عندمَا دخل فزعًا من باب القطَار , وقف للحظَات واستدارُ ينظر إلى جانبي الباب والجهة المقابلة من الرّصيف بدَا لهُ في هذا الجو شديد البرودة أنّه لن يجد راكبًا ىخر فقط كانت المقاعد المرئية لهُ في العربة الغارقة في الظلام الليلي على ضوء الرصيف جميعهَا فارغة , بعض زجاج النوافذ مكسور مما يعني أن الجو طوال الرحلة سيكُون قارصًا لدرجة القتل مع سرعة القطَار .. أخرج سيجارةً واشعلهَا ليختلط دخان نفسهَا الأول بالبخار الخارج من فمه أثر البرُودة , استدار فأجفل , كيف لم يرَ هذه المرأة وهي قريبةُ منه لهذه الدرجة حتى كاد يصطدم بوجههَا الذي حُفرت ملامحهُ في عقلهِ , بتجاعيدها و عينيها الحمراوين الجاحظتين ووجهها العريض حتى ليكاد يبلغ ضعف حجم وجهه رغم أنها قصيرةٌ أمامُه ! قالَت له وهيَ تجرُّ جوالاً متسخًا بينما يعترض طريقهَا للهبوط قبل أن يتزحزح : - راكب جديد؟ أعطني سيجَارة ؟ سريعًا مدّ يدهُ إلى جيبِه , ناولهَا سيجارة , قالت بصوتها الجاف العجوز : - أشعلها لي . بدَا الجو مشئومًا, هذه المتسولة هي الوحيدة التي تشاركهُ العربة , عرفَ أنها ستهبط قبل سير القطار عندما وضعت جوالها خارج الباب ووقفت تدخن السيجارَة , عندمَا همّ بالحركة سألته : - إلى أين أنت ذاهب ؟ لا يطيقُ من يتدخلُون في شئون الآخرين , خاصةً إن كانوا لا يعرفونهم , نظرَ لهَا صامتًا ولم يعلّق , قالَت له في سخط وهي ترمي السيجارة بعد أن أنهتها في شراهَة : - هذه ليست محطتي , لكن لابد من الهبُوط , أنت تعلم هذا القطار ..لا يمكنك أن تظلّ بهِ حتى المحطة الأخيرة ! همّ ان يجاملهَا بعبارةٍ من قبيل القطارات القديمة هكذا , أو يسألها اين ستذهب لكنه آثر الصمت , مع هبوطهَا من العربَة ,بدأ القطار بالتحرك , قالَت وهي تسحب جوالهَا بينمَا القطار منطلق : - لا تنزل دون أن تترك علامةً على مقعدِك .. رغب أن يسائلها هذه المرة فعلاً ولكن القطار في ثوانٍ غابَ في الظلام بينمَا أضاءت أضواء شديدة الخفوت في العربَة .. أوجسَ في نفسهِ خيفةً وغاب في أفكار الضيَاع ولم يمض وقت قليلٌ حتى توقف القطارُ في محطة لم يستطع تبين أي شيء على الرصيف , لم يكُن هنَاك ضوء , ولكنه علم أن هناك راكبًا حينَ سمعَ وقع القدم على أرض القطار المعدنية , إلتفت لصاحبهُ عندمَا اقترب منه .. هل هي فتاةٌ أم يخيّل غليهِ ذلك ؟ في هذا الوقت ؟! وقفت أمامه وقالت بصوتٍ رقيق يمتزج برجاء .. - هل تسمحُ لي ؟ تبدُو ملامحك مطمئنة وأنا أخافُ كثيرًا ..
رواية رائعة دمج فيها الكاتب الخيال مع الواقع بصورة شيقة من خلال كشف بعض تفاصيل الجرائم الشنيعة التي تحدث فعلا في مجتمعنا وقدم لمرتكبيها صورة مرعبة عن العقاب الذي يغفلون عنه وما ينتظرهم من عذاب في حياة ما بعد الموت بأسلوب تقشعرّ له الأبدان.