لم يعد العالم كما كان خلال القرن العشرين، حيث تشكلت الرأسمالية كإمبريالية ونشأت الدولة الاشتراكية الأولي. حينها أشارت الماركسية إلي نشوء الإمبريالية، وحينها انقسم العالم إلي <<معسكرين>> ودارت الحرب الباردة. كانت الماركسية حينها تشير إلي أن الإمبريالية هي أعلي مراحل الرأسمالية، لكن نشوء الاشتراكية فرض تشكيل <<إمبريالية عليا>> من خلال تداخل و اندماج و <<توحُّد>> الرأسماليات في مواجهة الاتحاد السوفيتي.
لكن، كانت الاشتراكية تُنخر من داخلها لتنهار قبل نهاية القرن العشرين، وإذا جري الحديث عن <<نهاية المنهج>> بانتصار الرأسمالية النهائي، فقد ظهر أن الرأسمالية تعاني من مرض عُضال فرض نشوب أزمة عميقة سنة 2008. ومن ثم إذا كانت الرأسمالية قد سادت في كل العالم فقد مالت إلي نشوء تعددية قطبية، لكن ذلك الذي لم يتبلور بعد، وربما لن يتبلور حقيقة، كان الغلاف لتراكم مالي هائل بات يشكّل مرضاً عضالاً، لأنه خرج عن التوظيف في القطاعات المنتِجة، نتيجةَ إشباعها، و بات يبحث عن مجالات توظيف خارج الاقتصاد الحقيقي. وكل نشاط يقوم علي المال مقابل المال هو انحراف نحو المضاربة، و<<التراكم المالي السريع>>، أي التضخم المالي. لهذا بات العالم ينحكم للطغم المالية، وتعيد تشكيل العالم ذاته وفق آليات نشاطها. هذه هي الإمبريالية في مرحلتها المالية. الكتاب يتناول كيف وصلت الرأسمالية الي هذه المرحلة، وما هي طبيعة الوضع العالمي علي ضوء هذا التحوّل والأزمات التي يُنتجها.
من مواليد مدينة بيرزيت في فلسطين سنة 1955 . بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة بغداد سنة 1979 . عمل في المقاومة الفلسطينية ثم في اليسار العربي ، و لازال ينشط من أجل العمل الماركسي العربي. سجن ثمانية سنوات في السجون السورية. كتب في العديد من الصحف و المجلات العربية مثل الطريق اللبنانية و النهج و دراسات عربية و الوحدة. اصدر عددا من الكتب منها: 1. نقد الحزب ط2 دار دمشق/ دمشق 1987. 2. الثورة ومشكلات التنظيم ( صدر بإسم سعيد المغربي ) منشورات الوعي 1986. 3. نقد التجربة التنظيمية الراهنة ( صدر بإسم سعيد المغربي ) منشورات الوعي 1988. 4. حول الأيديولوجيا والتنظيم دار دمشق/ دمشق 1987. 5. التراث والمستقبل دار الصعود/ بيروت 1988. 6. العرب ومسألة الأمة دار الفارابي/ بيروت 1989. 7. نقد الماركسية الرائجة منشورات الوعي الجديد 1990. 8. إشكالية الحركة القومية العربية -محاولة توضيح- دار كنعان/ دمشق 1991. 9. الإمبريالية ونهب العالم دار التنوير العلمي/ عمان 1992. 10- مقدمة عن ملكية الأرض في الإسلام دار المدى/ دمشق 2001. 11-فوضى الأفكار: الماركسية و إختيارات التطوّر دار الينابيع/ دمشق 2001. 12-المادية والمثالية في الماركسية-مناقشة لفكر ملتبس- دار الينابيع/ دمشق 2001. 13-الاشتراكية أو البربرية دار بولاق/ عمان، دار الكنوز الأدبية/ بيروت 2001. 14-أطروحات من اجل ماركسية مناضلة دار التنوير/ دمشق ، منشورات الوعي الجديد 2002. 15-عصر الإمبراطورية الجديدة دار التكوين/ دمشق 2003 . 16-التطوّر المحتجز: الماركسية و إختيارات التطوّر الإقتصادي الإجتماعي دار الطليعة الجديدة/ دمشق 2003. 17- مشكلات الماركسية في الوطن العربي دار التكوين/ دمشق 2003. 18- العولمة الراهنة: آليات إعادة إنتاج النمط الرأسمالي دار نينوى/ دمشق 2004. 19- الأبعاد المستقبلية: المشروع الصهيوني و المسألة الفلسطينية دار أزمنة/ عمان 2004. 20- من هيغل إلى ماركس: موضوعات حول الجدل (ج1) دار الفارابي/ بيروت 2004. 21- إشكالية الحركة القومية العربية ( ط موسّعة ) دار ورد/ عمان 2005.
حين تشرع في قراءة كتب سلامة كيلة (وهذا هو الثاني)، تجد نفسك أمام نص صريح لا يعرف التلطيف ولا يسعى إلى إرضاء أي طرف. نبرة المؤلف الماركسية حاضرة بوضوح، لكنها ليست خطابًا شعاراتيًا، إذ يقدّم تحليلاً واقعيًا حادًا يضع إصبعه على تحولات عميقة أصابت بنية النظام الرأسمالي. العالم الذي يرسمه في هذا الكتاب هو نظام بلغ مرحلة من التعفن البنيوي، حيث تحوّل المال من وسيلة لإنتاج القيمة إلى غاية قائمة بذاتها، تتضخم على حساب الاقتصاد الحقيقي ومستقبل المجتمعات.
يبدأ سلامة من فكرة مفادها أن الرأسمالية دخلت طورًا نوعيًا جديدًا، عنوانه هروب المال الفائض من مجال الإنتاج إلى مجال المضاربة. لم يعد رأس المال يجد فرصًا كافية للاستثمار الإنتاجي، فاندفع نحو أسواق المال والعقارات والعملات، بحثًا عن أرباح سريعة تفوق ما يتيحه الإنتاج الصناعي والزراعي. هذا التحول خلق معادلة اقتصادية مختلة، حيث باتت الكتلة المالية الكبرى تدور في فضاء افتراضي، بينما تُترك القطاعات الإنتاجية في حالة إنهاك دائم، تعاني نقص السيولة وتراجع القدرة على التوسع.
هذا الانزياح المالي لا يمر من دون نتائج كارثية، إذ يصف المؤلف ثلاث كوارث متزامنة تتوالد من قلب هذا النظام. أولها تشكّل فقاعات مالية متضخمة تنمو بسرعة مذهلة ثم تنفجر فجأة، مدمّرةً الاقتصادات الحقيقية ومخلّفةً موجات واسعة من الإفلاس والبطالة. ثانيها نزيف مستمر لرأس المال الإنتاجي، حيث تنجذب الشركات والمستثمرون إلى المضاربة لأنها تحقق أرباحًا أعلى في زمن أقصر، فيتراجع الاستثمار في الصناعة والزراعة. أما الكارثة الثالثة فهي تمركز السلطة الاقتصادية في يد طغمة مالية محدودة، تجمع بين ملكية الإنتاج والتحكم في البنوك والقدرة على توجيه الأسواق، لتصبح القوة الحقيقية التي تدير الاقتصاد العالمي.
ما يجعل هذا الطور مختلفًا عن الأزمات الكلاسيكية للرأسمالية هو أن تلك الأزمات كانت دورية وقابلة للاحتواء عبر فترات ركود يعقبها انتعاش، أو عبر حروب تعيد توزيع الموارد. أما في هذا الطور، فإن القطاع المالي نفسه لا ينتج قيمة حقيقية، بل يراكم أرباحًا وهمية قائمة على المضاربة، مما يجعل النمو أقرب إلى ورم يتضخم من الداخل من دون قاعدة إنتاجية تحمله. النتيجة التي يرصدها المؤلف هي ثروات هائلة تتكدس في أيدي قلة ضيقة، مقابل اتساع رقعة الفقر والتهميش حتى داخل المجتمعات التي كانت تُعدّ مركز الرفاهية.
ينعكس هذا التحول العالمي بوضوح على الاقتصادات المحلية في بلدان عديدة، حيث جرى تحويلها من اقتصادات منتجة إلى اقتصادات ريعية تعتمد على الخدمات والديون والتحويلات. السياسات التي رُوّج لها بوصفها حلولاً إنقاذية، مثل الخصخصة والاستدانة، تحولت إلى أدوات لاستنزاف الموارد العامة. تراكمت فوائد الديون، فارتفعت الضرائب وتحملت الفئات الفقيرة عبء الأزمات، بينما جرى تسليم قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والمواصلات إلى القطاع الخاص، ما عمّق الفجوة الاجتماعية ووسّع دائرة البطالة والتهميش.
على المستوى النظري، يقدّم الكتاب تصحيحًا مهمًا لمفهوم الإمبريالية، مستندًا إلى تعريف فلاديمير لينين الذي يرى الإمبريالية نظامًا اقتصاديًا عالميًا قائمًا على الاحتكار وتمركز رأس المال وتصدير الأموال بحثًا عن أرباح أعلى. وفق هذا الفهم، لا تُختزل الإمبريالية في الاحتلال العسكري المباشر، إذ يمكن أن تتحقق السيطرة عبر أدوات اقتصادية ومالية تجعل الدول تابعة من دون وجود جندي واحد على أراضيها. هذا التمييز يفتح بابًا أوسع لفهم صراعات الشعوب بوصفها نتاج بنية اقتصادية عالمية، لا مجرد تنافس سياسي بين دول.
وتطبيقاً لهذا المفهوم يستعرض الكتاب نماذج ثلاثة: روسيا التي لم تُفكك خصخصتها الاحتكارات السوفيتية بل حوّلت ملكيتها إلى المافيا، فأصبح اقتصادها رهين احتكارات النفط والغاز والسلاح والبنوك، وتدخّلها في سوريا لم يكن إلا تكريسًا لمصالحها الاقتصادية لا أكثر. والصين التي بدأت بتصدير البضائع الرخيصة ثم تحوّلت إلى قوة إمبريالية كاملة تشتري الشركات وتسيطر على البنوك وتمتلك تريليونات من سندات الخزينة الأمريكية، وكل ذلك تحت قيادة "الحزب الشيوعي"، مما يكشف أن الشكل السياسي لا يُحدد طبيعة الاقتصاد. وأمريكا التي تحكمها الطغمة المالية ذاتها عبر مجمعها الصناعي العسكري.
كما يوجّه سلامة كيلة نقدًا حادًا لخطابات سياسية تدّعي مناهضة الهيمنة، بينما تتجاهل حقيقة أن الصراعات الدولية غالبًا ما تُدار بدوافع اقتصادية بحتة. التدخلات العسكرية، وفق هذا المنظور، ليست مشاريع تحرير أو حماية، وإنما أدوات لتأمين الأسواق ومصادر الطاقة وتوسيع نفوذ الشركات الكبرى.
الانطباع الذي تركه الكتاب عندي أكبر من مجرد تحليل اقتصادي بارد، هي قراءة شاملة لعالم يتجه نحو تركيز الثروة في أيدي قلة محدودة، مقابل تزايد الفقر لدى الأغلبية. الصورة التي يرسمها المؤلف تُظهر نظامًا يواصل إنتاج الأزمات من داخله، حيث تتراكم الثروات الوهمية وتتآكل القواعد التي يقوم عليها الاقتصاد الحقيقي. في هذا السياق، لا يبدو الانفجار الاجتماعي احتمالاً بعيدًا، وإنما نتيجة منطقية لمسار طويل من التفاوت والاحتكار، مسار يجعل سؤال التغيير متعلقًا بموعده أكثر من تعلقه بإمكانيته.