رواية عاشق مولع بالتفاصيل للكاتب ألبرتو مانغويل , رواية قصيرة , تتحدث عن جانب آخر من الجمال , جمال التفاصيل و اللحظات التي تمر مرور الكرام على الجميع , بإستثناء القلة , و بطل القصة هنا من هذه القلة , البطل مهووس بالجزئيات عوضاً عن الكليات , لا يستطيع مطلقاً أن يرى الصورة كاملة , بل يرى في الكمال نقصان , فهو اندفع الى حيز الخصوصيات بعيدا عن العموميات , ليرى الاجزاء فرادى , كاملة , مستقلة , تعبر عن نفسها كجزيئيات بصورة أكبر بكثير من دورها في الكليات , البطل هنا و الذي ولد في العقد الاخير من القرن التاسع عشر , خادم في حمام عمومي , حضر مرة جنازة فلم يرى سوى ذقن الأرملة و هام به إعجاباً , حتى شاءت الاقدار ان يقابل أمين مكتبة علمه التصوير , فبات يصور تفاصيل البشر تلصصاً , حتى قضى عليه ! الرواية هنا تقدم بعداً حقيقياً للحياة , يدركه كل منا في لحظات معينة , في فترات قصيرة , حتى يتلاشى هذا البعد , و نعود الى دورة الحياة الاعتيادية , بعد , يشبه وله عاشق مثلاً بخصلة شعر محبوبته , بعد , يشبه تعلق بمقطع اغنية دون غيره , بعد , يشبه حب قطعة صغيرة من أرض ما , بعد , يشبه سماع رنين كلمة من شخص ما , كل هذه , جزيئات , جميلة , مستقلة بذاتها , تبقى في قلوبنا , حتى تمر رياح الحياة تنثرها , و نعود إلى الكليات , فنرى ذات الخصلة فتاة ككل الفتيات , و المقطع , أغنية ككل الاغنيات , و تلك القطعة الصغيرة , مجرد شي آخر ككل الأشياء . ما تريده الرواية , او ان صح التعبير ما يريده ألبرتو مانغويل هو أن يقول لنا , لا بأس بحب التفاصيل الصغيرة , لا بأس بالتعلق بالجزيئات , لا بأس , فبطلنا هنا عاش كل حياته معها , كل حياته , يرى كل شيء الا الصورة الكاملة ! كما يتجلى في المقطع التالي حين قال البطل " الشعرات المفردة لا تعني لي شيئاً , ولكن هذه الحزم , هذه الايكات , هذه التجمعات الممشطة بالاصابع الخمس جميعها ليد نحيلة , كم تغمرني بالرغبة , انا راض بتخمين طولها من خلال الجزء المعروض امامي , لا ارغب في رؤية المزيد , الاكتمال لا يترك فسحة للرغبة " , تقيمي للعمل 4/5 , و هو عمل فريد من نوعه !
مقتطفات من كتاب عاشق مولع بالتفاصيل للكاتب ألبرتو مانغويل
----------
من يملك منا أذنا مرهفة قادرة على تمييز تغريد طيور مختلفة , او من يكون ذا موهبة فطرية لحل المشكلات العويصة للمنطق , قد يتمتعون بقدرات كهذه سنوات طويلة دون ان يدركوا امتلاكها ال ان يبينها لهم شخص ما , انها تبدو طبيعية و غير ملحوظة ازاء الطريقة التي نرى فيها انفسنا
-----
قال : لا أؤمن بالاشياء الخفية , فرد عليه , هل بإمكانك رؤية افكاري ؟ هل بإمكانك رؤية الهواء ؟ هل بإمكانك رؤية المخبز عند زاوية الشارع ؟ فرد : لو انتظرت وقتا كافيا سيكون بوسعي رؤية كل شيء , الهواء بسبب ذرات الغبار , افكارك بسبب الطريقة التي يرتعش بها وجهك حينما تفكر , والمخبز , لو مضيت عدة خطوات نحو اليمين لرأيته !
-----
الصور الملتقطة اعادة انتاج مميزة للحظات تمر سريعا في عالمنا المحيط بنا , ولذا نادرا ما تصبح مواضيع مناسبة للتأمل
-----
لم يكن الجنس مهما له لأن الكائن البشري بأكمله اصبح في عينيه , كتلة من الاغواءات الجنسية اللانهائية , و موزاييكا من الرغبة , و خلية نحل من الاحتمالات الايروتيكية التي تتحول وتتجمع بتقلب موشوري لوني
-----
الشعرات المفردة لا تعني لي شيئاً , ولكن هذه الحزم , هذه الايكات , هذه التجمعات الممشطة بالاصابع الخمس جميعها ليد نحيلة , كم تغمرني بالرغبة , انا راض بتخمين طولها من خلال الجزء المعروض امامي , لا ارغب في رؤية المزيد , الاكتمال لا يترك فسحة للرغبة
-----
الفرق بين التصوير الفوتوغرافي و النظر هو ان فعل الاول يدوم الى الابد , فيما يحدث فعل الآخر في شذرة زمنية لا تشبع حواسي الشرهة على الاطلاق
-----
اكتشفت منذ زمن ان الحزن والخواء اللذين يقهران فعل الحب يحيلانه ليصبح غير مرغوب به في نهاية المطاف
-----
كل ما بوسعك ان تأمله هو المراقبة والحب والانتظار , ولكن الحبيبة المتخيلة , المخلوقة من كل هذه المجوهرات , التي تكون متاحة بسخاء في العالم بحيث يكون لكل كائن , كل بائع , كل متسول , كل موظف حكومي معتد بنفسه , كل عجوز منهك , كل حيزبون , حصة فيها , لن تكون تلك الحبيبة لك أبداً , ستبقى دوما , بالنسبة إليك , متخيلة و مستحيلة
-----
الحب عاطفة غامضة , سمته الاشد وضوحاً هي عدم قابليته للتفسير , ارتباطه و تجذره في الاطار الاقل وضوحاً , في مسار حياتنا العادية , ما يقلب فجأة توجهات سلوكنا و يحرض ميلا عشقيا ملتهبا كان مجهولا قبل تلك اللحظة هو سؤال لا تكمن الاجابة عليه عبر المؤرخين على نحو دقيق ابداً , احيانا تعمد لوحة او حكاية موحية , سمة شخصية بارزة او صفة مميزة في الطبع , الى تقديم سبب بشأن الحالة الخاصة , التي عادة ما تكون غير متوقعة , التي تستحوذ على جسدنا و عقلنا
-----
يعلمنا الشعراء أن الانتظار , بالنسبة للعاشق , مصدر سعادة وشقاء في آن , مسرات الترقب تتحد مع شقاء عدم تحقق اللقاء , حالة من الارتقاء يكون فيها , في الوقت ذاته , فينوس و حشد عشاقها و ساتورن سيد الكآبة
-----
بالنسبة الى العاشق , الزمن ليس لصاً بل واهب , ساحر سخي يغدق عليه الهدايا , ليس اقلها الاضافة الدائمة للوهج العشقي , والتوتر الاحتفائي قبل الغزو الذي تشنه نقطة التحول , والترقب المنعش للقلب قبل لحظة التجلي
-----
بم نتشابه , انت و أنا , وثلج مايو ؟ , انت ببياضه الرائع , وانا بذوبانه !
-----