رحلة أخرى من رحلات السندباد المصري، وهي هنا عن رحلته إلى المغرب الأقصى، وهو وهو في كافة كتبه الأخرى كما ألفناه منذ أن قرأنا أولى رحلات السندباد، في البحر والبر والحياة والتاريخ .. لم يتغيّر شيء
ولكني توقفت أمام أسطر الكتاب الأخيرة التي قالها عند قفوله من رحلته ومخترقًا بسيارته المغرب فالجزائر فتونس فليبيا، فعودته إلى مصر، وكانت سيناء لا تزال محتلة، فقال:
رباه! لا أتصوّر المحتلّ يواجنا على الضفة الأخرى من القناة، عليه اللعنة! وعليها اللعنة تلك القناة، التي جلبت على مصر الرزايا من يوم حفرها! وما دام شطر من الوطن محتلاً، حتى لو كان شبرًا مربعًا تفرك رماله أقدام الغاصب، وبعد أن شاهدتُ الشمال الأفريقي ينعم بالرخاء والسلام وهدوء سريرة شعوبه، فإنّ فرحة اللقاء تعكّرها الحسرة الوخّازة والحزن الدفين
حزن على وفاة أمّي سنة الهزيمة، وبعدها بشهر ونصف، يا ما رددت في نفسي: ماتت أمي ومات وطني في ظرف شهرين .. كان عام 1967 في أرجاء نفسي: سنة الكرب والبلاء، عام كربلاء الحسين الشهيد
عدتُ وما فتئ الوطن يحثو التراب فوق رأسه حزنًا على ما ضاع من أرضه، ومن استشهد من شبابه، ومَن شُتّت من كرام أهله
متى يا رب ترفع عن كاهل وطني الممات، أنت العلي القدير، هبنا من لدنك السلام، دونا نوبس باسم
القاهرة
1972
Dona nobis pacem
والعبارة الأخيرة باللاتينية وتعنى ما قاله بالعربية قبلها، وأعدت قراءة هذه الخاتمة مرتين، لأنّي دهشت وعجبت قديمًا مثل أكثر مَن اطلعوا على آرائه السياسية التي قالها في أواخر حياته - رحمه الله - بشأن إسرائيل، ولكن دون أن يقلل هذا قطّ من التقدير الذي نكنّه له ولفضله على كتب الرحلات الذي هو أحد روّادها الأوائل عربيًا في العصر الحديث، فالأمر شبيه للغاية بما حدث مع الشاعر اللبناني سعيد عقل، فرغم آرائه السياسية إلا أن أحدًا لم يجرؤ أن يعيب أدبه أو أن يفلح في اتخاذ تلكم الآراء ليطعن في قيمته الأدبية، وإن فعل لبدا لكل ذي عينين لا موضوعية وهوى حكمه الأدبي
ولا أعرف متى بدأ السندباد المصري في تكوين آرائه الصادمة تلك عن إسرائيل، فقائل مثل هذه الكلمات السابقة من الصعب أن أتصوّر أن يقول بعد ذلك ما قاله، حتى لو كان دافعه لتلك الآراء علميًا بحتًا