تحكي عن أشرف الصافي، وهو مثقف مبدع لا منتمي تخرَّج من جامعة الخرطوم وضاقت به سبل العيش في سودان حكومة الإنقاذ فتركها مهاجراً بعد أن توسَّط له قريبه ليحصل على تأشيرة خروج لفرنسا تاركاً وراءه حبيبته رباب تاج السر فريسة لمجتمع لا يرحم ولم يترك لها غير وعد كاذب باللحاق به وهي التي أخلصت وُدَّها وكسرت قيود مجتمعها لصدق مشاعرها فأسلمته نفسها.
وقد كانت فريسة سهلة له وهو القنَّاص الماهر الذي يستخدم كلّ أسلحته؛ إن كان ذكاءً أو إبداعاً أو مساعدة أو صدراً حانياً لينال غرضه، وهو بطبعه إنسان شكوك وجبان وغادر لا يثق في أحد. وقد صبر على فريسته سنوات، وهو كما قال عن نفسه يخطِّط بهدوء، حتى اختفي غريمه عامر درويش الذي كانت تحبَّه عندما غادر السودان وشاع خبر غرقه مع صديقه سامي قنديل في قارب عبور لإيطاليا.
ولكنَّه بعد سنوات من الغربة في أوروبا يلتقي غريمه صدفة في هولندا، وهو في حالة انكسار وضياع، في محطَّة قطار مدينة صغيرة استحوذ عليها الأجانب وطردوا منها أهلها، فتلتهمه الذكريات قبل وبعد التعرُّف عليه، ويثور ضميره الذي أسكته بالتَّناسى والبعد والخمر فيلجأ لتشريح ذاته بلا تخدير إلا فعل زجاجة الخمر عندما لا يطيق الألم.
ومن خلال سيل الذكريات يأخذنا الراوي لثلاثة مسارات. أولها مسار حياته في الوطن وفي الغربة وثانيها مسار حياة غريمه المتمرد الفوضوي البوهيمي الذي كسر كلّ الأعراف داخل وخارج الوطن وديدنه الرفض يعوزه الذكاء العاطفي والأخلاقي والاجتماعي فصار كالمنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقي متذبذباً بين هويَّة يسعي لها وتخاتله وهوية موروثة يلجأ لها عندما تضيق عليه السبل، وثالثها مسار أبناء الوطن في الغربة وذلك في سياق الزمان والمكان الوجودي الممتد من الماضي للحاضر والمشرف على المستقبل.