ابن خلدون في هذا الكتاب مختلف، بل ربما نقيض لابن خلدون الذي عرفناه أو الذي سلمنا بمعرفته دون أن نشكك لحظة في كل ما قاله الباحثون العرب عنه، وخاصة الحداثيون منهم، فقد أرضت مكانته العالمية - بما هو مؤسس علم الاجتماع او العمران- عزتنا العربية والإسلامية، ورممت بعض شعورنا بالتخلف العلمي تجاه العرب.
لكن ناجية الوريمي، الباحثة التونسية، لم تسلم بهذا الموقف، وقادتها تحليلاتها إلى أن أغلب الدراسات والأبحاث التي قام بها مفكرون وباحثون عرف قاصرة، بسب استنادها إلى موقف إيديولوجي اعتمد الانتقائية التي تخدم فكرة الطليعية العلمية عند ابن خلدون، العربي المسلم.
وهكذا أعادت النظر في كل ما قاله المفكر في مقدمته وفي تاريخه وفي غيرهما، محللة خطابه على ضوء الظرف التاريخي والاجتماعي والسياسي في عصره، وعلى ضوء كل ما كتبه سابقوه من المفكرين والفلاسفة المسلمين، وماطرحته التيارات الكلامية والسياسية السابقة له.
لا تقل ناجية من مكانة ابن خلدون، ولكنها تراه كسواه يجوز نقده، بل - وبالنظر إلى موقعه - يجدر أن يكون هذا النقد عبر الحفر المعرفي في خطابه وفي نظرياته، ليس بقصد المخالفة والتفرد، بل بهدف البحث عن الحقيقة المعرفية، والتحرر من كل سلطوية ولو كانت هي سلكة ابن خلدون.