مراجعة كتاب “ تأملات في تاريخ الأدب الروسي في القرن التاسع عشر “ لــ فلاديمير ياكوفليفيتش لينكوف ترجمة : تحسين رزاق عزيز
*أولاً: شكر و عرفان لعمل الترجمة و للمترجمين بشكل عام*
أحب في البداية أن أنتهز هذه الفرصة في مقدمة المراجعة لتقديم جزيل الشكر و العرفان للمترجمين و عملهم ، فمع أن النص هو نص الكاتب و لكن اللغة هي لغة المترجم ( أي: العربية ). أعمال الترجمة تبقينا على صلة و اتصال بآخر النتاجات الثقافية العالمية فهي بذلك مهنة تستحق الإشادة و الدعم.
*لماذا اخترت هذا الكتاب؟*
السبب في اختياري القراءة في تأملات عن الأدب الروسي هو رغبتي في أن ألم بصورة موجزة عن ما وراء النصوص -بمجرد عن كونها نصوص أدبية / روائية و ما يقف خلفها من خلفية فكرية أدت لظهورها إلى السطح بهذا الشكل و بهذه التركيبة.
لأنّ قراءة الأدب قد تكون أحياناً قراءة عابرة تكتفي بالظاهر من النص الأدبي و تستمتع بالقصة و أحياناً ننتقل لأبعاد أكثر عمقاً فنحلل النص من ناحية لغوية بلاغية و نطيل التأمل في الحبكة و الأبطال و العقدة و الحل؛ و تارةً نرغب في التعمق لدراسة الأيديولوجيا الفكرية التي تقف خلف النص و عقلية كاتبه و هذا ما رغبت فيه بالنسبة للأدب الروسي، خصوصاً لكوني لست منغمساً في القراءة الفعلية لهذا الأدب.
*منهجية الكتاب*
يتبع الكتاب منهجية تحليلية تفكيكية و تسلسل تاريخي يبدأ من أقدم الأدباء الروس في القرن التاسع عشر و هو *غوغول* و ينتهي بـ *بونين* ، يحلل النصوص الأدبية للكتاب من خلال اقتباس أهم المقتطفات من الروايات التي كتبوها ثم يمزج ذلك بالعقيدة الفكرية التي كان يعتنقها هؤلاء و كيف أثرت على الحبكة الروائية لديهم و نوعية الحوارات و شخصيات الأبطال الرئيسية.
*الأدب الروسي كانعكاس للأوضاع الاجتماعية و المخاضات الفكرية*
أهم ما يمكن استخلاصه من الكتاب هو تأثر نوعية الأدب بالأوضاع الفكرية و الاجتماعية التي كانت سائدة آنذاك في روسيا و انعكاس لتفكير النخب و العامة. لا يمكن فصل ذلك عن النصوص الأدبية التي ظهرت سواء في *الحرب و السلم* أو *الإخوة كارامازوف* كأهم عملين رئيسيين لتلك الحقبة - عن الحوارات المجتمعية و المخاضات الفكرية العسيرة التي كان يمر بها المجتمع الروسي آنذاك و التي بلا شك شكلت منعطفاً فارقاً بالنسبة للأيديولوجيات التي سيتبناها المفكرون الروس و من بعدهم السياسيون و عامة الناس في القرن اللاحق (يعني العشرين) لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار الموقع الجغرافي لروسيا و كيف أن متاخمتها لحدود أوروبا الشرقية هي ما عجل بانتقال الأفكار الأوروبية التي تم تداولها في *عصر الأنوار في القرن الثامن عشر* و في فلسفة *هيغل* و غيره من الفلاسفة الرائدين في ذلك العصر.
من ناحية ثانية كان الأدب آنذاك انعكاساً للأوضاع الاجتماعية من حيث الطبقية الموجودة و النظرة الدونية للآخر الأقل في المال و المقام و هذا واضح في مختلف الروايات. على سبيل المثال روايتي *الفقراء* أو *مذلون مهانون* أو رواية *المغفلة* لتشيخوف. و تعرض تولستوي في عمله الرئيس *الحرب و السلم* للطبقة الارستقراطية الروسية بشيء من التفصيل. كل ذلك يعكس العقلية المجتمعية الروسية آنذاك التي كانت الطبقية فيها شيئاً واقعياً و متقبلاً و كوضع طبيعي قائم كانت الروايات تشرحه مع بعض التلميحات لعدم صوابيته.
*بوشكين* الشاعر الفذ المنحدر من أصول أرستقراطية امتلك الشجاعة لينتقد الطبقية في أعماله الشعرية و في رواياته التي اختار لزيجاته أبطالاً من طبقات غير متساوية كرواية *ابنة الضابط*.
*التقلبات بين الشك و اليقين الايمان و اللا ايمان*
يدور أيضاً في المخاض الفكري الروسي العنيف كما يبدو و الذي أظهره الأدب التقلبات بين الشك و الايمان و اليقين و اللايقين كنتيجة للتأثر بالأفكار التي هبت من الشرق و هي أفكار عصر الأنوار كما أسلفنا، أفكار التمرد ضد الكنيسة و استبدادها و الخروج من عبائتها و طرح السؤال حول حقيقة الإيمان مقابل فلسفة الوجودية / العدمية.
لقد حاول الكتاب الروس في تلك الفترة التصدي بالمعالجة لتلك الافكار كما فعل ذلك تولستوي و دويستوفسكي اللذان حاولا أن يطعموا قصصهم ببعض الشذرات الدينية أو الأخلاقية. لا ننسى طبعاً أن فكرة أنه ليس بالضرورة أن يكون للأخلاق أساس ديني كانت حاضرة بقوة في تلك الفترة.
*قوة الأدب و أثره في التحكم في سيرورة التاريخ و في الثقافة و الفكر*
من الجيد أن نذكر و نضع هذا الجانب لمزيد من التحليل و التأمل أثر الأدب في سيرورة التاريخ بما يحمله من قوة تأثير على الفكر و من ثم على السلوك و على خط التاريخ. لاحظنا كيف استطاعت الماركسية و الشيوعية التي استفادت كثيراً من العمل الأدبي أن تكون قوة ضاربة غيرت وجه التاريخ. كذلك بالمثل غيرها من الأفكار التي شكلت المخاض الفكري في القرن التاسع عشر.
إن الأفكار المنتصرة ستغير سيرورة التاريخ و سيكون الأدب وقودها في بعض الأحيان كما في حالة المجتمع الروسي.
*أمثلة عن الكتاب الروس*
*غوغول*
غوغول هو أول أديب روسي في القرن التاسع عشر ترك عملاً رئيسياً هًو *الأنفس الميتة* تناول فيه واقع المجتمع الروسي من حيث انعدام الرغبة في الحياة و الاكتئاب و انعكاس ذلك على شتى مناحي الحياة. ينظر من أتى من بعده من الأدباء لغوغول على أنه أب الأدب الروسي و رائده و معلمهم جميعاً.
*دويستكوفسكي*
أشهر أعماله * الإخوة كارامازوزف* عمل طويل ترجم في أربعة أجزاء للعربية و له العديد من الأعمال المتألقة:
- الليالي البيضاء - مذكرات قبو -الفقراء - المراهق
*تولستوي*
دون حقبة الحرب الروسية - الفرنسية في عمله الفريد *الحرب و السلم* كما أبدع في رواية *آنا كارنينا*
*تشيخوف*
ما يميز تشيخوف أنه بخلاف بقية الكتاب رفض أن يكون له موقف أيديولوجي في رواياته فهو كان يطرح قضية المعنى و اللامعنى من الحياة و يقلل من قيمة الاختلافات الفكرية بتجنب الوصول لنتيجة معينة في نقاشات شخوص رواياته.
*نحو أدب مؤثر ينبع من مشاكل العصر و يقدم حلولاً من روح العصر*
لعل أهم درس يأخذه المتأمل في تاريخ الأدب الروسي و انبجاسه من قلب المجتمع و مشاكل العصر و رغبته في عرض الافكار الايديولوجية المتداولة هو درس الارتقاء بالأدب ليعكس واقعاً و طريقاً للتغيير في نفس الوقت بما يمتلك من قوة و حضور في الأوساط الشبابية و رغبة في القراءة أكثر من مؤلفات المعارف المجردة.
أجمل ما قرأت عن الأدب الروسي حتى الآن. يتناول الكتاب موضوعات بعينها وكذلك كُتَّابًا. قد تكون هذه ميزته أنه مزج بين الموضوعات والكُتَّاب، هذا بالإضافة إلى روعة التحليل. الجزء الأول المتعلق بالحتمية الاجتماعية والحديث عن رواية: ما العمل لتشيرنيشيفسكي قد يكون حجر أساس الكتاب وأهم ما فيه، لأن ذلك كان من شأنه أن يشرح مغزى أعمال تولستوي ودوستويفسكي وعلاقة مضامينها بزمانها وبإنتاج تورجينيف كذلك. تحليل أعمل تشيخوف وفلسفته كان أكثر من رائع، وصولا إلى بونين والحديث عن رؤيته... الكتاب يقدم لنا رحلة متماسكة رائعة تفهم بعدها الأدب الروسي كما لم تفهمه من قبل.