What do you think?
Rate this book


300 pages, Unknown Binding
First published January 1, 2016
ترتبط ولادة المثقف الحديث بحسب ليكلرك بعلمنة المجتمع، بالصبغة السياسية التي باتت تطبع ثقافة ما بعد عصر النهضة، بحرية الأفكار، وضغط موضوعة حقوق الإنسان، اختراع الطباعة، وبتأسيس الجامعات، في مقابل ذلك الخيط الرفيع الذي يصل المثقف بظهور الايديولوجيات، فمع "الايديولوجية تنتقل السيادة الفكرية من الدين الى العلم، من اللاهوت الى الخطاب السياسي.. تصبح السياسة يوتوبيا الخلاص الجماعي
نشأت الأنسنية في خضّم الهزات الفكرية التي حدثت في عصر النهضة الأوروبية لكسر القيود التي ابقت الانسان، لمدة طويلة، في حالة من عبودية للسلطات الفاعلة في حينها (الكنيسة والملكية والإقطاع)، وحالت دون تحرر العقل الذي هو المقدّمة لتحرير الإنسان.
أعتبر التنوير، كما يحدد مفهومه ماكس هوركهايمر وثيودور.ف.أدورنو في كتابهما (جدل التنوير: مشكلات فلسفية) "تعبيرًا عن فكرة التقدم، وهدفه تحرير الانسان من الخوف وجعله سيدًا.. كان برنامج التنوير برنامجًا يهدف لفك السحر عن العالم. لقد اراد التحرر من الاساطير وأن يحمل للمخيّلة سند العلم
كان جوهر فكر النهضة، ومن ثم فكر التنوير الأوربيين، علمانيًا بدأ بنقد المؤسسة الدينية، والدعوة لفصل الدين عن الدولة، وكشف الغيبيات بمنظور العلم، ورفض الطقوس التي وجدت لتعزيز سلطة الكنيسة وإبقاء العامة في حالة من التبعية العمياء لرجال الدين، وفي وضع مزرٍ سمتاه الفقر والجهل.
عاشت النهضة العربية تناقضاتها التي لم تستطع حسم أطرافها إلا بتوفيقية تلفيقية ما كان لها ان تدخلنا عصر النهضة والتنوير الحقيقي.. بقيت العقلانية مبقّعة بالخرافة. والفردانية ضائعة في موجات اغتراباتها الجديدة التي أوجدها التطور الرث والقمع السلطوي فيما لم تجد الحرية والعدالة والمساواة لها أطرًا قانونية ومؤساساتية تمتح الإنسان حق الحياة السعيدة والكريمة.
يرفض الفكر الديني السلفي، او يتحفظ على، اي فكر آخر مصدره غير النص المقدس، وتاريخ المقدس. اي انه لا يعوّل كثيرًا على العقل والتجربة البشريين في صياغة ايديولوجيته، وخطابه السياسي.. وفي افضل الأحوال فإنه حين يعثر على مفاهيم جذابة ومقبولة على نطاق واسع من خارج متون نصوصه يذهب الى تلك المتون ليعثر على ما يعتقد انه يكافئ او يناظر المفاهيم الجديدة، ليدّعي بأم ما استورد واقتبس ليس سوى مفاهيم قديمة تحصنا
من اشكاليات فكرنا المعاصر: حيثما نقع على مفهوم ما (او فكرة ما) جديد ومثير ومفيّر في الحقل المعرفي الغربي، يكون رد فعلنا الأول، ولعل ذلك ناتج من شعورنا بالنقص والعجز (الجرح النرجسي حسب طرابيشي، إضافة مني) هو فتح كتبنا القديمة محاولين العثور على جذور ذلك المفهوم عند فقهائنا وفلاسفتنا ومفكرينا القدماء. وحين ننجح في التقاط ما يشابه ذلك جزئيًا نتنفس الصعداء.. من غير ان نجهد انفسنا في ادراك جوهر المفهوم وقراءته في سياقه.
كان ثمة مصدات كثيفة أعاقت نفاذ الفكر الأنسني بأقانيمه الكبرى (الذاتية الفردية، الحرية، الديمقراطية، العلمانية، والعقلانية) الى داخل العقل العربي، وأول هذه المصدات الإرث الديني المتراكم عبر فاعلية المؤسسات الدينية خلال قرون طويلة، الإرث القائم على افكار (القدرية، الطاعة لأولي الأمر، الجماعة الحامية، المحرمات، ثقل الماضي المؤسطر، الرؤية الخرافية للعالم، احتقار النفس، انتظار المنقذ، الخ...)
كل هوية مطبوعة في قناعات من تمثلهم هي سردية بطريقة ما، فيها نواة من الواقع التاريخي محاطة بهالة من التخييل. وفي النهاية يكون الخيال المؤسطر هو مصدر الأوهام التي بها تبنى الهويات القاتلة. والهوية تغدو قاتلة حين تتحدد جوهرها بثوابت مفترضة، وتنكفئ في العزلة والخوف والارتياب بالآخر.
الذات امام سبل ثلاث لإدراك هويتها: أولها (هوية موروثة) جذورها اجتماعية، ثانية (هوية مكتسبة) فعلها في واقعها، وثالثها (هوية مأمولة) قصدها وجودًا لم يكتمل بعد... من غير نظرة استرجاعية واخرى استشرافية لا يمكن للذات ان تؤسس هويتها" بول ريكور - الهوية والسرد
"إن دولة تقزّم رعاياها لتجعلهم مجرد أدوات خنوعة لخدمة مشاريعها، حتى وإن كانت هذه المشاريع مفيدة، ستعجز في النهاية عن القيام بمنجزات كبرى اعتمادًا على أقزام" جون ستيوارت"
يقوم الحوار على القناعة بأنك ربما تكون على خطأ الى جانب استعدادك للاعتراف بخطئك حين تتأكد منه.. هذا مبدأ أولي، يليه مبدأ آخر وهو ان فكرتك لن تتجذر وتأخذ بعدها العملي الفاعل إلا بعد إخضاعه للنقاش النقدي، والتعاطي مع الأفكار الاخرى وتشذيبها وتصحيحها قبل امتحانها على ارض الواقع.. الانغلاق والامتناع عن سماع الآخر، وكراهيته وإقصائه وازدراءه.. لن ينتج الا عالما يعيب عنه السلام، سلام النفس وسلام الحياة.
سارتر الذي يصف المثقف، بعبارة لا تخلو من التهكم: أنه ذلك الشخص الذي يدسّ أنفه في ما لا يعنيه ( وإن كانت كل قضية مجتمعية تعنيه في الصميم). وتكون وظيفته الاولى هي ازعاج السلطات بأشكالها كافة. كما تكمن فضيلته في الوقوف ليس الى جانب من يصنعون التاريخ وإنما الى جانب من يعانون من صنعه. والعبارة الأخيرة لألبير كامو صديق سارتر، وغريمه اللدود فيما بعد
تنقسم الوظيفة العضوية للمثقفين الى أربعة محاور:
- كشفية-وصفية
- نقدية-تقويمية
- متنبئة-رائية
- تحريضية-مطلبية."
ان عصر المعلوماتية والميديا الحديثة قد أطاح بإحتكار السلطات السياسية الحاكمة لوسائل الإعلام والنشر والدهاية مما أفقدها واحدًا من أمضى أسلحتها في الهيمنة، مانحًا الخطاب المضاد الفرصة التتريخية لمعارضة فعّالة، وموفرًا موقعًا أكثر حيوية للمثقف في الفضاء الاجتماعي السياسي.