القيادى العمالى والصحفى الكبير محمود حسنى العرابى يضطر للهروب من مصر عام 1931 بعد مضايقات من حكومة صدقى فيهبط إلى ألمانيا، وهناك يواجه مشاكل لم تكن تخطر على باله
عجيب امرنا ، نتعلق في حياتنا باشياء ليست لها في حد ذاتها قيمة مادية كبرى ، نغضب ونثور اذا مسها ضُر ، ونسر لرؤيتها، ونلاعبها ونداعبها ونحنو عليها كأنها كائن حي، ونحوطها من الأحداث ، وندافع عنها السوء، ونوصي بها الأوفياء كأنها كنز الحياة ، تعوزنا الشجاعة عند مفارقتها ، ونذوب شوقاً اذا حيل بيننا وبينها، ونذكرها في الليل والنهار على السواء كلما عاد بنا الفكر الى امس الدابر . وليت شعري أى عجب في ذالك، وهي روح خالصة وإن تألفت من جماد امام اعيننا ، فهي سجل مرقوم لذكريات غالية علينا. لانحتاج في قراءتها الى تعلم حروف الهجاء، يستوي في ذالك المتعلم والأمي ، فهي رمز حي ناطق بلغة صاحبة ، يحدثه عن آماله الحلوة وعن أحبابه ، وإذا شئت حدثته فيصغي إليك وهو مُعلم متواضع ، وناصح كريم لا يضن عليك بالنصيحة ، ولا يدل عليك بعلمه، هي جزء منا ونحن جزء منها، لا، بل هي على الأصح جزء من روحنا ، وما أغلى من الروح وأرخص من المادة ...