هل تحسم الوثائق، المعارك الفكرية التي تطيح بالشعوب وبنتاجها الاجتماعي والسياسي والثقافي ؟ وهل يمكن لوثيقة ما أن تضع حداً لما نعانيه اليوم من تشرذم فكري وعقَدي وصل إلى حد انتهاك حرية الإنسان ومصادرة رأيه وفكره وإبداعه لمجرد اختلافه مع رأي الجماعة ؟ وما مدى مفعولية الوثائق طالما أن هناك من بيده إقصاؤها والتعتيم عليها إذا ما اصطدمت بمصالحه الشخصية أو العامة ؟
هذه الأسئلة وضعنا أمامها الدكتور صلاح فضل في كتابه ( وثائق الأزهر، ما ظهر منها وما بطن ) الصادر عن دار بدائل 2017، وهي الوثائق التي عمل عدد من كبار العلماء والمثقفين في رحاب الأزهر الشريف بقيادة شيخ الأزهر، على إصدارها وإخراجها إلى النور في مرحلة ثورة يناير وما بعدها، وكان إصدار وثيقة توضح علاقة الدين بالدولة من منظور متحضر ومستنير هي فكرة عرضها الدكتور صلاح فضل على شيخ الأزهر فلاقت ترحيباً وصدى رائع من قبل شيخ الأزهر الدكتور الطيب، وبدأ العمل على تنظيم اجتماعات تلك النخبة والتي ستصدر عنها وثائق الأزهر في مرحلة التغيير الجذري لمصر وفي سبيل العمل على مشروع قومي يهدف إلى تحول ديمقراطي حقيقي بعيدا عن التعصب والتشرذم والمصالح المغلّفة بالدين والمستغلة للغدة الدينية لدى المواطن المصري البسيط .
وكان لابد للكاتب من إيضاح بعض الحقائق قبل أن يلج بنا إلى وثائقه واجتماعاته مع تلك النخبة، عبر مقدمة طويلة وذات محاور عدة، كان اولها وأهمها تاريخه الشخصي وانتمائه القديم للأزهر مما يبرز علاقته القوية بأقطابه المهمة ومعرفته الوثيقة بخفايا هذا الصرح الديني الكبير، عدا عن انتماء أسرته عبر أجيال متعاقبة للأزهر الشريف وانتماء بعضهم المبكر لجماعة الإخوان، بالإضافة إلى لقاءاته مع شخصيات بارزة في المجتمع العلمي والثقافي والديني والتي أثّرّت على تكوينه فكرياً وعقديا وثقافياً مع دراسته للنقد الأدبي وقد حوّلاه إلى الضفة الأخرى من الحياة ليواجهها بعقل مستنير يؤمن بثقافة التعدد وبحرية الرأي والفكر والعقيدة ، وكان من أبرز هذه الشخصيات كان "طه حسين" و "العقاد" حيث يقول عن العقاد:
" كان بالنسبة لنا نموذجاً لبعقرية الشموخ، وأسطورة العصامية، ومرجعية المعرفة، أما الأولى فلأنه صانع العبقرية السياسية والفكرية والإسلامية، الذي وقف في مجلس الشيوخ بمصر ليُهدد أكبر رأس في البلد، فسُجن للعيب في الذات الملكية ولم يُخفض جبينه لأحد، بل قال عن رجال مجلس قيادة الثورة العتاة " لو تركوا إليّ حرية كتابة عمود صحفي عنهم لجعلتهم يهربون بليلٍ من مصر مثل النساء الخاطئات في القرى " .
لقد شغف صلاح فضل بالوظيفة الشعرية باعتبارها السمة المائزة في النص اللغوي عامة والأدبي خاصة، وأوضح قيمة الفن كأساس في البنية الاجتماعية، وكعنصر فاعل في الشخصية المصرية وفي جميع عناصر الحياة . وأوضح قيمة الخطاب وتأثيره في المجتمع المصري وفي الثقافة الإنسانية عموماً . ثم انطلق إلى مفهوم وثقافة التعدد وكيف تغوّل الإسلام السياسي في المجتمعات العربية فحارب أول ما حارب فكرة التعدد، فوجدنا أنفسنا أمام تنظيمات (مثل الإخوان) تبدو في ظاهرها تنتمي إلى فئة المثقفين والوسطيين لكن تكوينهم الثقافي والفلسفي ومنهجهم الأوحد حال دون وصولهم إلى مصاف أعلام المبدعين، فيقول عنهم فضل :
" فلا يمكن أن نجد بين زعماء هذه القيادات مفكراً أو مبدعاً من الوزن الثقيل له إنتاجه في المعرفة أو الفن أو العلم البحت، بل يقتصر أنصارها على الدهماء وأنصاف المتعلمين وقادتها على خريجي الكليات العلمية من طب وهندسة وعلوم وغيرها ".
من هنا نجد أن انخراط هذه الجماعات مع الأوساط الثقافية الحقيقية أمر في غاية الصعوبة ، ذلك أن من يتخذ من المنهج الأوحد عقيدة راسخة لا تحتمل قبول الآخر ولا تؤمن بالتعددية، لن يستطيع التمازج والتوافق وإيجاد سبيل حقيقي للعمل والتعامل مع من يؤمن بالانفتاح والتهجين والتلقيح والبحث عن كل ما يثري العقل ويفتح آفاقاً واسعة للمعرفة والإبداع والثقافة، وقد أشار الكاتب إلى هذه النقطة قائلا :
" يكفي أن نلاحظ على الثقافة الإبداعية العربية ذاتها أن كبار أقطابها في عصور الإزدهار والتألق كانوا أصحاب الروافد العرقية المتعددة " واتخذ مثالا لهؤلاء ( بشار بن برد وابن الرومي وأبي تمام وأبي نواس ) وهؤلاء مهجنين عرقيا ، والمتنبي وهو مهجن ثقافيا وغيرهم .
لقد فصّل الكاتب لنا كل الخصائص التي حجبت الجماعات الإسلامية عن فصائل المجتمع عموما والثقافي خصوصا، وحالت بينهم وبين تعاطف من لا ينتمون لهم معهم، ليس فقط عدم قبولهم للتعدد بل ما ينطوي على هذا الفكر من نتائج أهمها افتقادهم للرؤية المستقبلية الحقيقية واكتفائهم بالشعارات الزائفة، واتخاذهم سياسة السلطة المركزية الواحدة في اتخاذ القرارات ورفضهم لكل نقد أو خروج عن النص أو الخارطة التي رسموها مسبقا للمجتمع، مما نتج عنه ظهور الجماعات التكفيرية التي تبيح القتل والتنكيل بكل ما هو مخالف لمنهجهم . أما عن ادعاءاتهم ودعواتهم بالحرية فهي مطالبات بنوع واحد من الحرية، وهو حريتهم في اقتناص السلطة السياسية لا غير .
لقد جاءت ثورة يناير لتتيح الفرصة للجميع لإيجاد فرصة التحول الديمقراطي الحقيقي، فاجتمع شيخ الأزهر مع 8 من كبار علماء الأزهر و22 شخصية من كبار علماء ومثقفي مصر ليوقعوا وثائق الأزهر الأربعة والتي تتضمن ( الحرية السياسية ، وحرية الفكر والتعبيروالإبداع ، وحرية البحث العلمي ، وحرية المرأة ) وفي كل اجتماع كان هناك عدد من المعطيات التي يتم مناقشتها وربما الاختلاف عليها والجدل المطوّل في شأنها ، فمثلا مفهوم مدنية الدولة وعلاقة الدين بالدولة والدولة العلمانية ومفهوم الخلافة، كلها مفاهيم واجهت جدلا واسعا بين هذه النخبة، حتى أنها وصلت إلى حرب المصطلحات ثم تحريرها مما أصابها من لغط .
ظهرت إلى النور وثائق الأزهر إلا وثيقة واحدة هي ( حرية المرأة ) حيث كانت مصر قد وصلت حينها إلى منعطف حكم الإخوان فكان أن تم التعتيم على هذه الوثيقة التي لم تكتمل بسبب تنمّر التيار الديني وظهور وجهه الحقيقي الذي يرفض تمكين المرأة ومنحها حريتها باعتبارها تابع للرجل ومواطن من الدرجة الثانية .
لقد أصدر الأزهر وثائقه الثلاثة والتي تنص على الآتي :
- دعم وتأسيس الدولة المدنية الحديثة القائمة على نظام ديمقراطي حر
- اعتماد الانتخاب الحر المباشر في نظام الدولة
- الالتزام بمنظومة الحريات الأساسية في الفكر والرأي والعقيدة واحترام آداب الاختلاف وأخلاقيات الحوار ونبذ الفكر التكفيري المتعصب .
أما عن الوثيقة الرابعة فقد تراجع عنها الأزهر وأغلق صفحتها نهائياً مما يكشف عن نكوص مشيخة الأزهر عن دورها الحقيقي في النهوض بالمجتمع والوقوف على مسافة واحدة من الجميع، ولم يكن هذا النكوص بما يخص وثيقة المرأة فقط ، بل إن باقي الوثائق حُجِبت وأُغلقت صفحاتها أيضا مما يكشف عن خضوع هذا المنبر لضغوط جماعة الإخوان ومن بعدها التيار السلفي حتى هذه اللحظة، لدرجة تجاهل دعوة رئيس الدولة المتكرر لهم لإصدار وثيقه تحدد موقف الازهر من عمليه التجديد للفكر والخطاب الديني.
إذاً التاريخ قد ينسى أحيانا وقد يزوَّر لأن بعض من يكتبون التاريخ لا يعبأون بالحقيقة ولا بالوثائق قدر اهتمامهم بمصالحهم التي قد تتعارض مع الحق والحقيقة ، وكم من وثائق في التاريخ لا نعرف عنها شيئاً لأن هناك من أعدمها وترك في قلب الحضارة ثغرات كثيرة قد لا تداويها قرون طويلة من الزمن وقد تُسفك بسببها الدماء وتُهدر الأرواح وتضيع الحقوق .
قراءة : فاطمة العبيدي
نشرت في أخبار الأدب بتاريخ 23 ابريل 2017