لا أذكر بأيّ نيّة شرعت في قراءة الكتاب، ولكن مهما كانت فقد فاجئني الكتاب منذ بدايته وخالف جميع توقعاتي عنه، لأنه جميل!، وإن كان الكتاب في أصله سلسلة مقالات كان يكتبها المؤلف عن حياة القرى (وهو من أهلها) وينشرها في الصحف اليومية خلال فترة الثلاثينيات من القرن الماضي، فيصوّر فيهن حياة أهل القرى المصرية في عاداتهم وتقاليدهم في الأفراح والمآتم والأسواق والحياة عامّة، وعن أبرز الأدوار البارزة في القرية، مثل العمدة، والمأذون، وشيوخ الصوفية، ومريديهم، وفقيه القرية، والحلاق الصحي، والصرّاف، والمرابي، والقباني، وغيرهم
ولكن ليس حديثًا كالحديث العابر، فإنه كان يرى في جميع هذه الأدوار أن أصحابها كانوا، وما فتئوا، هم أُسّ بلاء أهل القرى وشقاء أحوالهم، لجشعهم واستغلالهم لجهل أهل القرى وعمايتهم، فكان ينادى بأن الحلّ يكمن قبل أي شيء في تطهير العقائد، وضرب مثلاً برسالة الإسلام، التي لبثت فترتها المكيّة تسعى وتجعل كل همّها في تحقيق وحدانية الإله وصرف مسببات كل ما في الوجود إليه ومنه، ثم وبعد حراثة الأرض أتت لتؤصِّل الأركان وتبيِّن الشعائر، أو كما قال الإمام محمد عبده واستشهد به مؤلف الكتاب: إنه إذا سلمت العقائد من البدع تبعها سلامة الأعمال من الخلل
ولم يعجبني فقط خلال حديثه الجميل، تكراره في مقدمة وخاتمة الكتاب أنه كان يتحدث عن عهد منصرم منذ ثلث قرن، وكشهادة للتاريخ عن ثلاثينيات القرى المصرية ينشرها الآن في الستينيات التي تغيّرت فيها الأحوال، لأن الثورة المجيدة أولت القرى عنايتها ووجّهت كافة جهود الإصلاح إليها
وأنَّ البشائر لتدل على أن القرية المصرية ستنال في عهد الثورة كلَّ ما تحتاج إليه من إصلاح وما تصبو إليه من تقدّم حتى تصبح في مقدمة بلاد العالم سعادة وتقدمًا إن شاء الله
إن شاء الله!