تشرين آخر – منى عبد القادر
منى عبد القادر هي كاتبة أردنية شابة من مواليد 1981 درست الفيزياء وهذه هي أول تجربة روائية لها.
صدرت هذه الرواية في بداية هذا العام 2017 لتكون باكورة أعمال الكاتبة الشابة. وهي تتحدث عن موضوع شديد الأهمية ألا وهو الهوية.
مما لا شك فيه، أننا اليوم نعيش في ظل أزمة هوية خانقة جداً للفرد العربي. فالقاريء للتاريخ العربي الحديث يدرك جيداً حجم خيبات الأمل التي يعيشها الفرد العربي ويمكنه أن يرى كيف تصطدم خيبة الأمل هذه بالتفوق الهائل للغرب. وما يصلنا من المهاجرين العرب عنهم يمكننا من إدراك المزيد عن ذلك. وهذا بالطبع، ليس بالموضوع الجديد فنتذكر لربما كتاب أمين معلوف "الهويات القاتلة" والذي تحدث عنه في الفترة ما بين 1998-2002.. إلا أننا نرى تفاقم هذا الموضوع ليشكل أزمة حقيقية للأمة في شعورها العام بالهزيمة والدونية أمام تفوق الحضارة الغربية وعظمتها.. وهنا، ينقسم المرء بين تنصل من هويته ومحاولاته للإنتماء إلى الأمة المنتصرة وما بين فرد آخر لا يقوى على ذلك. فئة المستغربين الذين بيننا وفئة المحافظين.. ولربما نتذكر جيداً ما قاله علي عزت بيغوفيتش عن هاتين الفئتين ولن أخوض في هذا الأمر ها هنا.. فقد عرضنا فيه بما فيه الكفاية من قبل.
نرجع إلى روايتنا، فزمانها هو الزمن الحاضر بغض النظر عن سرد الذكريات التي أوصلتنا إلى تلك النقطة الجوهرية في الحكاية والتي يحدث أنها تكون في بوسطن الأمريكية قبل أن تنتقل بنا إلى قرية أردنية ثم ترجعنا مرة أخرى إلى بوسطن حيث تكون الخاتمة.
تتحدث الرواية عن البطلة -دون منازع- سارة، الفتاة اليتيمة الشابة المحجبة والمرتبطة إرتباطاً عظيماً بهويتها؛ المسلمة، العربية، الأردنية، المحجبة. لماذا يكون الحجاب جزءً من الهوية ؟ حسناً، لأنه شيء مميز للمرأة المسلمة في مجتمع كبوسطن.
تبدأ الرواية من زمن ما قبيل الحدث النهائي للرواية.. وفي مشهد تظهر فيها السارة تخبطاً عظيماً على صعيد الهوية. فها هي هنا في بوسطن، تفكر في خلع الحجاب لربما كي تندمج مع المجتمع الأمريكي ولربما كي تتنصل من ماضيها وهويتها والتي يكون الحجاب جزءً لا يتجزأ منها. حتى أنها تراخت في صلاتها فلم تصلِ الفجر في ذلك الصباح الأمريكي الخريفي التشريني. ولنا مع العنوان عودة.
لقد سافرت سارة إلى بوسطن مع عمتها كي تكمل دراساتها العليا، ولكن، لدي هنا مشكلة:
لقد كانت البداية توحي بأن سارة فلسطينية، فهي تشارك في معرض فني فلسطيني وذلك الحنين أثناء سماع كلمات درويش.. لم تكن هناك أي إشارة بأنها ليست فلسطينية. المزاج العام كان فلسطينياً بامتياز. ولكن، وفيما بعد يتبين لنا أن سارة هي من أب أردني كان يعمل في سلاح الجو وقتل إثر حادث فني في طائرته. بينما والدتها كانت فلسطينية من نابلس. ولم تقصر الكاتبة في عرض ذلك الترابط التام ما بين الأردنيين والفلسطينيين داخل الأردن. وهذه نقطة أخرى مهمة في صراع الهوية وقبل أن أخوض فيه لا بد من التعريض بهذا الخلل. لماذا لم تكن هناك أي إشارة لكون سارة أردنية ؟ من الممكن أن يسبب هذا بعض الإرباك للقاريء. وأعتقد بأنه كان من المهم أن يكون هناك تعبير ما عن أردنيتها ورغم ذلك فهي مهتمة بالقضية الفلسطينية. فذلك مقنع أكثر. الأهم من ذلك هو أن الرواية قصيرة إلى حد ما.. فهي تقع في 220 صفحة وقد استهلكت الكاتبة حوالي ربعها ولم نكن نصل بعد إلى تباشير حبكة الرواية وهذه مبالغة هائلة في رواية من هذا الحجم. انتهى الفصل الأول ولربما أكثر الفصول تمايزاً يمكنك بسهولة أن تميز انتهائه عكس بقية الفصول. المهم، أنه انتهى في الصفحة 24 ولم تكن فيه أحداث كثيرة عدا عن لقائها مع جمال ابن عمها في المعرض الفني الفلسطيني لتبدأ من الفصل الثاني الرجوع إلى ذكريات بداية حكايتها مع جمال.
إذن، الرواية قصيرة، وقليلة الأحداث بشكل عام ويغلب عليها حديث النفس وما يشبه الخواطر التي يحدث أن البطلة سارة تكتبها لنفسها بين فصل وآخر. وحقيقة، لا مشكلة في ذلك عدا أنه غدا مستهلكاً جداً في الرواية العربية الشابة. وما يزيد الطين بلة، أن الخواطر هي نوع من أنواع السكون في السرد الروائي.. وحين يغلب السكون على الحركة -حيث تكون الحركة هي الأحداث- فقد يزيد ذلك في إحتمالية إثارة الملل في نفس القاريء.
تنتقل الحكاية فيما بعد لشرح كيفية تيتم سارة وكيف أن الأب قد أوصى أخاه أبا جمال وأخته صفاء بسارة. ونعرف أن سارة تعيش في قرية أردنية مع عمتها صفاء. ونبدأ في التعرف على علاقة حب سارة وجمال.. وهنا لدي مشكلة أخرى:
من الواضح أن حب سارة وجمال هو المحور الذي تدور حوله الرواية، وعليه فمن البديهي أن نجد مكاناً ما لبدايات هذا الحب. لكننا لم نجد ذلك. ولننظر إلى الأمر معاً. هاجر أبو جمال منذ زمن طويل إلى أمريكا وتزوج من أمريكية مسيحية وأنجبا جمال.. وقد كان أبو جمال شبه متنصل لأصله ويكره العودة إلى الأردن وكان كذلك شبه لا ديني.. وقد نشأ جمال في تلك البيئة ما بين أب مسلم تخلى عن دينه وأم مسيحية وفي بيئة أمريكية، فلا ريب إذن ألا يعرف عن الإسلام سوى اسمه. ما يهم هنا، هو أن جمال نشأ في أمريكا بينما سارة ظلت في الأردن. فمتى إذن، ولد هذا الحب بينهما ؟ وكيف ؟ من غير المنطقي أن يكون بينهما كل هذه الحب رغم كل هذه المسافات بينهما. فتاة ملتزمة تعيش في الأردن تحب ابن عمها الذي بالكاد تراه بين كل بضع سنين وهو لا يطيق بلادها كأبيه كذلك ؟ كيف يمكن لشاب نشأ مثل هذه النشأة أن يحب فتاة كهذه ولا تزيغ عيونه على فتيات أمريكا رغم أنه لا يملك أي رادع عن ذلك ؟ لم يكن ذلك منطقياً مطلقاً. والمشكلة أن هذا الحب هو ما تستند عليه حبكة الرواية.. مما أضعفها بشكل عام.
بكل تأكيد، إن فكرة حب كهذا هي فكرة أكثر من ممتازة لعرض صراع هوية. لكن كان من الممكن أن تكون الأمور أفضل بكثير لو تم عرض بداية بذرة هذا الحب بطريقة مقنعة أكثر. فعلى سبيل المثال، كانت سارة في الأردن تبدو متمسكة جداً بهويتها ودينها بل وترفض السفر وترك بلادها. وقد حدث أن اختلفت مع جمال في موضوع الحجاب.. بشكل مدهش إلى حد ما. فكيف يمكن لاثنين يحبان بعضهما بجنون ألا يعرفا رأي بعضهما البعض في الحجاب ؟ هذا مع أن سارة محجبة ويبدو لذلك موضوعاً سهل الطرح للغاية ! ومن جهة أخرى كيف يتفق هذا التمسك الشديد من سارة بهويتها مع ذلك الإضطراب الذي شاهدناها فيه في بداية الرواية ؟ رغم أن سارة لم تتنازل للحظة واحدة في سياق الرواية ما بعد البداية عن هويتها. فكيف يتفق إذن ؟ والعجب العجاب، ردود الأفعال الكرتونية لشخصية جمال.. والتي تبدو غير مترابطة تماماً. حيث أنه وبسبب خلافهما في موضوع الحجاب لم يأتِ في اليوم التالي للحديث في موضوع خطبته من سارة ! دعونا نمضي خطوةً، خطوة: إذن، هما يحبان بعضهما البعض ورغم ذلك لم يتحدثا في موضوع الحجاب من قبل قط ؟ وحين يفعلان ويختلفان يصرف ذلك الإختلاف جمال عن المجيء لزيارة سارة للحديث في موضوع الخطبة ؟ يا له من حب عظيم حقاً !
وينسجم مع ما سبق رد فعل جمال حين ترفض سارة فكرة السفر إلى بوسطن ليسافر هو وحده غاضباً وعازماً على نسيانها ويغرق نفسه في العمل ثم يحادثها هاتفياً بعد مدة ليحكي لها أنه ضائع بدونها.. وأنه قضى أيامه في النوادي الليلية والبارات وثمل ولم يترك شيئاً إلا فعله.. لتعود سارة إليه بعد هذه المكالمة الطويلة ! ما أسهل الحياة حقاً إن كانت مكالمة هاتفية بسيطة كهذه ستحيي حباً كهذا.
وحين عودته أخيرأ ليتزوجها يكتشف أنها غير سوية نفسياً وأنها تتعرض إلى إغماءات كثيرة.. ورغم هذا فلم تخبره عمته عن ذلك شيئاً إلا بعد كتب كتابهما ! يستحيل أن يكون ذلك مقنعاً إطلاقاً.. فحتى لو كانت سارة ترفض أن يدري جمال بذلك فمن البديهي لعمتها أن تخبره عن شيء بمثل هذه الأهمية شاءت سارة أم أبت. والمدهش، أن سارة تصر بعد ذلك ألا تترك بلادها وتسافر معه إلى بوسطن بعد أن يتزوجا ! لماذا قبلت بكتب كتابهما إذن ؟ على ماذا كانت تراهن ؟ أن يعيش معها في الأردن ؟
ويسافر جمال مرة أخرى إلى بوسطن، وبعد مدة لا بأس بها.. نجد سارة تسافر مع عمتها إلى بوسطن بالذات كي تكمل دراساتها العليا ! إذن، هي ترفض السفر من أجل حبيب عمرها والذي كان يمكنها أن تكمل دراساتها معه وتفوز بكل شيء.. -هذا لو غضينا الطرف على الاختلافات العظيمة بينهما- لكنها لا تمانع من السفر إلى بوسطن من أجل دراستها ! لا أعتقد بأن هذا دليل حب. في الواقع، إن كان كذلك فهو حب كرتوني كبنية الشخصيات ذات العلاقة بها. أتفهم أنها كانت تنتظر المنحة وأنها كانت لا تزال تراهن على الوطن. لكن، في أي عصر تعيش هذه الفتاة بالضبط ؟ أهي حقاً من السذاجة بألا تعلم كيف تسير الأمور في الأردن وأي دولة عربية أخرى ؟ كلنا نعلم كيف أن المحسوبيات هي من تسيّر الأمور.. لكن، يبدو أن سارة تمثل شكلاً متطرفاً غير سوي في التمسك بالهوية.. فأن أكون متمسكاً بهويتي لا يعني أبداً أن أكون أعمى عن عيوب بلادي. فهذا بالضبط ما يسمى بالتعصب.. وقد يبدو منطقياً ومقنعاً في سياق مختلف. لكنني لم أجد في خلفية سارة ما يقنعني بأنها تملك ما يؤهلها كي تكون متعصبة بهويتها. لا شيء يبرر ذلك في النص.
لتكون بعد ذلك النهاية المأساوية، ولا ألوم سارة بالطبع على ردة فعلها. فهي بديهية جداً بعد كل حماقاتها هي وجمال.. وأن تشعر بالذنب حيال ما حصل. ثم كان ذلك المشهد على الجسر. وهو يذكرني بخاتمة رواية الزانية لباولو كويلهو حيث تقوم ليندا بتلك الرحلة وتقفز من الطائرة.. لتهبط على الأرض تشعر بالخلاص. لم يكن خلاص سارة بسقطة مطابقة، إنما سقطة مجازية.. لربما أفاقتها من حماقاتها.. من يدري ؟
سأخصص ما تبقى من المراجعة لبعض النقاط الأخيرة:
لقد تم التعريض بكثير من النقاط في هذه الرواية؛ التدين الظاهري والتمسك بشكل الدين وترك جوهره.. وهذا بكل تأكيد شيء مهم.. مدى طغيان العادات والتقاليد على الحياة الإجتماعية بشكل يفوق الدين في كثير من الأحايين. وبعض الحديث المقتضب عن داعش، وحادثة تفجير الملهى الليلي للمثليين في أمريكا.. وهذه كلها نقاط مهمة ولكن، كان من الممكن أن يتم طرحها بطريقة أفضل وأشد تأثيراً.
اللغة كانت أكثر من جيدة، بالرغم من الأخطاء المتفرقة هنا وهناك.. إلا أنه يمكن تجاوزها. وحقيقة، كان من الممكن جداً لهذه الرواية أن تكون أفضل بكثير لو لم تلك السقطات التي تحدثت عنها هنا.
يذكرنا العنوان برواية "في ديسمبر تنتهي كل الأحلام" لأثير النشمي.. حيث تم ربط الأحداث يفترة معينة من الزمن كهذه تماماً حيث كانت كل الأحداث المهمة تأتي في تشرين بينما تلك في ديسمبر، وحقيقة لا أجدني قادراً على التعليق على ذلك لأن مدى نجاحه سيكون منوطاً بمدى جودة توظيفه في السياق الروائي.. ولهذا أرى أنه من الممكن أن يكون مناسباً للرواية. ولا يخفى بالطبع، أنه لربما يمكن تصنيف هذه الرواية ضمن مدرسة أثير وأحلام وغيرهما.. من المدرسة الشاعرية ��ي الرواية العربية وبالطبع، هذا لا يعد عيباً. على العكس، فإنه من الممكن عرض موضوع الرواية بشكل أكثر من رائع من خلال هذه المدرسة.
الخلاصة، يمكنني القول بأن موضوع الرواية كان في غاية الأهمية، إلا أن الحبكة لم تكن موفقة تماماً.. ناهيك عن المشاكل في بنية الشخوص وخلفياتهم وردود أفعالهم.. لولا ذلك لكنا نقف أمام رواية عظيمة حقاً.