قراءة الصديقة العزيزة الدكتورة خولة حسن الحديد حول هذا العمل الأدبي الرائع
.......................................................
مورا في مدريد بين التمرد على الأجناس الأدبية و التداخل بين العام و الخاص:
في تقديمي للعمل الأدبي ” مورا في مدريد” للكاتبة نوال السباعي، كنت قد أشرت أنّ هذا الكتاب عبارة عن نص أكثر من روايةٍ وأقلّ بقليلٍ من عملٍ موسوعيّ، و لعلّ هذه العبارة تُعبّر بشكل حقيقيّ عن الجانب الفني الأهم و الأبرز في النص الذي أراه وفقاً لتصنيف الأجناس الأدبيّة نصاً مفتوحاً، لا ينتمي لحقل معين من الأجناس الأدبية و الكتابية عموما، بل يجمع بينها جميعا ليجنح منها أيضاً متّخذاً له هويّةً مختلفةً متعدّدةَ التقنيات الفنيّة والسمات الجماليّة، ممّا يجعله قابلاً للقراءة وفق أكثر من منهج و رؤية بحسب ثقافة المتلقي وأفقه وسننه في التلقي.
التمرّد على الأجناس الأدبيّة
يتمرّد نص ” مورا في مدريد” على الحدود التي تفصل بين الأجناس الأدبية، فهو يحمل كل سمات السرد الروائي و فنيات الروي من حوار ومنولوج داخلي وصور متشابكة، إلى جانب تضمّنه عدداً كبيراً من القصص القصيرة التي تتمتع بكلّ فنّيات القص، إلّا أنّها تندمج مع النص ككل في جريانه كنهر متعرج لا يتغير جوهر مائه وإن تغيرت المشاهد التي يعبرها، ليجد القارئ نفسه أحياناً متنقلاً من بين السرد الروائي وبنبيته الحكائيّة وزمكانيته، وبين روح القص الخاطف و المكثف، ليصل إلى التقرير الصحفي والمقال بسماته المعروفة عابراً أحداثاً عدّة كُتبت بروح وأدوات التأريخ و التوثيق خاصة أنّ إلحاق الكاتبة النص بملحق ” كورنولوجيا” الذي يوضّح و يشرح التواريخ والأحداث قد عزز من السمة التوثيقيّة والرؤية الثقافيّة للنص ليعود إلى سمات القصّة – المقال، وخلال كلّ هذه الرحلة الغنيّة تبقى بنية النص منسجمة ومتكاملة لا يشعر خلالها المتلقي بأي قطع ما، ولا تؤثر في سياق قراءته، ولا تفسد عليه متعته، بل تدفعه هذه الفنيات التي أمسكت الكاتبة بناصيتها بإتقان وحرفيّة نحو المزيد من الاكتشاف ومتابعة القراءة.
الزمكانية / زمن ومكان النص
ينسجم الزمن مع طبيعة النّص في ” مورا في مدريد” بدرجة انسجام المكان كما ورد فيه، فمع تعدّد الأمكنة التي ترد رواية الأحداث عنها يتنوّع زمن السرد، ومن الصعب تحديد طبيعة زمن السرد بسمةٍ واحدة، فقد كان حيناً تعاقبياً و دائرياً حيناً آخر بما يخدم القصّة المرويّة أو الحدث الذي تتمّ روايته بصيغة ” الأنا” الكاتبة التي بقيت ممسكة بخيوط الزمن و تحرّكها كما شاء الحدث و طبيعته، وهذا ما أضفى مزيداً من المصداقيّة و الجماليات الفنيّة على السرد، ومن أهم السمات الاستدلاليّة التي تبرز في النص هي القدرة على التحكّم بزمن السرد فحيناً يحضر(الاسترجاع) وحيناً آخر(الاستباق)، لتبرز تراتبيّة الأحداث أحياناً وفق تسلسلها الزمني أو (الزمن التعاقبي) في بعض المقاطع والفصول وخاصة عند رواية أحداث تاريخيّة، فاستعادة أحداث ماضية وربطها بزمن حاضر أو لحظة راهنة منح الكاتبة حرّيةً كبيرة في التعامل مع الأحداث والشخصيات، وساهم في تضمينها رؤية محدّدة للاستدلال على أفكار ترمي إليها من استحضار تلك الأحداث، فكانت وكأنّها الشهود على الروي الحكائي.
مدريد كانت المكان الأبرز الذي احتوى النص بدءاً من العنوان، لكنّ أمكنة النص تتنوع و تتعدّد، و ما بين حمص و دمشق يحضر المشرق العربي و مغربه، و تحضر فلسطين و البوسنة والهرسك والعراق، لكنّ هذه الأماكن المتفرّقة جغرافياً تحضر إلى مدريد من خلال ” الأنا” الكاتبة والراوية للأحداث، ليبرز أسلوب السرد الدائري في تقطيع السرد وتداخل الزمان والمكان واستحضار أحداث واقتباسات على لسان أشخاص من قبل الراوية الرئيسيّة المهيمنة على السرد، والتي تواصل السرد بصيغة المتكلم الـ (أنا) وتبقى على وعي تام بجوهر الموضوع، فتقدّم عدداً من روايات فرعية وقصص وأحداث فيظهر جليّاً أسلوب السرد المتعدّد و تداخل الأزمنة مع بعضها ممّا يساعد على استمرار عملية السرد، أو ما يسمى ب”استيلاد مستمر للسرد”، فتمتدّ الحكاية وتتولّد حكاية من أخرى ويولد حدث من آخر.
الأوتوبيوغرافيا – بين العام و الخاص:
يرى باختين أنّ هناك دائماً اختلافٌ جذريٌّ بين المؤلف من جهة وشخصياته، وضمنها تلك الشخصية الخاصة التي تدعى (صورة المؤلف) أو (المؤلف المتضمن)، ومن جهة ثانية لا يمكن للمؤلف أبداً أن يصبح جزءاً من الأجزاء المكوّنة لعمله أن يصبح صورة، أن يشكل جزءاً من الموضوع، فهو ليس (طبيعة مخلوقة) ولا طبيعة متحوّلة وخالقة، والأتوبيوغرافيا هي تلك الحالة المعاكسة لرؤية باختين، فهي أساس من أسس النزوع إلى اختراق الكتابة بنظام مرجعي إحالي إلى الذات، قصد تمرير كلّ الرؤى المتفاعلة مع الكتابة، كما تقبل تشخيص حالات الكاتب في علاقته بما يعيشه فعلياً وينتمي إلى عالمه اليومي، وهكذا يحاور الكاتب ذاته مثلما حاور سواه في حالة (التّناص)، وهنا يظهر الحوار مع الذات على أنّه (تناصات) لسيرة ذاتيّة تحول الكتابة في مسيرتها ومسارها نحو تأسيس ما قد يسمّى جدل (النص – اللانص)، ثمّ جدل (النص – الكتابة)، وبهذا تظهر نزعة الأوتوبيوغرافيا ليس كمجرد سند شكلي، وإنَّما هي في العمق أساس خلخلة التصوّر التقليدي للكتابة التي تشخّص أصلاً أوتوبيوغرافية الانتماء إلى الأدب من منظور الممارسة.
وبهذا المفهوم يظهر لنص ” مورا في مدريد” أصلاً أتوبيوغرافياً ماثلاً للعيان، و لربّما لهذا الأصل تحديداً يتعامل بعض القرّاء مع النص كونه ” سيرة ذاتية” للكاتبة، بينما في العمق هذه ليست سوى تقنيّة فنيّة تمنح الكاتب القدرة على الانتقال من الخاص إلى العام، فالنّص ليس سرديّة ذاتيّة و لا يُشبه أيّاً من تلك السرديات التي قرأناها في السير الذاتية المعروفة كفن وجنس أدبي، ومع الإقرار بالأصل الأتوبيوغرافي للنص وبتسليط الضوء على حياة الكاتبة و أفكارها فهذا لا يساعد القارىء إلّا على إلقاء مزيد من الضوء على النّص، إذ يبقى هذا تفصيل في تفكيك بنى النص والرسائل التي يريد توصيلها والأفكار التي يُعبر عنها، وهنا على القارئ تجاوز المعنى الظاهر في هذا النسق من الأفكار المعبَّر عنها ذاتيّاً، نحو عمق أكبر و جوهريّة أبعد وأنساق متعدّدة تشير إليها تلك الأفكار والسياقات التي وردت خلالها، و الأنساق الثقافية و الاجتماعية التي تودّ الإشارة إليها بهدف تشريحها وتفكيك بناها العميقة نحو مزيد من الفهم و الإلفة و المعرفة.
بين الحكاية والخطاب:
تعني “الحكاية” مجموعة الأحداث الخام في ترابطها وتسلسلها وعلاقتها بالشخصيات في أفعالها وتفاعلها، أمّا “الخطاب” فالمقصود به الطريقة التي بواسطتها يجعلنا الراوي نتعرف على تلك الأحداث، أي عملية القص التي تدار بها الحكاية وتقديمه لها، فيكشف عن منطقه وطرق اشتغاله، وأساليب إدارته للحكاية من حيث الزمن والمظهر والصيغة.
وإن تمت الإشارة سابقاً إلى بعض فنّيات الخطاب، فإنّ الحكاية أوما يُمثّل جوهرها في هذا النص، هي حكاية الغربة و الاغتراب، و الهوية المأزومة التي تعيش صراعات متعددة، تبدأ بصراع البقاء ولا تنتهي بصراع الحفاظ على ملامح وعناصر الهوية، فمن عنوان النص” مورا في مدريد” نستشفُّ هذه الغربة و ذاك الاغتراب، و قد أنبأ العنوان بحق عن جوهر الحكاية، لكنّ الحكاية ضمّت حكاياتٍ و أحداثاً و تواريخاً لحروبٍ ورحلات تشرّد و ضياع واغتراب عن الأوطان، واغتراب داخل الأوطان ذاتها، و أضاءت على جوانب مختلفة ومتنوعة فكرياً و سياسياً وثقافياً، و كمبضع الجرّاح إذ يتغلغل بين عروق المريض، تغلغل الخطاب داخل الحكايات و الأحداث ليصل إلى جوهر المرض و يشير إليه، فيحضر التعامل الغربي مع الآخر المهاجر عموماً و المسلم على وجه الخصوص، بكلّ التمايزات التي تتراوح بين العنصريّة، و الاحتواء، وبين التفهّم و الإلغاء التّجاهل وما يترتّب على المهاجر أيضاً من واجبات حيال المجتمع الجديد، هذا إلى جانب القصور و التأخر الفكري و الثقافي و السياسي الذي نعاني منه في مجتمعاتنا بكلّ ما يفرزه هذا من تبعات على أبناء المجتمع ذاته، وعلى تعامل الآخر المختلف معه، و هنا لم تعد مفردة ” مورا” تشير إلى الآخر المختلف الذي يُواجَهُ بعنصرية في بلاد الآخرين، بل كثيراً ما كان هذا حاضر ونحن نعيش بين ظهراني مجتمعاتنا العربيّة والإسلاميّة، فمشكلات هذه المجتمعات أكبر من أن تستوعب التفرّد و التميّز و الاختلاف، و هذا أيضاً ما جعل العبء أكبر، و هذا ما قاله خطاب النص في أكثر من موضع من خلال استعراضه لنماذج ومقتطفات من حيوات متعدّدة لشخوص النص.
وختاماً:
يُمكن القول أنّه من الصّعب فعلاً أن نفي هذا النّص حقّه بهذه العُجالة، و تبقى الكتابة النقديّة الصحفيّة ناقصةً، و لا تشفي غليل الكاتب، خاصةً إزاء هكذا نص متعدّد و متنوّع المشارب، كمضامين وجماليات و فنيات، و هذا ما يجعله من أكثر النصوص قابليّة لتنوع القراءات وتعدّدها، بشرط وحيد : أن نتعامل مع النص بمعزل عن التصوّرات المسبقة إزاء الكاتبة، وإزاء صورتنا النمطيّة عن انتماءاتها، و بمعزل عن نظرتنا الذاتيّة التي تبحث في النصوص عن تأكيد لوجهات نظرنا بهدف تعزيزها، و يبقى هذا النص إن انتمى لما أسماه بعضهم ” وثيقة” فهو وثيقةٌ إنسانيّةٌ بالدرجة الأولى، وصرخةٌ في وجه الوجع الأليم الممتدّ لعقود والذي حفر عميقاً في عناصر الهويّة وأدّى إلى انقسامها على نفسها و تشظيها ومن ثمّ اغترابها، ليعود سؤال الهويّة إلى الواجهة: من نحن في هذا العالم ؟ إضافة إلى كونه دعوة للنهوض و تجاوز المحن نحو مستقبل أفضل لهذا العالم الذي ننتمي إليه، ويجمعنا به آلاف المشتركات رغم كلّ تفرّدنا و تمايزنا و اختلافنا.