من أين أبدأ؟ وكيف أنتهي؟
لم أعد أدري هل أنا مُشتّت بالفعل أم أنني قد تهت وسط إدراك هذا الكم من المعلومات؟ أم أنني قد أدركت جزءاً من الحقيقة؟ وكيف لي أن أدرك حقيقة المُطلق إن كنت جزءاً من التكوين؟ عقلي محدود، واستيعابي محصور في إدراكي ووعي وبعض من مُخيّلة مَنّ الله بها عليّ.
رهبة شديدة أشعر بها أثناء قراءتي للكتاب، واستمر حتى الانتهاء من قراءته. فهناك فارق ضخم جداً ما بين أن تقرأ معلومة، وأن تفهمها. أن تقرأ كلمة في القرآن مثلاً يخاطبك بها الله حصراً - كانسان- وتظن أنك تفهمها أو تتظاهر بذلك أو تقنع بما حاول من قبل تفسيره حسب معلوماته، وبين أن تعرف معلومة وتربطها بسيل المعلومات المتتالي، لتتكشف من حولك حقائق وتبدأ في إدراك معانٍ للكلمات لم تتخيّل أبداً وجودها، لكنها أصبحت مفهومة جداً أمامك. كل شيء أمامك كل شيء قرأته، لكن شتّان الفارق بين قراءة وأخرى. وكأنها شفرة يفكها نور العلم بإذن من ممن خلق الكون.
أملأ الدنيا صراخاً - كانسان- وكأنني كل من في الوجود، ويصدمني قول الله "قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا". نعم أعرف أنك تقول مثلي أنك قرأت هذه الآية مئات المرات، حسناً... دعني أخبرك أنك لم تفهمها... قول الله أن خلق الانسان كان عليه هيّن معناه أن الخلق لم يكن شيء يسير أبداً، وهذا ليس قول دارج مثلما اعتدنا قوله، بل هو شيء صعب التخيّل جداً. كيف نشأ الخلق وكيف تطوّر الانسان، الله تعالى لم يخلق شيئاً إلا بأسباب، وضع قانون صارم يدور به كل شيء في هذا الكون، نفس القانون الذي أنشأ به السماوات ( الفضاء بالكامل) بأجرامه السماوية ومجرّاته المترامية الأطراف المتوسّعة بشكل مطرد، هو نفس القانون الذي نشأت به الأرض، الذي خُلق به الانسان. هذا ليس خيالاً... هذه حقيقة يثبتها العلم، ويأخذك الكاتب في رحلة شيّقة لتتعرف على نشأة الكون وكيف بدأ وما هي نظرية البيج بانج أو الانفجار العظيم.
الكتاب ينقسم إلى ثلاثة أجزاء، أولها يختص بعلم الكوانتم ( فيزياء الفضاء) وهو ممتع للغاية رغم صعوبة إدراكه، شيء مُبهر ومُخيف في آن واحد. تسبح معه في هذا الفضاء لتعلم أنه نسيج نوراني متكامل وليس فارغاً كما نتخيّل، كيف أثبت العلم ما أخبرنا الله عنه في كتابه، الزمن... الثقوب السوداء التي ذُكرت في القرآن نصّاً، النور... بداية كل شيء وأصل كل الأشياء.. الله نور... الله نور السماوات والأرض.
القسم الثاني يتحدث عن علم الأحياء، وكيف تم زرع فكرة النظرية الداروانية في عقولنا، وكيف تم استيرادها لتكن موجودة بمناهجنا التعليمية، من موّلها وكيف ناصرها أباطرة الثورة الصناعية لخلق مجتمع استهلاكي، بعد التحرر من سطرة الكنيسة بسبب تلك النظرية التي أسست لمبدأ الإلحاد. يتحدث عن التغييب العقول المستمر حتى هذه اللحظة، فكم منا يعلم بأن تلك النظرية قد تم إثبات فشلها، وتم ظهور نظرية جديدة من العالمة لين مارجوليس الأمريكية الداروانية التي تمردت عليها لاحقاً بنظريتها المناقضة للنظرية الدارونية، هي عضو في الأكاديمية الأمريكية للعلوم، وتم تأكيد صحة نظريتها بعد صراع مرير استمر خمسة عشر عاماً مع المعسكر الدارويني، ليقوم الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون بتكريمها بمنحها وسام العلوم الأمريكي. لتظل النظرية الداروينية النظرية الوحيدة في العالم التي تم إثبات فشلها ومازال يُروّج لها على أنها نظرية صحيحة، تعزيزاً لاستمرار مجتمع استهلاكي منغمس في متعتهن بعيداً عن مجتمع زاهد وقانع يدرك أن هذا العالم ليس آخر المطاف.
الفصل الأخير وهو من أمتع الفصول، يتحدث عن اختلاف الأديان والمعتقدات القديمة والحديثة في تسمية كلمة الرب، فهناك من يستخدمها لفظاً بمعنى مختلف مثل الأغريق والفراعنة، وهناك من لا يستخدمها رغم أنهم لا يذكرون اسماً لهذه الطبيعة أو النظام رغم إذعانهم بسيطرة هذا النظام أو هذه الطبيعة. رحلة في ربط أحداث عجيبة قرأت عنها سابقاً في أن هناك ديانات كثيرة لم يخبرنا الله عنها "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ"، فهل تعلم مثلاً أن بوذا قد خرج على قومه متمرداً لعبادتهم للأصنام؟ دعا إلى الإيمان بوجود خالق! هذا بالطبع قبل أن يتم تحريف كل شيء. بالطبع لا نستطيع التأكد لكن هناك خيط ما يلقي بصيص من الضوء على الطريق الواضح الذي يُبيّن أن على مر التاريخ كان هناك دعوة إلى الإيمان بالله.
ينتهي الكتاب إلى ربط كل هذه المعلومات بعضها ببعض، وأكدّ الكاتب على ضرورة ربط هذه العلوم ببعضها البعض كي نستطيع أن ندرك الحقيقة الموجودة أمامنا، وكأننا مُجبرين على المعرفة مصداقاً لوعد الله تعالى في كتابه " سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ"
الكتاب مليء بالمعلومات المذهلة التي يدفعك تأملها إلى الخشوع الشديد، هناك أيضاً معلومات جميلة لم أكن أعرفها، مثل أن العالم ميندل كان يعيش في نفس وقت العالم داروين، بل أن ميندل غير المتعلم الذي اكتشف عليم الجينات، كان رافضاً للنظرية الدارويينية، بل وأن داروين نفسه كان من الداعيين إلى رفض نظرية ميندل ونظرية الجينات، ولم يتخيّل أن تلك النظرية ستجبره على تعديل نظرياته مرتين لاحقاً. هناك أيضاً معلومة أن النظرية الداروينية لم يتم مناقشتها أو الرد عليها من الجانب العربي أو الإسلامي إلى فيما ندر ولعلّ أشهرهم هو جمال الدين الأفغاني الذي قام بعمل دراسة للرد عليها.
إن الله هو الباطن في هذا الكون، وهو الظاهر، وهو الذي في الأرض إله وفي السماء إله، وهو الذي تجلّى للجبل في صورة نور، لم يستطع رؤيته لأنه لا يوجد بشري يستطيع رؤيته، الله هو السميع وهو البصير وهو الأول وهو الآخر، الله سر الحياة، والحياة بأسرها بأمره وبه، وهذا شيء مهما حاولت فهمه فلن تدركه إلا بعد قراءة الكتاب وتأمّل ما فيه بعدها.
لم يتسنّى لي البحث في مصادر الكتاب المكتوبة، لكن بغض النظر عن آراء الكاتب غير الملزمة، فإن المعلومات المثبتة من ناسا وبقية المحافل العلمية تجعلني أؤمن أكثر... أخشع أكثر... أذعن أكثر للخالق الذي له ملكوت كل شيء.
إن قرأت هذا الكتاب، فاعلم أنك ستكون شخصاً آخر بعد قراءته.
ملحوظة... الكتاب به بعض التكرار خاصة في الجزء الثاني، وإن كنت أرى أنه قد يكون مُحقاً في تكراره في الكتاب كله، بسبب صعوبة إدراك القارئ العادي لهذا الكم الكبير من المعلومات، وكأن الكاتب قد أراد أن يأخذ بيد القارئ ولا يتركه ضائعاً بين المعلومات الكثيرة، فيحاول ربط معلوماته أو تثبيت ما قد تم قراءته من الكتاب ليبقى في ذهن القارئ حاضراً.
والشكر لمن رشّح لي هذا الكتاب.
تقييمي 5 من 5