أعترف فى بداية هذه المراجعة أننى كحال الكثيرين أكره هذا الكائن المدعو الغراب وأعتبره نذير شؤم ولا أحب أن أراه فى أى مكان,لأننى كثيراً ما صادفته وكان فألاً سيئاً عندما كنت أراه دائماً فلم أسمعه ينعق قبل أى إمتحان إلا ووجدت الامتحان صعباً وبمجرد أن تقع عليه عينى فى بداية اليوم حتى أتيقن أن اليوم لن يمر سهلاً يسيراً, على الرغم من أن هذا الطائر هو المُعلم الأول للإنسان كيف يوارى سوءة أخيه, وعلى الرغم أيضاً من الذكاء الحاد الذى يتمتع به الغراب, وأتعجب حتى بعد الانتهاء من الرواية من سر اتخاذ بطل الرواية للغراب كتحول وليس أى نوع آخر من الطيور فهى كثيرة وتؤدى الغرض.
نعود سريعاً إلى مراجعتنا عن هذه الرواية (صوت الغراب) للكاتب المصرى عادل عصمت والذى لم يذيع صيته إلا بحصوله على جائزة نجيب محفوظ للرواية, عن روايته حكايات يوسف تادرس, نجح الكاتب منذ السطور الأولى للرواية فى جذبى للقراءة بشكل خفى لدرجة أننى أنهيت قراءة الرواية فى جلسة واحدة, كما نجح الكاتب فى رسم صورة ذهنية كبيرة للقارئ عن عائلة (البرّى) الطنطاوية وشخصياتها وكيف أن التاريخ يعيد نفسه من خلال أشخاص جدد كى تجرى أحداث قديمة على أيدى أبطال جدد كما يلى:
صلاح وظله المستقبلى حسن: الأخ الأكبر والقائم على تجارة أبيه والمحافظ على شكل الأسرة ومظهرها أمام الناس والرافض لسفر أخته للقاهرة للعمل كما فى حالة حسن/ أو لزواجها من ابن أحد العمال كما فى حالة صلاح والرافض لممارسات أخيه التى تلطخ سُمعة العائلة والطامع فى إرث أبيه لإحساسه بأنه صاحب التجارة فى حياة أبيه وبعد وفاته.
الحاج عبدالسلام وظله محسن: الأخ الأوسط والطبيب, لا يستطيع الاعتراض على أفعال أخيه الأكبر حسن ولا يستطيع إنقاذ أخيه من وحدته وشروده وعزلته .. هو إختصاراً الأخ السلبى عديم الشخصية.
بطل الرواية: المنعزل عن أخوته من صغره لا يشاركهم لعباً أو هواية, وجد ضالته فى مراقبة الناس ومراقبة أدق تفاصيل حياتهم, تتبع الجيران من خلال عدسة المنظار الذى اشتراه بعدما سرق ثمنه من أخيه حسن, تلك كانت أولى اللحظات التى يكتشف من خلالها أن الحياة هى ليست ما يعيشه, وأن ما يعيشه هو ستارة تغطى سراً أكبر وأن السر يكمن فى اللحظات التى يسرق فيها النشوة والتى تمثل حياته التى لا تعدو كونها –من وجهة نظره – فقاعة ما تلبث أن تنتهى بانتفاخها, كما أن حلمه بالطيران لم يكن إلا حلماً بكسر قيود العائلة وقيود الأخ الأكبر والتحرر من كل شئ وكأنما يُعيد مشهد انطلاقه بدراجته فى شارع الجلاء بعد وفاة عمته سعاد.
كانت شقة خالة بطل رواية - مجهول الاسم – هى ملاذه من صراعات أخوته ومن ضجيج أبناءهم, استقبل بها أصدقاؤه توفيق – إبراهيم – مجدى على اختلاف توجهاتهم كما استقبل فيها معشوقته ابتسام والتى وجد فيها إشباعاً لشهوته ووجد فى ابنها منه والذى أجهضته ابتسام قشة يتعلق بها غريق فى بحار الحياة ولكن ما لبث أن تبخر هذا الحلم أو بالأحرى وميض الحلم.
شخصية بطل الرواية معقدة, إنه فى أشد الاحتياج للمال ليبدأ حياة جديدة بعيداً عن أخوته الذين لا يحس بينهم وبينه أية روابط ثم أنه ينكر استحقاقه لميراثه من أبيه لمجرد صلة الدم ويرى أن المال يجب أن يذهب لمن يحتاجه لا لمن هم الأقربون, ويكره تصارع أخوته ومن قبلهم أبيه وعمه صلاحعلى الميراث ويرى أن أكبر أبواب الكراهية والشر تنفتح بسبب الميراث فكره الميراث.
العمة سُعاد وظلها المستقبلى الأخت الصغرى مريم: تفوقت فى دراستها للآداب ورغبت فى إستكمال دراساتها العليا والعمل فى القاهرة لكن أصطدمت بتقاليد وأعراف أسرة التجار وبقلة فهم أخيها حسن وسلبية أخيها محسن التى كادت تودى بحياتها مثلما فعل عمها صلاح بعمتها سعاد ولكن نجت مريم من مصير سعاد بقوة عزمها وإصرارها على بلوغ غايتها.
سبب تقييمى للرواية بثلاثة نجوم أنه ربما قرأت القصة مراراً وتكراراً فكرة أن التاريخ والأحداث تُعيد نفسها كما أننى قرأت فكرة التحول تلك فى الرواية كافكا الرائعة التحول والتى تحول فيها بطل الرواية لصرصار أو حيوان زاحف مشابه تحت ضغوط الحياة ومتطلباتها وقسوتها وقهرها, فلم تكن الفكرة بالنسبة لى جديدة أو عبقرية لكن ما جعلنى أحب الرواية هو طريقة السرد السلسة والرائعة والجاذبة التى لا تفلت التركيز طوال وقت القراءة كما نجح الكاتب فى عمل ضفائر سردية متشابكة ومتشابهة بين الماضى والحاضر وانتقل بينها بكل سلاسة.