على الرف الأنيق المخصص لأعمال نجيب محفوظ وقفت متجمده لدقائق ...
هذه ...او هذه ...بل هذه ..
على أن ابدأ بهذه
الى أن أستقريت على (المرايا) وعلي تحمل تبعات أختياري
...
منذ عامين ..او أقل قليلا
قرأت المجالس المحفوظيه لجمال الغيطاني ..
ثم أطروحة دكتوراه تدرس أعمال نجيب محفوظ
وبنيت رأيي الشخصي في تلك الروايه بناء على ما سبق وقرأت ..
فلا أدري هل هو بذلك رأي أصيل ام تشوبه شائبه ..
""مع تقدم العمر يشعر الانسان أن منشأه هو المأوى""
...
ظلت تلك العبارة تتردد داخلي طوال قرأتي لروايه (أن صح تسميتها روايه) فالرواى هو نجيب محفوظ شخصيا يحكي عن أناس مروا بحياته منذ نشأته حتى العام 1970 تقريباً,لكن التاريخ مسئوليه ثقيله وسرده عبء على القلب ربما يتخفف منها كاتبه لو قولبها في قالب أدبي فبدل ان يقدم دراسه تاريخيه عن شخوص أثروا في حياته قدمها بشكل أخر ...وفي النهايه قال رأيه ...وسلم الامانه
""والانسان لا يتذكر التاريخ إلا حين يصبح الامر مأساه""
...
أكاد أجزم ان هزيمة 1967 أثرت على كل مصري فهم بين مهزوز ومضطرب ومذهول ...وشامت
لكن لا يستطيع أحد أن ينكر أنها كانت صفعه قوية على وجه الحالمين من ابناء الوطن جعلت الجميع يعيد ترتيب أوراقه ..البعض أنبرى في تحليل أسبابها والبعض أتجه لرأب الصدوع النفسيه التي خلفتها ...لكن محفوظ أتجه لفكرة أخرى تناسبه كأديب ..كتابه شهادته منذ ان عرف العالم حتى يوم كتابته ...فخرجت لنا المرايا ..
مرايا لأن فيها نرى أنعكاس صور لنا ولنفوسنا .اخطاءنا ولأشخاص نعرفهم
بعضهم نال من الشهرة نصيب
و أي دارس ...ناقد..قارئ ذكي سيلتقط بسهوله على من الشخصيات الحقيقيه أسقط روايته..
فشخصيات لامعه ك(سالم جبر,زهير كامل,رضا حماده,عبدالوهاب أسماعيل)لن تصيبك الحيره مثلا في معرفة نظائرهم الحقيقيين
..
وآخرين رمزوا للقيمة المطلقة ..
ما بين خمسين شخصيه وأكثر قليلا ستعرف الكثير عن حياة نجيب محفوظ (وما نجيب محفوظ إلا شخصيه ثريه من ابناء مصر ...وحياته جزء من تاريخ تلك البلد)
تتجلي عدة ملامح من الادب المحفوظي في تلك الروايه ..
أولا
لزوم مالا يلزم
...
ان يسرد نجيب محفوظ الروايه على شكل فصول منفصله تحكي كل منها قصه فرد بعينه وعلاقته بالاخريين الذين سيأتي على ذكرهم تباعا ثم يلزم الترتيب الابجدي في فهرسة تلك القصص ..هو امر اتبعه في العديد من الروايات (كحديث الصباح والمساء وليالي الف ليله وليله ) وهو أسلوب لم يسبقه إليه أحد وقد قال محفوظ انه يوما كان يظن ان للروايه شكل معين ثم بعد مرحله من النضج الفكري وجد انه من واجبات الروائي ان يخرج عمل أصيل ..ويلزم ذلك بعض التجديد
ثانياً
أسماء الشخصيات ومدلولاها ..
...
نجيب محفوظ كان يولي اختيار اسماء ابطال رواياته عنايه خاصه فبقليل من التأمل تجد الاسم مطابق لأفعال صحابه..او صفاته ..او عكسها بشكل مثير للسخريه
أختيار الاسماء لم يكن أبدا اعتباطيا
ثالثا
المكان..
...
أتحدى أن يجد أحد شئ من الادب المحفوظي مكتوب خارج نطاق مدينتى القاهره والاسكندريه (إلا فيما ندر)ولا يوجد لمحفوظ سوى قصه قصيره واحده تدور احداثها خارج مصر.
نجيب محفوظ لم يكن يحب السفر وكان مرتبط بالاماكن التي تدور فيها احداث رواياته
القاهره ..حي العباسيه ..الجماليه والحسين ..قهوة الفيشاوي وجروبي
كلها أبطال رواياته
رابعا
الحب...المرأه
...
عاش محفوظ مراهقته في زمن كانت المرأه لازلت وراء ستر وحجب ..ويمنعها غير العفه والحياء مئات السدود والحواجز ...لكن ما يثير بنفسك العجب كيف كانت الحشمه من الهشاشه في النفوس بحيث ان بمجرد رفع الستر جزئيا أنطلق فيضان من السقطات الخلقيه ..هذا متكرر بشدة في الادب المحفوظي ويقول عنه ان في المجتمع قصص خيانه و انحلال خلقي يفوق ما آتي به في أدبه بمراحل ...ولابد من المكاشفه
لكن يظل هناك نقطة مضيئه في حياة الكاتب ...نقطة في غاية البراءة والطهر ...الحب الاول ...الحب المستحيل
الممثله هنا في الروايه في (صفاء الكاتب) وهي فعلا مثلت فعلا الصفاء للكاتب
خامسا ..
اتجاهه السياسي
...
وفديه نجيب محفوظ حبه واخلاصه لحزبه ورموزه شئ بادي لعيان مثله كالكثيرين من ابناء جيله لكن نجيب محفوظ ترك لنا أرث ادبي يخلد هذا الحب
سادسا..
الشك
...
لا تكاد تخلو روايه لنجيب محفوظ من شخصيه او عدة شخصيات شاكه وباحثه ..تطلب الحقيقه والراحه والسلام النفسي ..تبدأ بالسؤال وتظل تبحث عن الاجابه ..وأبداً لن يعطيك محفوظ الجواب
سابعا ..
العلم
...
نجيب محفوظ من مواليد مطلع هذا القرن الذي شهد فيه العلم فتوحا وانتصارات خارقه ..جعلت جيله من المؤمين و الموقنين بمقدرة العلم على صنع أي شئ كان يوما يعد معجزة..وما ينفك محفوظ عن تمجيد العلم ودراسته مقابل ممارسه الادب او العلوم الانسانيه التي يراها دافعه لمزيد من التقوقع بعكس العلم ذلك اللغه العالميه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الواقع لن أتمكن من تقييم الروايه لأني أعلم انها جزء من تاريخ شخص أقتطعه ليروي لنا جزء من قصه وطن
فمن انا لأقيم قصة الوطن