياة، ومعها "صبري" النقاش الذي يهوى الرسم لكنه لا يجد المساحة الكافية في الغرفة التي يعيش فيها مع زوجته وأبناءه وأبوه الذي يعتبر الرسم جالب للشياطين ومحرم دينيًا. كانت ترى فيرجينيا وولف أن المرأة لكي تبدع فهي بحاجة إلى الاستقلال والمساحة لكن الصورة أكثر قتامة في مصر، حيث لا يقدر أبناءها نساءًا كانوا أو رجالاً على التمتع بالاستقلال الكامل بسبب عوامل عديدة أهمها العامل الاقتصادي والعامل الاجتماعي. فلو استطاع الإنسان المصري الفوز على العامل الاقتصادي فهو بالتأكيد لن يفلت من العامل الاجتماعي المتمثل في تحكمات الأسرة ونظرة المجتمع والقيل والقال. لذلك لا يستطيع الكائن المصري التعبير عن نفسه بشكل كامل إلا لو سافر خارج البلاد. لهذا السبب لا يمكن لأي شخص في هذه البلد إدعاء أنه يتمتع باستقلال كامل. أذكر أن سمر نور طرحت من قبل فكرة استقلال المرأة العاملة في رواية "الست".
القصة الأخرى التي نالت إعجابي كانت "ساندوتش وسيجارة" وأيضًا قصة "ابنة صانع التوابيت" و"أذن ترى وعين تسمع"
تقييمي: ⭐⭐⭐⭐
اقتباسات:
"لا أعرف! أنا فقط أعرف ما لا أريده، لكنني لا أعرف ما أريده"
"ولم تبحث عنه، كأن غيابه سيمنحها وسيلة للإنعتاق من أسره"
تبحث شخصيات الأديبة سمر نور القصصية فى مجموعتها "فى بيت مصاص الدماء" –الصادرة حديثا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب- عن تفسير مفهوم الاستقلال، وهذا ما نلاحظه فى بطلة القصة الأولى "غرفة تخص صبرى وحده" التى تحكى عن محررة صحفية تم تكليفها بعمل قصة إنسانية عن إنتحار نقاش أسمه صبرى، عندما تدخل المحررة مسرح الجريمة، وهو منزله التى يتكون من غرفة واحدة، و"جدران الغرفة المشقوقة ممتلئة عن آخرها برسوم ملونة وأخرى بالفحم، مناظر طبيعية لزرع وطيور وأشجار، جو ريفى ووجه فتاة صغيرة بعينين سوداوين واسعتين مكحولتين وشعر طويل أسود وغجرى، تتكرر صورتها فى أنحاء الجدار،فى أماكن أخرى من الجدار رسومات بالفحم لمجموعة من النسوة بأعمار مختلفة متشحات بالسواد جالسات فى وضع القرفصاء. شعرت أن هذه الرسومات الجميلة تتناقض مع روح المكان العشوائى بقذارته، والروائح المميتة و المنتشرة فى أركانه، وكأن مصدر جمال تلك الرسومات البسيطة هو وجودها بين كل هذا القبح المسيطر على الحارة المتربة".
بعدما تستجمع المحررة معلومات عن صبرى من خلال والده وزوجته وأصدقائه، تشعر بأنها كانت تحلم " بحياة أخرى مثل صبرى تماما، منذ تخرجت فى الجامعة ورغبتى فى الاستقلال عن الأسرة ملحة، رغم أن أسرتى مكونة من ثلاثة أبناء وأمى وأبى فقط. كانت لدى رغبة فى الحياة بمكان يخصنى وحدى تحكمه قوانينى ولا يتحكم فيه أحد غيرى، أمارس فوضويتى أو نظامى الذى لا يعجب أحدا، وأعرف ما أريده لحياتى دون ضغوط وحسابات لأحد غيرى".
وكذلك بطلة القصة الثانية "ساندوتش وسيجارة" التى تجد أصدقاءها يتدخلون فى حياتها الشخصية، وكيفية أختيارهم للشحص الذى سوف ترتبط به فى المستقبل، و ينبهونها بأن ترتدى ملابس يناسب عمرها لأنهم يرون ملابسها تليق ب"لبس العيال".
الانسان دائما يحاول العثور على الاستقلال حتى يكون متميزا عن الآخرين، ولا يكون عضوا تابعا لأصدقائه أو زملائه فى العمل أو عائلته، وهذا ما حدث فى داخل قصة "فى بيت مصاص الدماء" عندما أحتل دراكولا الشارع الذى تقطن فى الشخصية الرئيسية، ويحاول جماعته كل سكانها إلى جماعته، ولكنها ترفض أن تشارك "رفضت أن تشارك فى حفلة الطعام الليلية. لم تقبل الانطلاق فى شوارع المدينة وبيوتها لامتصاص الدماء، لكن مصاص الدماء لم يتركها وحيدة فقد أمره دراكولا أن يستضيفها فى بيته لتعليمها القواعد علمها كيف تكون مصاصة دماء حقيقية".
لكن عندما يستقل الإنسان بحياته الشخصية، هل سوف يشعر بالوحدة، وبأنه شخص على وشك الانقراض مثل الديناصور الذى كان موجود فى قصة "ثالثهم ديناصور" بأنه سيكون على وشك الاختفاء من الكون، أويكتشف أنه مثل الراوى فى قصة "مقعد فى الأتوبيس" عندما قال: كنت مهرجا محترفا يجيد السير على الحبل الرفيع المتاح لأمثالى استخدامه. تعلقت بالخيوط التى تشدنى إلى سماء ما وتمنحى أملا فى حيز تحت الشمس الموعودة. يتحكم العجوز فى أقدار كل العاملين بالمكتب، الجميع يحيطون به. يقتربون منه. لم أكن سوى ترس فى آلة الخطط والدسائس التى تستهدف رأسه الثمينة على حساب من يترفع عن الدوران (رأسى تدور لكننى أملك مقعدا وأستطيع إلقاءها على مسندة) بينما يستمتع هو بلعبته الأثيرة مراقبة الجميع ينشغل بمن حوله بعيدا عن مقعده الوثير. لم أكن سوى إنسان كما تقتضى معايير المدينة الإنسانية، المهم".
المجموعة خارج سياق الكلام عن المعايير النقدية ( بالطبع هي جديرة بالمناقشة من تلك الزاوية) هي عمل محبب لنفسي.. قدرة الأعمال على إاعدتنا لذكريات وتواريخ بعينها في حد ذاته معيار شخصي لجودتها وأصالة تجربة أصحابها، العمل أعادني بسلاسة وهدوء لذكريات بديعة ، في أوائل الجامعة، القصة الأولى " غرفة تخص صبري وحده" هي أقوى تجارب المجموعة وأكثرها قدرة على التأسيس لحجم قدرة القاصة على الحركة بين زمنين للقص، رسم الشخصيات وخصوصا الخادمة والمقارنة بينها وبين رسومات صبري لها على الحائط، تبيان واضح لمدى تمكنم القاصة وتشبعها بحياة الشخصيات في قصتها، ( أذن ترى وعين تسمع) واحدة من أجمل تجارب المجموعة وفكرة منح القارىء للتفاصيل بإدارة سلسة وهادئة دا نجاح كبير للقاصة، والحقيقة ايضا ان كل التفاصيل النقدية أراها بلا جدوى أمام الأعمال الحيوية والحميمية التي تقدم لنا وجبات دافئة من الحنين لكل شىء سواء في الماضي الذي رحل بلا أمل في استعادته أو الأمل في مستقبل يستوعب أحلام أصحابه، والحقيقة ان ده المحرك الحقيقي والدينامو الخاص بمشروع سمر نور الجدير بالقراءة والحب قبل القراءة
مجموعة قصصية مميزة تبدأ فيها الكاتبة على الأغلب بحدث بسيط وأحيانا واقعي ثم سرعان -وفي سرد بديع- ما ينفتح على عوالم من الخيال والفانتازيا وقضايا وهموم إنسانية جامعة، يختلط فيها الواقعي بالمتخيل والفردي بالجماعي... قصص تبحث عن الحرية والحياة وتحارب في شجن، مع اهتمام بالتفاصيل... ودائما الجمال يقطن في التفاصيل.. أدعو لقراءتها في أناة...