أحد الكتب ضمن سلسلة مدة القراءة الطويلة، وأنهيته اليوم، وهو يناسب هذه السلسلة من حيث هو سِيَر كثيرة جميلة لعلماء الغرب، مع تقسيم أبوابه بشكل يدرج علماء الفيزياء في باب، والكيمياء في باب، والفلك في باب، وهلمّ جرًا، ومع أن الكتاب قديم للغاية (1935)، إلا إنني سعدت بتوفّره على الشبكة، وسعدت بقراءته الممتدة، وما هذا إلا لأن أسلوب كاتبه (فؤاد صرّوف) يخلب الألباب، لتجد نفسك تقرأ - مثلاً - في اهتمام بالغ كيف رتّب موزلي العناصر في جدوله حسب أرقامها الذرية
فأسلوبه عربيّ مشرق وذو نزعة حسنة إلى تعريب المصطلحات العلمية التي يعجّ بها الكتاب (مع ذكر اسمها الأعجمي)، وكذا لطريقة العرض الشائقة التي كان يتحدث بها عن الشخصيات، أو حسن العرض والتلخيص، وكان أغلبها أن يبدأ أول ما يبدأ بذكر أحداث اليوم البارز في التاريخ الذي أُكتشف فيه أو أُعلن فيه عن الاكتشاف، أو كُرّمت فيه الشخصية المشهورة، ثم يعود القهقرى ليروي كيف وصل هذا الشخص إلى ذلك المشهد البارز في حياته
وكذا لأنه كان يربط المكتشفات بعضها ببعض في رحلة اكتشاف أو استنباط أو اختراع ذلك العنصر، أو تلك المادة، أو استخدام الكهرباء، أو أشعة الراديو، أو الطيران، أو ذلك القانون الفلكي، أو الرياضي، أو غير ذلك من الذي يذخر به الكتاب، بحيث يتبدّى في النهاية أن هذه الرحلات لم تكن قط نتاج مجهود فردي أو ضربة حظ عمياء مهما بدا الأمر كذلك من الوهلة الأولى، وإنما كان كل جيل يقوم على ما توقف عنه الجيل الفائت ويبني عليه ويخطئ ويصيب إلى أن ينجح في مسعاه، ورُبّما أتت هذه الصدفة في تاريخ العلم بعد قيام هذه الشخصية بمئات وألوف التجارب قبل أن تُوفّق إلى إيجاد بغيتها بشكل يشبه "الصدفة" وإن لم تكن هي قطعًا!، ولا سيما وقد أصبحت على يقين أن العلم لا يُنال بسهولة، وإنما يعطي بعضَ نفسه لمن وهب كلَّ نفسه له، إلى درجة يُحسّ معها أن أولئك العلماء مسخّرون لا مخيّرون في اختيارهم وسيرهم في الطريق الذي أدّى إلى اكتشاف هذا الأمر التي أفادت منه البشرية