استلهم السير/ دونالد هولي فكرة الكتاب من "حكاوى كنتربري"* الشهيرة، وهي مجموعة من القصص ألفها الشاعر الإنجليزي جفري تشوسر** باللغة الإنجليزية الوسيطة التي نسبت إليه فيما بعد، وشاع استعمالها في الفترة ما بين 1100-1485م، وتعد هذه الحكاوى من روائع الأدب الغربي. لقد جمع جفري تشوسر تسعة وعشرين شخصاً من مختلف طبقات المجتمع في العصور الوسطى، وعبر معهم نهر التايمز في رحلة حج إلى ضريح القديس توماس بيكيت*** في كنتربري، ووافق كل منهم على أن يحكي حكايتين في رحلة الذهاب، وحكايتين في رحلة الإياب تزجية للوقت. غير أن تشوسر لم يكتب منها سوى أربع وعشرين حكاية، ومنها أربعة لم تكتمل. تتضمن الحكايات وصفاً دقيقاً لمظهر أولئك الحجيج، وحياتهم الخاصة، والموضوعات المختلفة التي تطرقوا إليها، والتي يدور معظمها حول الحب، والزواج، والوفاق الأسري، فجاءت مرآة صادقة لشخصياتهم، مع نقد لاذع لمساوىء الكنيسة تجسد في شخصيات الراهب، والناسك، وبائع صكوك الغفران، ولعل محرر الكتاب عندما اختار عنوان (حكاوى كنتربري السودانية) كان يرمز بذلك إلى تشبيه المشاركين في تأليفه بأولئك الحجيج. *Canterbury Tales ** Geoffrey Chaucer *** Saint Thomas Becket
كتاب أكثر من رائع وروعته تكمن في كونه سجل لفترة الأستعمار يؤرخ لحكاوى بعض الموظفين الأنجليز من مجالات مختلفة بعيداً عن السياسة وغيرها، حكايات أنسانية زاخرة بتجارب مذهلة. الكتاب يعطي لمحة عن السودان في زمن الإستعمار بعيون أنجليزية ومن خلاله نرى شكل الحياة وطريقة الحكم - من زاوية اجتماعية - وشكل المجتمع الأنجليزي المقيم في السودان وتداخلاته مع المجتمع السوداني . تعدد مجالات المشاركين في الكتاب وتعدد المناطق التي عملوا به يعطي القارئ مساحة لمعرفة أماكن مختلفة ومصالح حكومية مختلفة حيث يتضح الفرق بين المدن والأرياف والشمال والجنوب والشرق والغرب. أستمتعت بقراءة الكتاب لكني أتمني أن تتاح لي الفرصة لقراءة ثانية أكثر عمقاً أنصح به المهتمين بالتاريخ ومحبي القصص لأن الحكيات المسرودة رغم واقعيتها لكنها مثيرة وجميلة.
قال المترجم في مقدّمته: لفت نظري في أواخر عام ١٩٩٩ مقالات للدكتورة منى الماحي نشرت بصحيفة الخرطوم، التي كانت تصدر آنذاك من القاهرة.كانت المقالات تلخيصاً جذاباً لكتاب حكاوي كنتربرى السودانية، وبعد أسابيع قليلة وصل إلينا في مسقط الأخ الدكتور حسن أبشر الطيب، زوج الدكتورة منى، في زيارة قصيرة، فعبرت له عن إعجابي بالمقالات، وعن رغبتي في اقتناء نسخة من الكتاب، فوعدنى خيراً، وبعد ثلاثة أيام فقط من عودته إلى القاهرة تفضّل مشكوراً وأرسل إليَّ نسخته الخاصة، وألح عليَّ أن أفكر جدياً فى ترجمة الكتاب.
قرأت الكتاب، وتملكني شعور قوي بضرورة ترجمته إلى اللغة العربية لأسباب عديدة أود أن أجملها في خمس نقاط:
أولاً: يضم الكتاب بين دفتيه مجموعة من المقالات في شكل حكاوي رواها موظفون بريطانيون عملوا في مختلف مهن الخدمة المدنية بالسودان أثناء فترة الحكم الثنائي الإنجليزي المصري، وهى بالتالى تؤرّخ لفترة هامة من تاريخ السودان قد تفيد الباحثين والعاملين في الخدمة المدنية بفروعها المختلفة.
ثانياً: حرص رواة هذه الحكاوي بشكل عام على عدم الانزلاق فى الشئون السياسية، وسجل كل منهم انطباعاته وملاحظاته وتجربته الشخصية من الناحيتين المهنية والاجتماعية فقط، في تجرد وصدق بائنين، مع إضافة بعض اللمسات الإنسانية.
ثالثاً: لقد عمل هؤلاء الأشخاص في السودان فى ظروف بالغة الصعوبة من حيث وعورة الطرق، وبدائية وسائل المواصلات (الجمل والثور واللورى أخيراً)، ومحدودية الخدمات، وتفشى الأمراض فى كثير من المناطق النائية، ولكنهم بالرغم من ذلك كانوا يؤدون واجبهم بحيوية دافقة، وبمستوى عال من المسئولية يصلح أن يكون نموذجاً يحتذى به في تقديس العمل واحترامه.
رابعاً: استرعى انتباهي أن اختيار هؤلاء الأشخاص الذى كتبوا هذه الحكاوي وغيرهم من الموظفين البريطانيين الذين عملوا فى السودان لم يكن عشوائياً، فكانوا جميعاً يحملون مؤهلات أكاديمية عالية، ويخضعون لاختبارات قاسية، وفوق ذلك كله يُفرض على كل منهم اجتياز امتحان خاص فى اللغة العربية إذا أراد الترقي والاستمرار فى وظيفته، وقد ساعدهم ذلك على تقوية علاقاتهم الاجتماعية والمهنية، بل وأجرى الكثيرون منهم بحوثاً علمية في مجالات تخصصهم، وأعتقد أنه قد حان الأوان لإحياء هذه القيم السامية إذا ما أُريد لخدمتنا المدنية فى السودان أن تنهض من كبوتها وتقف على أرجلها من جديد.
خامساً: قد يكون في ترجمة هذا العمل إلى اللغة العربية حافزاً للكثيرين من حالات الخدمة المدنية السودان. الذين عملوا مع البريطانيين فى تلك الفترة، لكتابة مذكراتهم تكملة للصورة، وإثراءً لتاريخ تلك الحقبة التاريخية الهامة.
والكتاب جدّ جميل، وهو بهذا مجموعة من الحكاوي، أو الحكايات التي استكتبها محرر الكتاب البريطاني، لبني وطنه من الموظفين العاملين في الحكومة البريطانية في السودان أيام احتلالها لها، لكتابة صفحات سيرية عن سنوات خدمتهم في السودان، وهي عشرين قصة، أو شخصية، وزمنها الغالب يقع ما بين الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، أو من الحرب العالمية الثانية، إلى بداية الخمسينات وما أخذ يحدث من سَوْدَنة السودان ولملمة الاحتلال لذيوله، وجميعم، مع ذلك، استعماريون، ففي القصص الكثير من الصورة النمطية التي قد يتوقّع قارئ الكتاب الإنجليزي وجودها في كتاب عن الوجود الإنجليزي في السودان، الأفيال والتماسيح والأسود والصيد البري، والقبائل البدائية، والزعماء الروحيون، والملابس القليلة التي بالكاد تستر العورة، والأمية المتفشّية والأمراض والبعوض وذباب التسي تسي - وفي المقابل سترى سبب إعجاب هؤلاء الموظفين الاستعماريين (إن سميّنا الأسماء بمسمّياتها) بتكليفهم بالخدمة في السودان على سائر أماكن الامبراطورية البريطانية الأخرى، وهو سبب متمثّل للأسف أنه تكليف مريح وفي مقارّ إقامة استعمارية مريحة! فلم تكن بها قلاقل، وآخر ثورة كانت قبل عشرين سنة من مجيئهم، في الأربعينيات وما حولها، وكانت الأوضاع الاحتلالية قد استقرّت واتسمت بالهدوء، فهؤلاء كانوا فعلاً مجرد موظفين، حتى "حكاية الجندي" في هذا الكتاب، كان القتال الوحيد الذي ذكره فيها من أيام خدمته في البلاد أيام الحرب العالمية الثانية، هو قتال الإيطاليين في أثيوبيا وأطرافها!
فلا أفهم صدقًا، مع جمال هذه الحكايات، لماذا كان هذا الاعتناء بنقلها وكأنها مهمة قومية، فهي قصص رجال استعماريين بيض بجلاء، وإذا أتيح لي تحرير هذا الكتاب وحذف كلمة السودان وأسماء مدنها من كل مرة جرى ذكرها فيها، وإبدالها مثلاً باسم بلد متخيّل يوحى نطقه البدائي بوجوده في أدغال أفريقيا، فلن يشكّل الأمر أيّ فارق، فليس في الكتاب من ذكر لتاريخ اجتماعي أو ثقافي للبلاد، أو ذكر لحضارة عالية لها سابقة ورثت منها بعض أمجادها، أو ذكر سمات متفوّقة في أبناء البلاد وتعليمهم، لا شيء من هذا على الإطلاق، بل فقط مجرد ذكر أن رجال البلدة ونساءها يرتدون كذا ويتزينون كذا ويركبون كذا ويمتهنون كذا وكذا من المهن البدائية، وستظل مع ذلك نفس القصة: رجل ابيض استعماري نزل لينشر النور والسلام والمدنية والتمدّن والحضارة في ربوع القارة السمراء!
يغلب علي الكتاب روح استعمارية ولكن لا يمكن لوم شهود العيان بقدر لوم السودانيين القائمين علي ترجمته وإخراجه للعربية كونه يحمل اتهامات مبطنة للحكم المصري السابق وفساده المزعوم وكأنه حكم الانجليز للسودان هو الخيار الامثل وكأن السودان استحالت جنه عدن اخت حكم هؤلاء الذين اهتموا بالزراعة ومحاربة الآفات والدفاع عن الحدود ضد الإيطاليين ولذا وفر لهم أبناء البلد الطيبين الناموسيات والنمليات عوضا عن طهي الطعام والالتحاق بالجندية والذكريات الإنجليزية لا يمكن نكران مرحها مع تخيل سهولة الحياة كمستعمر ولكن كيف عاش سكان البلاد مع تمزيق وحدتهم وتشتيت أفكارهم وتناحرهم الطائفي والعرقي حتي يومنا هذا مع رحيل المستعمر ؟!
Fascinating and somewhat nostalgic for me, though the feeling is tempered with annoyance at the paternalistic attitudes and benign racism of the former officials and their relations who were interviewed. Nevertheless it’s a record of the extraordinary place that the Sudan occupied in the British Empire so that’s something.