إرتكز هذا البحث على موضوع التغيرات الدلالية التي اهتم بها علماء اصول الفقه والتي تم توظيفها في فهم النص القرآني، الأمر الذي يؤكد متانة العلاقة التي تربط بين علم اصول الفقه وعلوم القرآن. وفي هذا العمل اعتمد الكاتب منهجاً يقوم على بعدين أحدهما نظري، وثانيهما عملي تطبيقي. أما الجانب النظري فقد حضرت فيه التعريفات الإصطلاحية مع التحليل والتقسيم، والمقارنة، والنقد والترجيح في المواطن التي تقتضيها الدراسة. أما الجانب التطبيقي فهو مهمَ لتبيَن أثر التغيرات الدلالية في فهم النص القرآني. وأما المصدر المركزي الرئيسي في هذه الدراسة فهو كتب علم أوصول الفقه أساساً، ثم التفسير وعلوم القرآن، وكذلك كتب اللغة التي اهتم فيها اللغويون بالتغيرات الدلالية، أي أن هذا العلم يبحث في العلاقة بين الدال الذي هو الدليل الشرعي، والمدلول الذي هو الأحكام الشرعية المستفادة من هذا الدليل، أي أنه يبحث في الأنساق العامة الرابطة بين الدال والمدلول بقصد اكتشاف نظام العلاقة بينهما... إن ما يريد تأكيده مؤلف الكتاب هو أن فهم النص القرآني لا يتوقف على فهم الدلالات المعجمية للألفاظ، أو على معرفة الوضع فحسب، فذلك شرط ضروري لكنه غير كاف وحده في الكشف عن مراد الشارع، بل لا بدَ برأي الكاتب من التحري في فهم أساليب الاستعمال، ومعرفة السياقات المقالية والمقامية المحيطة بالنصوص وألفاظها. وجميع فصول هذه الدراسة تؤكد لنا أن الألفاظ ليس لها ولالات جامدة لا تبرحها، فلكل مقال مقام، ولكل مقام أثره الواضح في بيان تغير الدلالة أو تنوعها. وليس للقارئ سلطة يفرض بها فهمه على النص القرآني، بل المرجع الأصلي هو كلمات الله تعالى في سياقاتها المتنوعة عند الخطاب.
ليست الكلمات مرتبطة بمعانيها ارتباطًا لا انفكاك له، بل مع مرور الأزمان قد يطرأ على المعنى تغيير وتخصيص. كما في كلمة الصيام التي معناها الإمساك ثم غير الشارع المعنى إلى الصيام المخصوص. وكما في كلمة “الدابة” التي تعني كل ما يدب على الأرض ثم خصصت عرفًا بذوات الأربع. أو قد يحمل المعنى انطباعًا نفسيًا كما في كلمة “عصابة” التي تعني جماعة، ثم أصبحت يقصد بها من يجتمع لسلوك إجرامي. حينئذٍ كان على السامع الذي عليه حمل كلام المتكلم على مراده، أن يتقصى المعنى المراد وذلك بأن يلحظ معهود المتكلم وعرفه، ويستعين بالسياق الذي وظيفته الأساسية هي “تضييق المعنى”، كي يحسن الفهم ويحقق الخطاب فائدته.
-كتاب مميز لباحث أصولي جاد وهي رسالته للماجستير، مختصرة تحتاج لبسط في كثير من المواضع، ومن أراد الاستزادة من مبحث الحقيقة والمجاز فليرجع إلى رسالة الدكتوراة للمؤلف وهي علاقة علم أصول الفقه بعلم الكلام.