عجيب امرنا ، نتعلق في حياتنا باشياء ليست لها في حد ذاتها قيمة مادية كبرى ، نغضب ونثور اذا مسها ضُر ، ونسر لرؤيتها، ونلاعبها ونداعبها ونحنو عليها كأنها كائن حي، ونحوطها من الأحداث ، وندافع عنها السوء، ونوصي بها الأوفياء كأنها كنز الحياة ، تعوزنا الشجاعة عند مفارقتها ، ونذوب شوقاً اذا حيل بيننا وبينها، ونذكرها في الليل والنهار على السواء كلما عاد بنا الفكر الى امس الدابر . وليت شعري أى عجب في ذالك، وهي روح خالصة وإن تألفت من جماد امام اعيننا ، فهي سجل مرقوم لذكريات غالية علينا. لانحتاج في قراءتها الى تعلم حروف الهجاء، يستوي في ذالك المتعلم والأمي ، فهي رمز حي ناطق بلغة صاحبة ، يحدثه عن آماله الحلوة وعن أحبابه ، وإذا شئت حدثته فيصغي إليك وهو مُعلم متواضع ، وناصح كريم لا يضن عليك بالنصيحة ، ولا يدل عليك بعلمه، هي جزء منا ونحن جزء منها، لا، بل هي على الأصح جزء من روحنا ، وما أغلى من الروح وأرخص من المادة ...