يتكون الكتاب من مدخل وبابين، جاء المدخل بعنوان "التفكيك.. خيانة مؤقتة وخطأ ضروري"، انتهى فيه المؤلف إلى أن التناقض سمة ملازمة للتفكيك ومصاحبة له دومًا لذا يؤمن البعض بأن أية محاولة لتلخيص ما يقوله دريدا، هي "تزييف لمشروعه"، لكنه التزييف الذي لا محيد عنه، بتعبير جوناثان كلر، لأن مجرد تحديد معناه يعني ارتكاب خطأ "الخطأ الضروري" الذي يحول المرء عن تحديد معالمه، فلا مهرب من أن نقول مع التفكيكيين بأنها غير قابلة للتعريف، ولا مفر من أن نقول - معهم- أيضًا: إن عملية المفهمة حتمية، حتى إن كانت خطأً، فلابد أن نرتكب الخطأ الضروري، وكما يرى دريدا أن أية محاولة لإبطال مفهوم من المفاهيم محكوم عليها بالوقوع في شراك المصطلحات التي يعتمد عليها هذا المفهوم. وحسبما جاء في كلمة الناشر على غلاف الكتاب الذي تألف من 208 صفحات من القطع المتوسط، فمدحت صفوت ناقد يملك القدرة على الوصول لأساسيات الشىء، فلا يبهره البرّاق منها ولا يخدعه السراب ولا تعيقه الأتربة المنثورة على الأغلفة القيّمة، وفي نقده يسعى ليصنع حلقة مكتملة من الفن الذي يستطيع من خلاله إعادة بعض الطمأنينة المتسربة من الواقع المعاصر. وفي زمن المعاناة النقدية الذي نعيشه الآن نكون عادة بحاجة لنقاد لا يتعاملون معه بصفته "أكل عيش" لكنه "النقد" طريقهم الأكثر وضوحًا للوصول للحقيقة ومحاولة إعادة بناء المجتمع المأزوم، ومدحت صفوت يفعل ذلك بآليات مناسبة للنصوص العربية فلا يقهرها ولا يجاملها لكنه يقرأها ويكشف أضغاث أحلامها. ويستجلي الباحث حدود وآفاق الفضاءات السيسوثقافية للخطابات التفكيكية في الباب الثاني، كما بحثَ عن آليات مفهومين داخل الخطاب التفكيكى وهما: المصلحة والسلطة؛ مصلحة الباحث التفكيكي وخطابه معًا، والسلطة التي تقاوم أو تساند تلك المصالح، مؤكدًا أن المصلحة قد تكون هدفًا ماديًا أو معنويًا، خطابيًا أو واقعيًا، ومشيرًا إلى إمكانية تحديد طبيعة الأهداف "المرامي" وتصنيفها من الناحية القانونية والأخلاقية، إلى مصالح مشروعة وأخرى غير مشروعة، إلا أنه يتعذر بشكل كبير مثل هذا التحديد/ التصنيف في مجال الدراسات النقدية واللغوية. وفي سبيل تحديد المصلحة والسلطة انطلق من الخطاب نفسه إلى الشروط السياقية لإنتاجه، ما يعني الإشارة إلى أهمية الربط بين العلائق الخطابية والفضاءات غير الخطابية "السياقات الاجتماعية، السياسية، والثقافية". مع التركيز على كشف "النسق المضمر" للخطاب التفكيكي، وذلك بتحديد مواضع الإيديولوجية المضمرة، غير المعلن عنها في الخطاب، وهو ما تتطلب الاتكاء على قراءة البنية الداخلية للخطاب النقدي، ووضعها في إطار السياق الثقافي الاجتماعي؛ ذلك لأن أي خطاب معرفي يستمد عملية تواصله السيسوتاريخي من جملة المعطيات غير النصية، وتتوسع آفاق فضاءاته من المشاركة مع الخطابات الأخرى "التاريخية، السياسية، الاقتصادية.. إلخ"؛ فالخطاب النقدي يتجاوز كونه "مرمى فكري"، وإنما يعد "فعالية" تمرر في الواقع، وتتبعها فعالية اجتماعية تطمح في التغيير والبحث عما هو أفضل دائما.
Literary critic and journalist writing for several Arab newspapers and online media. With a Master's in Arabic literary criticism, Medhat writes on various social and political issues, with a special interest in Arab affairs and a particular focus on Palestine and the Arab-Zionist conflict, civic rights, social justice, political movements and alternative media. His writing is controversial and thought-provoking, challenging social and political realities that hamper individual freedom and human rights. Medhat is also an active literary critic who has presented and discussed numerous contemporary books and writers.
يحتاج الكتاب لقارئ متمرس كي يتفاعل معه، ويراهن المؤلف على الوعي العميق للمتلقي المتسم بالإخلاص المزدوج، كما ينشد جمهورا يتحرك ذهنيا بأكثر من سرعة وفي أكثر من اتجاه، لذا طبيعي أن يرفضه الوعي المسطح والمتسمون بالكسل العقلي.
من أهم كتب النقد اللى صدرت فى الفترة الأخيرة، الكتاب احتوى على توضيح لاستراتيجيات التفكيك لبعض أشهر المفكرين الغربيين والعرب.. كمان قدم بعض التعريفات المهمة من خلال منهج علمى وأكاديمى متميز
يقف العالم العربى ومفكروه، فى كل الأحيان، موقفًا متحيرًا من النهضة الفكرية والعلمية فى الغرب، فلا هم بقادرين على المضى خلفه، ولا هم بمستطيعين الاستغناء عنه وصنع أفكارهم الخاصة دون اتباع ما انتهى إليه مفكرو البلاد الباردة من نظريات وأفكار فى طريق الحداثة. فبين اتباع الغرب أو النأى عنه والنظر للداخل، يعيش مفكرو الحداثة العربية على الدوام فى مُعْضِلة صعبة، فلم ينجزوا أفكارهم الخاصة، ولم يبدأوا من النظرية الغربية وأضافوا لها، بل لم ينقلوها نقلًا صحيحًا وفهموها فى سياقاتها فهمًا مفيدًا، وهذا ما يرصده الناقد والباحث مدحت صفوت فى كتابه "السلطة والمصلحة.. استراتجيات التفكيك والخطاب العربى" الصادر مؤخرًا عن الهيئة العامة للكتاب. ففى كتابه الجامع بين العمق من جانب، والمتعة وسهولة إيصال الأفكار بعيدًا عن اللوغريتمات النقدية من جانب آخر، يتتبع صفوت تلقى المفكرين العرب لإحدى أكثر الاستراتيجيات النقدية إشكالية فى الغرب، وهى استراتيجية التفكيك، فما بالك بتعامل العرب الناقلين والفاهمين لها! ويخوض الكتاب رحلة معرفية عميقة، نتوقف أمام إحدى محطاتها، وهى "نقد التفكيك"، وبعد انتهائه من عرض ما يتعلق بالتفكيك فى القارة الأوروبية وأمريكا، يعود الباحث أدراجه إلى وطنه العربى، ويستقصى جهود رجال الفكر ونقاد الأمَّة فى ترجمة الاستراتيجية "الغامضة"، والأخطاء التى وقعوا فيها. ومن النقاد العرب الذين استعدوا التفكيك واستخفوا به، المفكر عبد الوهاب المسيرى. ويبدأ الناقد الشاب مسيرة محاكماته لتلقى المفكرين العرب للتكفيك بـ"عبد العزيز حمودة"، وينظر إليه فى ضوء نظرته للمشروعين الحداثى وما بعد الحداثى الغربيين بأنهما "مؤامرة على العرب وتراثهم" وبأن المخابرات الغربية تقف خلفهما وأنهما محض نتاج للممارسات الغربية فى الشرق. ينتقل مدحت صفوت بعد ذلك لمهاجمة عبد الوهاب المسيرى للتفكيك، فى إطار وقوع "ما بعد الحداثة" فى أطروحته لـ"العلمانية الشاملة"، ويصل به الحال لاتهام جاك دريدا بأن أصوله اليهودية تقف خلف أفكاره، فهو حسبه "المفكر فى أمور لا يمكن التفكير فيه" مثل القضاء على النصوص الأصلية المقدسة الثابوتية، ومثلما فعل "المسيرى" مع دريدا فعل "حمودة" الذى وصفه بـ"خاقان التفكيك الأكبر"!! ويتوقف المؤلف أمام تناقضات المسيرى الذى أسهب فى تأثير اليهودية على بلورة دريدا للتفكيك، وربطه بين الاستراتيجية والقبالاة "التصوف اليهودى" ليعود مشددا على أنه من عدم الممكن فهم فلسفة دريدا إلا فى سياق تاريخ الفلسفة الغربية، ورغم وجود أفكار تفكيكية وما بعد حداثية فى مدارس التفسير اليهودية، فإنه يظل مفكرًا غربيًا بالدرجة الأولى، ولا تشكل يهوديته سوى عنصر مساعد فى تصعيد تفكيكيته!! وفسّر صفوت التناقض السابق عبر شقين، الأول: يتمثل فى أن مقدمات المسيرى أُنتجت من خلال رؤيته "الصراعية" بين الشرق والغرب على أقل تقدير، ومن فكرة "التأثير التلمودى" التى استنبطها من بعض الممارسات السياسية للرموز الفكرية فى الدولة الصهيونية، ولم يكتفِ المسيرى بهؤلاء المفكريين، فأمد خط استنباطه ليحيط بجلّ الغربيين، ومن ثم تمّت عملية تأطيرهم وتنميطهم، وتقديمهم عبر أشكال نموذجية ليست مثالية بالقطع. أما الشق الآخر فيتمثل فى خضوع المسيرى وتسليمه برؤية الفلاسفة الغربيين لدريدا والتفكيك، حتى الذين اختلفوا معه، والذين يرون دريدا جزءًا رئيسيًا من الفلسفة الغربية، وحلقة لا غنى عنها فى سلسلة حلقات التطور الفلسفى والنقدى الغربيين. وربما أراد المسيرى، أن يستفيد من التناقض فى خطابه فى نقد "الأثر" التلمودى واليهودى من جانب، ونقد الخطاب الفلسفى الغربى بأكمله، باعتبار التفكيك جزءًا من سياق ذلك الخطاب، وبالتالى يسدد، المسيرى، طعنتين بسهم واحد!!