إلا أن الشبل كان واقعياً جداً. هو الوحيد الذي فهم بأنني لن أُشفى أبداً. قال لي دائماً في محل الفليبرز "أنا مقتنع بأنك لن تُشفى أبداً. لهذا أحمل معي هذا المسدس. أنظر. هذه الماسورة من أجل ألا يصير له صوت. يعني لو أطلقتُ عليكَ النار، لن يعرف أحد بأنك مت. ولا حتى أنتَ نفسك". كان يروق لي هذا الجزء من الحكاية كثيراً. أن أموت دون أن يعرف أحد أنني ميت. لذلك كنت كلما رأيتُ الشبل أقول له "أعد عليّ تلك الحكاية. بأنني إذا مت لن يعرف أحد بالموضوع". فيُخرِج المسدس بخفة من وراء ظهره وسط قلق الأولاد الآخرين ويخرطشه ثم يقول "هذا مسدس. وهذه الماسورة فيه، من أجل ألا يصير له صوت. يعني إذا أخذتك في هذه اللحظة إلى ذلك الزاروب وقوّصتك هناك لن يعرف أحد من هؤلاء بأنك مت. ولا حتى أنت نفسك". فأشعر بسعادة تصل إلى تلك الندبة المكوية في إصبع قدمي الصغير، وترتعش جمجمتي كما يحدث لي حين أتبول، وأقول له "خذني إلى الزاروب وقوّصني"، وأبدو كما لو أنني أتحداه. إلا أنه يقول "عليك أن تُشفى أولاً. أنا لا أطلق النار على أشخاص ليسوا بكامل وعيهم العقلي"، ثم يأمرني بحزم أن أغرب عن وجهه.
شاعر وصحافي فلسطيني آيسلندي مواليد بيروت ١٩٧٨. حائز على بكالوريوس في الكيمياء من الجامعة اللبنانية. كتب في النقد الأدبي والمسرحي والبحث للعديد من الصحف والمجلات في العالم العربي والأوروبي. ترجم رواية «يدا أبي» للكتاب الأميركي مايرون أولبرغ (دار الكلمة). مؤلفاته: الكاميرا لا تلتقط العصافير، ط ١، دار الأنوار، ٢٠٠٤، ط ٢، دار الجمل ٢٠١١. كأن حزننا خبز، دار الفارابي ٢٠٠٠. ترجمت بعض قصائده إلى الفرنسية والإنكليزية والسويدية ونشرت في دوريات شعرية أوروبية.
بدها صفنة، عالم مازن معروف غريب، أو جديد لأكون أدقّ. كلشي جديد لدرجة كنت بتساءل إذا في نماذج شبيهة باللي بكتبه ، لإنه الخيال - أعتقد - ما بيجي من فراغ، بس الخيال بقصص مازن معروف ببين كإنه جاي من الفراغ، إشي أصيل هيك في ذاته. لكن من باب الانتقاد، ومش بس لإنه قصص المجموعة مترابطة (سمّاها الكاتب متتالية على تويتر)، كان في شعور طاغي بالتكرار.
بحب جرأة مازن معروف على كتابة أشياء، كثيرين ممكن يعتبروها سخيفة/سطحية/مش أدب. والموضوع ببلش باللغة، وبُوْصَل للأفكار (مع سذاجة الفصل بينهم يمكن). في تخريب واضح باللغة، من دمج العامي بالفصيح بنص الجُمل، لاستخدام ركيك أحيانًا للحروف (حروف النصب، الجر.. إلخ)، لاستخدام استعارات ومجازات هزليّة (ولازم أعترف إنه بكثير أحيان بتكون عظيمة بقدر غرابتها) وغيره، بهمّش اللغة لحدودها الدنيا؛ مجرّد وسيلة لنقل المعنى، وحتّى لمّا يقترب فيها من البلاغة، فهي مش أكثر من "مهنة تشبه الشعر" (لغة مازن معروف بتشبه - على الأقل بمخّي - كيف فوكو شايف الخطاب: إفّيه ونفسي فيه، بمعنى إنها بتحاول تتملّص من أي دور جمالي، في صالح التعبير عن كل اللا منطق اللي بالقصص (أطفال + حرب ما وقّفت من مجموعته الأولى "نكات للمسلّحين" + سحر... إلخ)، لكنها بتغازل الجانب الجمالي، ويمكن نبرّر هذا الكلام، بإنّه إذا كانت الطفولة هي الخندق الأخير زي بقصة "الجرذان التي لحست أذني بطل الكاراتيه"؛ الفئة العمرية الوحيدة "المُتجاوزة"، فدور الاستعارة/المجاز، على قلته، هو التعبير أو التمسّك بهذا الشيء المُتجاوز، على قلته هو أيضًا.
مجدّدًا، إذا مدّينا كلام فوكو ب "نظام الخطاب": "كان من الممكن ألّا تكون هنالك بداية إذن؛ وبدل أن أكون ذلك الذي يصدر عنه الخطاب، ربما كنت بالأحرى معرضًا لمسار صدفته، ربما كنتُ ثغرة رفيعة، وربما كنت نقطة اختفائه الممكن" على طوله، فرح أسمح لحالي وأقول إنّ مازن معروف حاول تكون لغته هي "نقطة اختفاء الطفولة الممكنة"، أي، بحسابات قصة "الجرذان التي لحست أذني بطل الكاراتيه"، لغته هي دبدوب فضائي.
لقد كان انهاء هذا الكتاب على قصره عملا صعبا. القصص تتحدث عن عالم مليء بالوحشية الصرفة، وشخصيات بلا مشاعر، تبدو كصورة مجردة. ذكرني بأفلام saw . السرد مرتب والخيال واسع ولكني ببساطة لم أحب هذه القصص وفشلت في التواصل معها.
خيط رفيع جداً يربط بين أحداث قصص هذه المجموعة ، قصص سوداوية بشخصيات مبهمة وعنيفة حد الإجرام كلها وليدة ظروف من القهر والحروب ، وكأن الكاتب جرد العالم من حوله من أي رمز أو دليل على الجمال وأحال كل ما حوله إلى عالم من القبح والبشاعة . غرائبية القصص وفنتازية الأحداث تحملنا إلى أجواء لم نألفها في القصص القصيرة ولكنها أجواء ترفع بين القصة والقاريء جدران من الغربة والفصل فلا يستطيع القاريء التماهي ولا تقبل الأحداث !
أخرى لمطالعة قلم معروف .. أتفهم أن عقل مازن يفكر بالاجنبية، ما يفسر اسلوب كتابته لكني صراحة اتساءل عن دور الدار في التعديل والمراجعة قبل النشر، خاصة والمتوسط من ارفع الدور في وطننا العربي
أهم ما استطيع قوله عن مازن أن الاب والأم حاضران بقوة فيما حاولت القراءة له من المجموعتين القصصيتين هذه والصادرة عن دار نوفل
لا أعرف ماذا سأكتب، القصة الأخيرة كانت حقا مرعبة... لذا أردت انهاء الكتاب بسرعة، كنت منهكة من قراءته. حقا، كان كتابا مختلفا عن أي كتاب قرأته من قبل. أعترف بأن بعض القصص كانت جيدة وبعض الفقرات والاستعارات حقا موفقة، الا أنه أحيانا شعرت اني اقرأ قصة مترجمة بشكل سيء وكأن الكاتب جعل خياله يفيض دون احداث اي تعديل (لغوي وبنيوي) على النص. وأعترف انه رغم جمال بعض الصور (ورؤية ابداع الكاتب) الا انه سادت الصور البشعة، (بل المقززة احيانا) والتي نمت لدي شعور بالاستنفار. (لربما هذا كان هدف الكاتب أساسا، وصف السواد الذي تخلفه الحروب، ولعله نجح بطريقة ما بشكل مثير للسخرية) كنت أحب لو أنه استعمل الاستعارات الغريبة ذاتها ولكن بشكل أقل وطأة او بشكل مدروس اكثر.
لغة رشيقة، التقاطات ذكية، أسلوب مختلف عن القصص الكلاسيكية التي تتمحور حول ذات المواضيع منذ نصف قرن! مزج الفانتازيا بسخرية الواقع، العنوان غير موفق من وجهة نظري والغلاف بلا جاذبية
مناخ غرائبي يذكرني بطريقة توليد الأعداد العشوائية البرمجة. فغابة كاملة من الأعداد العشوائية لا تنتج إلا من عدد قليل من البذور. بذور الواقع في هذا المتخيل، السوداوي وخفيف الظل في نفس الوقت، ليس إلا مجموعة بسيطة من الأحداث الكليشيه التي يعيشها ابن شرق المتوسط، ابن الحرب والعنف العبثي. طريقة جديدة، مبتكرة وعظيمة، في رواية هذا الواقع، واقع لا يشبه إل قصة مأساة بائعة الكبريت ولا يمكن روايته إلا بهكذا خيال، بخيالنا ونحن نأكل البوظة في عزاء.
الجرذان التي لحست أُذني بطل الكاراتيه الكاتب : مازن معروف نوعه : قصص قصيرة دار النشر : براءات المتوسط عدد الصفحات : 124
لا أدري من إين أبدأ في حديث عن هذا الكتاب، لأني أقرأه من أول صفحة إلى آخره بعينين جاحظتين من الدهشة والكثير من الرُعب والخيال الأخاذ ! ، واعرف وانا مستمرة في القراءة اني سأخفق في توقع الآتي فعلًا هذه القصص القصيرة مترابطة جداً لا يمكنك ان تستبق معها قصة لاحقة بقصة سابقة، الأمر أشبه بصندوق ألعاب تتابعه انت من الأعلى فيما الشخصيات تمسكك من قلبك ، فتجري نبضاتك كلها حتى تشعُر بالخدر في أصابع يديك وتتنمل قدميك! والنهاية إنها النهاية التي تجعلك مشدوهاً من كل ما حدث من تسلسل حتى يحصل الأخير على سلامه الداخلي من بيت خشبي تطفو حوله لُعبة وتسكنه روح!
وتمنيت كم تمنيت أن أمزق قصة "أمعاء" او ارفعها إلى مستوى فكرة أخرى
لكن رغم فكرتها يبقى الكتاب بفكرته العظيمة مرعب وغريب بشكل رائع على الكاتب أن يكون مجنوناً ليكتب بهذه الهيئة !